“ذاك لأن صانع ذراع داميان الاصطناعية هو السيّد آشر، فلذلك كنتُ أعرف وجهه فقط….”
وانساقت عيناها تلقائياً نحو ذراع داميان اليمنى، ثم شهقت متعجبة إذ لم ترَ كمّاً فارغاً، فاقتربت منه قائلةً بعينين متسعتين:
“ما هذا؟ ألَكَ ذراعٌ اصطناعية الآن؟ كنتُ أظن أنّ الأمر سيستغرق أيّاماً أخرى!”
قالت آنِيت كذلك وهي ترفع يدها إلى فمها دهشةً:
“صحيح، لقد صار لداميان ذراع.”
ابتسم داميان ابتسامةً مُحرَجة وقال:
“ركّبتُ الذراع الاصطناعية، غير أنّي لا أستطيع تحريكها بعد. قيل لي إنّ التأهيل سيجعلها تعمل، فيلزمني أن أحتمل الضيق إلى أن يحين ذلك.”
قالت ليليانا فرِحة:
“ومع ذلك، فمجرد أن لا تبدو يدك خاويةً فهذا مكسب. أيمكنني لمسها؟”
هزّ داميان رأسه موافقاً، وذلك أمرٌ بديهي، إذ إنّ نصيب ليليانا في هذه الذراع يكاد يبلغ ثمانين في المئة. فأمسكت يده بحذر، ورفعت ذراعه بنفسها، إذ لم يكن قادراً على رفعها وحده.
“أتؤلمك؟”
“موضع الزرع يحكّ قليلاً، غير أنّ الذراع نفسها لا تؤلمني.”
“الحمد لله، إذن ما عليك إلا أن تجتهد في التأهيل.”
وقد بدت فرحتها كأنّ الأمر يخصّها شخصياً، فأحسّ داميان بشيء من الخجل. وابتسمت آنِيت قائلة:
“فلنحتفل إذاً، ما رأيكم أن أشوي ديكاً روميّاً الليلة؟”
“لكنني ما زلت لا أستطيع تحريكها….”
حاول داميان أن يثنيها، لكن آنِيت كانت قد انطلقت إلى المطبخ. وظلّ يرقب ليليانا تضحك متخيّلة مائدةً عامرة، ثم ناداها:
“ليليانا، حان الوقت أن نتحادث قليلاً.”
كانت عيناه جادتين، وهو ينظر من علٍ إلى ليليانا الأقصر منه برأسٍ كامل.
“الآن وقد ركّبتُ الذراع، أرجو أن تشرحي لي لِمَ تحتاجين حارساً. من هم أولئك الذين يستهدفونك؟”
تمتمت ليليانا بحرج:
“ألم تكن تنتظر أن أشرح لك من تلقاء نفسي؟”
فحكّ داميان رأسه وقال:
“كنتُ أنوي ذلك، ولكن… هنالك أمور شغلتني، بشأنك أنت….”
وإذ تذكّر قولها إنها صاحبة طبيعةٍ غريبة، وغيابها عن الذاكرة لعامين، وصلتها بـالسيدة لينتري، أدرك أنه لا مناص من المواجهة:
“أريد أن أعرف. بل يجب أن أعرف.”
كان يعلم أن طلبه قد يبدو إلحاحاً، لكنه كان مضطرب البال حقاً. فما عاد هذا الأمر عنده من صغائر الفضول التي يقدر على كظمها. بل بلغ حدّاً لا يُطاق.
دارت عينا ليليانا يميناً ويساراً، ثم أصدرت بصوتها صفيراً خفيفاً، وتشابكت ذراعاها تفكر قليلاً، ثم رفعت رأسها وقد بدا عليها العزم:
“حسناً. تعالَ معي.”
وأدخلته إلى غرفتها. فتردّد داميان لحظة، إذ استثقل في نفسه دخول رجلٍ ناضج إلى غرفة امرأة. فتنبهت ليليانا إلى تردده وقالت ساخرةً بفتور:
“أأنت تفكّر أنّ رجلاً وامرأة بالغَين لا ينبغي لهما أن يجلسا معاً في غرفة واحدة؟ دع عنك هذه الأفكار العتيقة، وادخل، فالحديث جِدّي.”
فدخل بحذر، وكانت هذه أوّل مرة يدخل غرفة أنثى. لم يكن يملك أوهاماً رومانسية عنها، لكنه لم يخلُ أيضاً من فضول.
كانت رائحة عطرٍ مألوف تعبق في المكان، عطر علامة لاتي التجارية. وعلى المكتب آنيةُ زهورٍ من تلك التي أهداها لها مع زنبقٍ من قبل، لكنها استعملتها للزينة لا للزهور. وعلى جدارٍ آخر استندت أطرُ قماش الرسم بأحجامٍ مختلفة، ورائحة الأصباغ الخفيفة تعبق.
‘إذن هي ترسم هنا أيضاً’، قال في نفسه.
وبينما كان يتلفّت بتوتر، أطبقت ليليانا ستائر النافذة بإحكام، وأشارت له أن يجلس. فجلس على كرسي المكتب، وهي جلست قبالته على حافة السرير.
طالت نظراتها المعقدة نحوه حتى كاد يضيق، ثم قالت:
“لم أُفضِ بقصتي لأحدٍ من قبل، ولا أدري كيف أشرح. فلنترك المقدمات، وسأوجز لك: داميان، أتؤمن بالكيانات الأسطورية والسحر؟”
كان السؤال مفاجئاً له. فهو لم يطلب منها سوى أن تكشف ما تُخفيه، فإذا بها تثير موضوعاً خياليّاً. فأجاب متردداً:
“مخلوقاتٍ أسطورية؟ وسحر؟ لا أدري…”
وقد عَرف سبب تردده: فالناس منقسمون، بين من يصدّق بقاء آثارها في العالم، ومن يزعم أنها محض أوهام من عصورٍ سابقة غاب عنها العلم. وأمّا هو، فكان لا ينتمي إلى أيٍّ من الفريقين، بل إلى ثالثٍ لا يعبأ بالأمر أصلاً.
“لا أعلم.”
فتشابكت ذراعاها وأجابت بجدية:
“قصتي تبدأ من بقايا تلك المخلوقات والسحر التي ما زالت تتخفّى في هذا العالم. أنت قلتَ لا تعلم، لكن الحقيقة أنها موجودة، وهذا هو واقع الدنيا.”
فارتاب داميان مفكرا، ‘ألعلّها من أولئك الدجالين الذين يشيعون خرافات؟’
لكنها مضت قائلة ما هو أعجب:
“وأنا بنتُ إنسانٍ وروحٍ أسطورية. نصف بشريّة ونصف روح.”
“…….”
“وهذا سرٌّ لم أبوح به لأحد. فعليك أن تكتمه.”
وأشارت إليه بأصبعها كمن ينذره. وكان في صوتها جدّ. فمرّر داميان يده على وجهه في حيرة.
“ليليانا… لعلّي كنتُ أحتاج إلى تلك المقدمات التي حذفتِها.”
لقد كان نادراً ما يرتبك إلى هذا الحد. ما هذا؟ نصف إنسان نصف روح؟ أيّ روح؟ أيّ سحر؟ أتهزأ بي؟
وحين ارتسم الشك على وجهه، قطبت حاجبيها وقالت:
“وما الذي يحتاج إلى شرح بعد؟ وجود الأرواح حقيقة. أزيدك شرحاً فوق ذلك؟”
“إذن عليكِ أولاً أن تثبتي وجود تلك الأرواح…”
وما كاد يتمّ كلامه حتى رفعت يدها، فانبعث منها نورٌ وهاج. وتحوّل النور إلى شررٍ يتطاير، ثم إلى نارٍ صغيرة تتأجج فوق راحتها، بحجم قبضة اليد، لا تخبو بل تلتهب هادئةً أمام عينيه.
التعليقات لهذا الفصل " 52"