“ألم أقل لك إن الأمر يُشغل بالي طوال الوقت! لقد كنتُ، قبل برهة من الزمان، ابنةَ عشرين ربيعاً، فإذا بي الآن أجد جسدي قد صار في الثانية والعشرين! أين مضت سنتاي؟ سنتاي! ماذا كنتُ أصنع فيهما؟ وهل نمَت نفسي فيهما نماءً روحياً حقاً؟”
رمقها داميان بعينين فيهما شفقة وقال:
“ترى، هل جَرَّبتِ أن تستردي الذاكرة المفقودة؟ وماذا يقول الأطباء؟”
قالت وهي تزفر زفرة طويلة:
“الأطباء يقولون إن الذاكرة قد تعود شيئاً فشيئاً، فلا أتعجَّل الأمر. لكن كيف لا أتعجل؟! لقد سُلب مني عامان من ربيع شبابي! جرَّبتُ بعض المحاولات بنفسي غير أني…….”
تلعثمت قليلاً، ثم هزت رأسها بأسى:
“لا جدوى، لا جدوى. والأعجب أنّ خالتي لا تُخبرني بما جرى في هذين العامين، فكأنما الطريق مسدود.”
ثم تنهدت ثانية وقالت:
“حتى لقد خالجني خاطرٌ شديد الغرابة: ماذا لو ضُرب رأسي ضربة قوية فاهتزَّت ذاكرتي وعادت؟ ما رأيك؟”
قال ببرود:
“أتقولينها بجدية؟ إن أردتِ، أُعينك على ذلك. غير أني لا أضمن النتيجة.”
هزّت رأسها:
“لا، لا. هذا ليس فيلماً سينمائياً. ثم، إن لم تعد الذكرى، أليس في الإمكان أن أعيش بدونها؟”
فأجاب داميان متمهلاً:
“إن لم تعد، فالحياة تمضي. ثم إنك لا تجدين مشقةً في حياتك الآن. وسدُّ ثغرة عامين ليس بالعسير.”
لكن ليليانا لم تُوافقه، بل أطرقَت وقالت في همٍّ ظاهر:
“لكنه فواتٌ مؤلم. أُريد أن أعلم ماذا جرى لي في هذين العامين. لعل فيهما ذكريات عزيزة لا ينبغي أن تُمحى. ماذا لو كانت هناك لحظة لا يجوز أن تُنسى أبداً؟”
ثم خفضت صوتها:
“أشعر أنّ أمراً عظيماً وقع لي ولمن حولي في تلك الفترة، لكن خالتي تُصرُّ على الكتمان. فأنا وحدي عليّ أن أسترجع ما فات.”
ساد صمت ثقيل. وكان داميان، إذ هو قليل الحيلة في مثل هذا، يَجهل ماذا يقول. ولمّا رأت ليليانا تردده بادرت تُغيّر نبرتها:
“ثم هناك أمر آخر!”
نظر إليها داميان، كأنه يدعوها إلى إكمال الحديث. فرفعت كتفيها وقالت:
“أظن أني كنتُ أُحبّ شخصاً ما في تلك المدة.”
فقال بدهشة:
“أتُراكِ تعنين أن لكِ حبيباً؟”
ارتبكت ثم قالت:
“لا أدري. أكان حبيباً بحقّ، أم كنتُ وحدي أُحبّه؟ أم أنّ الأمر كان يتنامى فإذا بالذاكرة تنقطع؟! سألتُ خالتي فما أفادتني بشيء. بل لعلها هي نفسها لا تعلم، فإني لم أكن أبوح لها بكل دقائق أمري.”
“لكن، بأي دليلٍ عرفتِ أنّكِ كنتِ تُحبين أحداً؟”
فاحمرّ وجهها وقالت وهي تتلعثم:
“وجدتُ آثاراً لا يفعلها المرء إلا لمن يُحبّه.”
“وما هي؟”
أشاحت بوجهها وقالت بعجلة:
“ذاك أمر لا يعنيك! يكفي أن تعلم أنه كان.”
فأطرق داميان وصمت، مكتفياً برشف عصيره.
قالت ليليانا بصوت مؤكد:
“أنا واثقة أنّ في حياتي آنذاك شخصاً أحببته حقاً. لكن مَن هو؟ أموت شوقاً لمعرفة الجواب! إذ في ذاكرتي القديمة لا أحد يصلح لذلك أبداً. ثم تأمل: لو كان لي حبيب أو قريب من ذلك، أفما كان ليزورني حين صرتُ عليلة وجئتُ إلى العاصمة؟ لكنه لم يأتِ، فهل يعني أنّ الأمر كان محض حبٍّ من طرف واحد؟”
هز داميان رأسه متحيراً ولم يُجب.
واصلت:
“لو كان الأمر كذلك، فهذا مُهين! مثلي، وقد كنتُ جميلةً محبوبة، أصير صاحبة حبٍّ بلا مقابل؟ هذا ما لا يُصدَّق! بل أزعم أنّه هو أيضاً كان يهواني.”
عند ذلك لم يملك داميان نفسه فانفجر ضاحكاً، وغطّى فمه بيده يحاول الكتمان ثم أطلق سعالاً ليخفي ضحكه.
قالت ليليانا مدهوشة:
“أتضحك من قولي؟”
قال وهو يحاول التماسك:
“لا، وإنما أضحكني تباهيكِ بنفسك!”
قالت برأس مرفوع:
“لكنها الحقيقة! أنا جميلة وذو خُلق حسن.”
ثم تابعت متدللة:
“بل أزعم أنّي، وإن لم أكن أجمل أهل العاصمة، فأنا في بلدتي الثالثة بلا ريب. ولو شئتُ لنافست على الأولى، لكن الحياء من شيم السيدة، فأرضى بالثالثة.”
ظل داميان يحدّق فيها حتى اضطربت وقالت:
“لِمَ تحدّق بي هكذا؟ هل قلتُ ما يُضحك؟”
فأجاب وهو يمرر يده في شعره:
“في كل مرة تقولين مثل هذا، لا أدري أي ردٍّ يليق أن أُبديه.”
وقد بدا على مُحياه ظل حزن لم تلحظه هي إلاّ في لمحة خاطفة. كادت تسأله، فإذا به يسبقها:
“شكراً لكِ يا ليليانا.”
قالت متفاجئة:
“على ماذا؟”
فأشار إلى الأشجار المزهرة وقال:
“لقد أيقنتُ الآن أني أُحبّ السيّدة لينتري أكثر مما ظننت. حديثكِ هذا أبان لي ذلك.”
قالت بتردد:
“ذاك حسن إذن.”
فقال وهو ينظر إلى بتلات الزهر المتساقطة مع الريح:
“لا أزال أُريد لقاءها. أُريد أن أمشي معها على ضفاف النهر تحت هذا المطر من بتلات الزهور.”
ابتسمت ليليانا وقالت:
“حقّاً، سيكون مشهداً جميلاً.”
ثم أردفت مداعبة:
“على أن تُعرّفني بها حين تلقاها.”
“هو ما سيكون. أظن أن بينكما توافقاً كثيراً.”
قالت متفاجئة:
“لكن ألم تقل إنك لم ترَ وجهها قط؟”
“بلى، لم أرَ لها صورة.”
“فكيف تظنّ ملامحها؟”
توقف يفكّر ثم قال:
“لا أدري. لكن يخطر لي أنّها شَقراء.”
“شَقراء؟ وما الذي أوحى لك بذلك؟”
قال متذكراً:
“رأيتها في حلم مرّة، وكانت شَقراء. غير أنّي لم أتبين ملامحها، فربما كان خيالي هو الذي صاغها كذلك.”
التعليقات لهذا الفصل " 50"