‘في الحقيقة… لا أدري حتى الآن. الحب؟ كيف لي أن أعرفه وأنا لم أجرّبه قط؟ بل حتى الصداقة لم أعرفها كما ينبغي، إذ لا أصدقاء لي، فكيف بالحب؟ إنّه شعور بالغ العُسر على نفسي.’
كان داميان كالطفل، لا يحسن إدراك ما يعتريه من مشاعر في علاقاته بالناس. فالتواصل والارتباط بالآخرين كان عسيراً عليه أشدّ العُسر.
ومن ثَمّ، أراد أن يلقى السيدة لينترَي وجهاً لوجه، ليقف على حقيقة إحساسه: أهو حقاً ذاك الحب الذي يتحدث عنه الناس، حبّ رجل لامرأة؟ ماذا يعني أن يعجب المرء بإنسان؟
كلّما خطرت السيدة لينترَي بباله، شعر بدغدغةٍ في صدره ورعشةٍ تسري فيه. اشتاق أن يراها بعينيه، أن يحدّثها، أن يجلس قبالتها… أن يمدّ يده إليها.
غير أنّ الأوان قد فات. لقد اختفت، تاركةً وراءها لغزاً محيّراً، ولا سبيل له إلى لقائها.
قال بوجهٍ يجلله الأسى:
“حتى لو رغبتُ أن أتحقق الآن… فلستُ قادراً.”
“ومن هي؟ ولم لا تستطيع أن تراها؟” سألت ليليانا.
“لأنني لا أستطيع أن ألقاها.”
حدّقت فيه بعينين يملؤهما الفضول. تردّد قليلاً ثم طأطأ رأسه وقال:
“أتذكرين يوم رأيتك أول مرة، وقلت إنني حسبتكِ شخصاً آخر؟”
“آه، نعم! كان اسمها لين… لين….”
“لينترَي.”
“صحيح! هكذا كان اسمها!”
فشرع داميان يقصّ الحكاية كأنها قصة من أساطير قديمة:
“كان لي مكاتبة وأنا في الجيش. لم أعرف وجهها، ولا حتى اسمها الحق. كانت توقّع رسائلها باسم لينترَي. وبعد حين، وقع في نفسي أنّه قد يكون اسماً مستعاراً. كنتُ أحسبها تعيش في إيدِنفالن، لكنني الآن لست متأكداً إن كان ذلك حقّاً.”
“لكن، أما كان يكفي أن تبحث عنها بالعنوان؟”
“بحثتُ… فلم أجد أحداً.”
“لم تجد؟”
قطّبت ليليانا حاجبها، فأجابها بمرارة:
“حين قصدتُ العنوان، كان البيت قد احترق عن آخره، وسكانه قد تفرّقوا أو هلكوا، لا أدري. حاولتُ أن أتحرّى أمرهم، لكن لم أبلغ شيئاً يُذكر.”
وتمتم كمن يهمس لنفسه:
“ليتَها على الأقل ما تزال حيّة…”
سكت، غارقاً في خواطره، فرأت ليليانا أنّه غدا أكثر كآبة مما توقّعت، فقالت لتغيّر مجرى الكلام:
“ولكن… إن كنت لا تعرف اسمها ولا وجهها، فكيف خلطتَ بيني وبينها؟”
“لقد رشّت يوماً عطراً على إحدى رسائلها. وكان عطركِ شبيهاً به.”
“فقط لذلك؟”
“نعم، لقد كنتُ أحمق.”
‘همم…’ همهمت ليليانا بأنفها. وبينما هي تمشي، علقت بعض أوراق الزهر بشَعرها. ولم يدرك داميان إلا حين رأى الأوراق تتساقط من السماء كالمطر، ففطن عندها لِمَ أرادت ليليانا التنزّه على ضفة النهر.
مدّ يده ليلتقط الزهرات من خصل شعرها الذهبي، وهي تراقبه دون حذر. فأخذها بلطف واحداً واحداً.
“غير أنّ الأمر لا يقف عند العطر. كثيراً ما أراكِ، فأحسبني معها. ثمة أشياء متشابهة بينكما.”
“مثل ماذا؟”
“السن متقارب، والخط متشابه، وأسلوب الحديث أيضاً…”
نفض أصابعه، فتناثرت البتلات مع الريح.
“أمورٌ كثيرة، أكثر مما تظنين.”
لكن عينيه كانتا شارحتين إلى الأفق، لا إليها. فداخَلها شيء من الضيق وقالت بطفولية:
“لكنني لستُ تلك المرأة. وإيدِنفالن هذه لا أعلم عنها شيئاً.”
“أجل… صدقتِ.”
وفي تلك اللحظة، اعترض سربٌ من البط طريقهما على الممشى، فتوقّفا حتى مرّ. وبعد هنيهةٍ، عاد داميان للكلام:
“أول الأمر، لم يكن إلا تسليةً. مراسلةً عابثة لتمضية الوقت في الجيش. لم أكن أنوي التعلّق. لكنّها قالت يوماً: إن لم تكتب، فسأحسبك قد قُتلت. فما قدرتُ أن أتركها هكذا. لم أرد أن أجعلها حزينة، وإن لم أعرفها.”
ارتشف من عصيره وقال:
“فصرنا نتبادل الرسائل كثيراً. معظمها حديثٌ تافه، لكني وجدت نفسي أنتظرها بشغف. صارت تلك الرسائل فسحةً يتخلّل بها ضنك الحرب. ومع ذلك، هِبتُ الأمر. خشيتُ أن تقلق بسببي، فأعرضت عنها فجأة، ولم أجب. حسبتُ أني إن صمتّ، تركتني. لكني كنتُ واهمًا. واصلت إرسال الرسائل، وأنا أتجاهلها. لستُ أدري حتى ما كتبت. ربما عاتبتني، وربما تألّمت. بيد أنّي حينذاك توهّمتُ أني أحسن صنيعاً.”
غامت عيناه بلون الحزن، ثم تمتم:
“أتدرين بماذا فكرتُ حين انفجرَت القنبلة أمامي؟ أول ما خطر ببالي، كلماتها: إيّاك أن تموت.”
أطرق ثم ابتسم ابتسامة ساخرة من نفسه:
“لا أدري إن كنتُ نجوت بسبب تلك الكلمات أو لا، لكني أعلم أنّه لولاها، لكنتُ ميّتاً الآن. وحينها فقط، أردتُ أن أراها. أردتُ أن ألقاها. أردتُ… أن أقول شيئاً. وما إن خرجتُ من الجيش حتى بحثت عنها، لكن… كما أسلفتُ، لم أجدها.”
وارتسمت غمامة على وجهه لم يلحظها، لكن ليليانا رأت حزنه يزداد قتامة.
“لا يهمّني إن كان شعوري هذا هو الحب أو غيره. التعريف لا يعنيني. ما يهمّني أنّي الآن أريد أن أراها.”
“لتفعل ماذا؟”
ابتسم متحيّراً وقال:
“لا أعلم. ماذا عساي أفعل؟ إن تحققتُ من شعوري، فما الخطوة التالية؟ أتراني أجدها عبثاً؟”
مالت ليليانا نحوه وهي تبتسم برفق، وقد انسدل شعرها الذهبيّ على كتفها:
“لا حاجة لأن تُرهق نفسك بالتفكير يا داميان. أحياناً لا نحتاج سبباً لنلتقي بمن نحبّ. يكفي أن القلب يشتاق. وأياً كان، فأنا أرى أنّك تحبّها حقّاً. لو كنتُ مكانك، لبحثت عنها. هذا أمر طبيعي.”
“لا أفهم قصدك.”
“أما قلت إنك تودّ لقاءها؟ فذاك يكفي. لا يلزمك أن تحدّد ما ستفعل بعدها. الحبّ، الصداقة، أو أي شعور آخر… كلها دوافع طبيعية للقاء شخص عزيز.”
“ما زلتُ لا أفهم.”
“ستفهم يوماً، فأنت ما زلت صغيراً.”
سكت قليلاً ثم قال:
“لكن ثمة أمر أرغب في التنبيه إليه.”
“ما هو؟”
“لا أودّ أن أُلقَّن درساً في المشاعر من فتاةٍ ذات عقل عشرين عاماً… وقد محيت سنتان من ذاكرتها.”
“أنتَ!”
صرخت (ليليانا) غاضبة، فيما أطلّ على وجه (داميان) الذي كان ملبّداً بالحزن، ابتسامة مشاكسة خفّفت من ثقل الجو.
التعليقات لهذا الفصل " 49"