وكأن مواجهةً خفيّة دارت لحظاتٍ بينه وبين ما في الأدغال، إذ انطلق فجأة كالصاعقة وأطبق على ما هناك. فإذا صرخةٌ عالية تمزّق السكون:
“آااه!”
شهق كارل فاغرًا عينيه، وإذ بـداميان يخرج من بين الشجيرات ممسكًا بشابٍّ، يجرّه جَرًّا. والشاب يتلوّى في قبضته، يحاول الفرار، غير أنّ يد داميان اليسرى وحدها كانت كافية لتثبيته.
لم يرخِه داميان حتى ابتعد مسافة عن الأدغال، ثم أطلقه. فانفجر الشابّ صارخًا:
“ما بكَ أنت؟! من تكون؟!”
فردّ عليه داميان ببرود، وعيناه لا تطرفان:
“بل أنا من يسأل. من أنتَ، ولماذا تتجسّس على هذا المكان خفيةً؟”
فقال الشاب بحدة:
“وما شأنك أنت؟”
كاد داميان أن يهوي بقبضته على رأسه، لولا أنّ كارل تدخّل قائلًا:
“غرين؟ ما الذي تصنعه هنا؟”
“غرين؟”
أدار داميان نظره إليه بدهشة. فإذا هو شاب في مثل سنّه تقريبًا، شعره يميل إلى الحمرة، بشرته سمراء بعض الشيء، أقصر منه قامة، غير أنّ في وجهه مسحةً من التمرّد.
ابتسم داميان بسخريةٍ وقال:
“أأنتَ غرين؟”
“وإن كنتُ أنا، فماذا؟”
“سمعتُ أنّك غادرت القرية لأجل العمل. أعدتَ الآن؟”
“أخذتُ إجازة قصيرة، فمررتُ. لكن من تكون أنت حتى تعلم هذه التفاصيل؟”
وشعر داميان في قلبه بخفقةٍ خاصّة: ها هو ذا، أحد الذين ورد ذكرهم في الرسائل قد قام بين يديه لحمًا ودمًا. فخفّت حدّة حذره، وغلبه شعور بالسرور.
‘إذن، لينتري كانت شخصًا حقيقيًا…!’
تملكه الاضطراب من شدّة الانفعال، ثم تمالك نفسه وقال:
“أنا داميان ستيرن. لي معك بعض الأسئلة.”
قال غرين وهو يرمقه شزرًا:
“أولًا، لمَ تخاطبني بغير احترام؟”
غير أنّ داميان، وقد رَقّ قلبه، أجابه بلهجةٍ متسامحة على غير عادته:
“أظنني لست أصغر منك سنًّا. ثم إنك أنت أول من بادر بالكلام القصير.”
ولولا ذلك الجوّ من الودّ الغريب، لكان داميان هشّم رأسه منذ برهة.
قال غرين مترددًا:
“أتعرفني؟”
“قليلًا.”
“وكيف؟”
“السيّدة لينتري ذكرتك في رسائلها.”
“لينتري؟ تلك التي كانت تعيش هنا؟”
هزّ داميان رأسه بالإيجاب، فإذا بـغرين يتجهّم:
“ولِمَ تراسلُك هي وتذكرني؟”
قال داميان:
“الأمر جرى على هذا النحو. لكن لي أسئلة في ذلك. غير أنك لم تجبني: ما الذي كنتَ تصنعه هنا؟”
فقال غرين بسرعة:
“رأيتك غريبًا تتجه نحو قصر بينبرك، فارتبت بك وتبعتك، لا أكثر!”
“هكذا؟”
“نعم! أوَظننتَ أن لي غرضًا آخر؟ أنا من أبناء القرية، أليس طبيعيًّا أن أتجوّل هنا؟”
“هممم…”
لكن داميان لم يُزل عنه الشك. وقبل أن يشرع في استجوابه على طريقة التحقيقات العسكرية، تدخل كارل مهدئًا:
“رويدكما… أنتما لا تتشاجران، صحيح؟”
قال داميان بملامح هادئة:
“شجار؟ إنما نحن نتحادث، ألا ترى؟”
لكن غرين انحاش وراء كارل وهو يقول:
“ألا ترى هيئته؟ كأنه سيبرحني ضربًا!”
تمتم داميان:
“اضعف وأكثر جُبنا مما توقعت.”
فانفعل غرين وصاح يسأل كارل:
“عمي كارل، أتعرف هذا الرجل؟ هو من ركابك، أليس كذلك؟ أحقًّا يجوز أن تجيء به إلى هنا؟!”
قال كارل:
“بلى، هو صديق الآنسة سيرا التي كانت تقيم هنا. وقد جاء قبل أيام كذلك.”
هتف غرين:
“سيرا؟ وليس لينتري؟”
“إيه… كذلك.”
“لكن ما باله يذكر الرسائل بينها وبينه؟”
فقال داميان:
“الأمر تمّ كذلك وحسب.”
وما زال غرين يرمقه بريبة، مكتوف اليدين. أمّا داميان فظلّ ثابتًا، كأنّ ما حوله لا يُقلقه.
قال غرين:
“فما هذه الأسئلة التي تزعمها؟”
قال داميان:
“أمر يسير. إنني أبحث عن الآنسة سيرا. فقل لي…”
وأخرج من جيب سرواله صورةً ناولها إليه.
“هل عرفتَ هذه الفتاة؟”
كانت تلك صورة التُقطت قبل أيام عند نافورة قصر روميلتوس مع ليليانا.
تأملها غرين مليًّا، التفت إلى داميان، ثم عاد إلى الصورة متمعنًا وقال مترددًا:
“كأنني رأيتها… أو لعلني مخطئ…”
“إذن لم ترها.”
ثم أعاد الصورة إلى جيبه.
“فهل لك أن تصف لي ملامح أهل هذا البيت؟”
فاستغرب غرين وسأله محتدًا:
“ماذا؟ ألستَ صديقًا لـسيرا؟ كيف تجهل شكلها إذن؟”
قال داميان:
“إنما أتحقق. فلتخبرني، أو ليخبرني كارل هنا إن شئت.”
نظر غرين إلى كارل كالمستنجد، فحكّ الأخير ذقنه وقال:
“البارون، صاحب هذا القصر، كان…”
ثم عقد جبينه وتوقف، ناظرًا إلى غرين.
“مهلًا… كيف كان شكله؟”
فصاح غرين:
“ماذا؟ أما تعرف؟!”
ثم جمد فجأة، وارتبك يحك رأسه:
“غريب… لمَ لا يحضر شكله في بالي؟! لقد رأيته مرارًا!”
تغير وجه داميان، إذ بدا الأمر مريبًا حقًا.
قال غرين مرتبكًا:
“أقسم أنني لا أتعمد ذلك، لكن لا أذكره حقًا…”
قال داميان:
“فماذا عن الآنسة سيرا أو لينتري؟”
ساد صمت.
عقد كلاهما جبينه، وضرب غرين صدره بقبضةٍ يائسًا، بينما شدّ كارل شعره:
“لِمَ لا أذكر؟”
“وأنا أيضًا! لمَ محيَ من بالي؟”
قال كارل:
“أما أنا فشيخ، لكنك شاب، كيف تُصاب بهذا؟!”
قال غرين:
“أقسم أنّني لا أكذب! كنتُ صديق سيرا! بل كان عندي صورة لها!”
قال داميان بحدة:
“صورة؟! لم لم تذكرها من قبل؟ أرني إياها!”
فأجاب غرين بوجهٍ محتقن:
“ضاعَت مني…”
فنظر إليهما داميان نظرة عميقة، كأنّه يتفحّص صدقهما. غير أنّ ملامحهما المذعورة لم تُشبه الكذب.
“إذن، أسأل أهل القرية.”
قال كارل:
“حسناً، القرية تعرفهم لا محالة.”
وهتف غرين:
“بلى، لا بد أن يتذكّر غيرنا!”
فاضطر داميان أن يركب معهم إلى القرية. فأخذ كارل يسأل كل من يلقاه عن هيئة أسرة بينبرك. فجاءت الأجوبة مدهشة:
“أسرة البارون؟ لا أدري… لم أكن على صلة بهم.”
“البارون وابنته سيرا؟ الآن أفكّر، لكن وجوههم باهتة في ذاكرتي…”
“لم أكن أراهم كثيرًا.”
“أأنا أخرف؟ لا أذكر ملامحهم أصلًا!”
ومهما سألوا، لم يعرف أحدٌ حتى أبسط المعلومات: لون الشعر، طول القامة… كأنّ شيئًا قد محي من رؤوسهم.
التعليقات لهذا الفصل " 44"