“همم… حسنًا. إذن ألتمس منكم أن تفضّوا لي التفصيل لاحقًا على وجه التحقيق. وأما الآن فسأفترض أنّ الخطر قد يأتي من مجهول فأقوم بالحراسة على هذا الأساس.”
“هل من أسئلة أُخَر؟”
“أيجوز لي أن أقتل؟”
ما إن سقط السؤال المرعب حتى ارتجفت ليليانا و باسكا.
قالت ليليانا مترددة:
“ليس الأمر سيئًا إلى حدّ أن يلزم القتل…”
غير أنّ باسكا قطبت جبينها قائلة:
“القتل لا حرج فيه بحدّ ذاته، لكن ثمّة رجال إن قُتلوا حقًا أورثونا في التبعات عُسرًا شديدًا.”
“مفهوم. إذن أدع البقية للحال، فإن دعت الحاجة إلى القتل فعلت.”
“لا، أعني أن التبعات…”
“دعوا شأنها إليّ.”
كان كلامه يوحي أنّ الأصل عنده هو الفتك والقتل، وأما الإبقاء على النفس فخيار ثانوي. ولم يكن في نفسه أدنى رهبة من أن يواري خصمه الثرى دون أن يشعر به أحد. ولما بدا ذلك جليًّا على وجهه، أحسّت باسكا بقشعريرة في عظامها فازدردت ريقها.
“ه… هل من أسئلة أخرى؟”
“إن لم يكن عندكم ما تزيدون فليس عندي بدوري ما أقول.”
تدخلت ليليانا وهي تحدّق فيه بارتياب: “حقًا لا تريد أن تسأل أكثر؟”
“لقد قُضي لي ثمن الصمت بما فيه الكفاية. فليس من شيم الامين أن يخالف شرط عميله.”
ابتسمت باسكا: “حديثنا إذًا على وفاق.”
ثم ارتشفت بقيّة الشاي مسرورة. وبعد أن فرغت، قالت بصوت هادىء:
“فلنُبرم العقد رسميًا. يلزمني بعض الوقت لأهيّئ الأوراق، وسأبعث إليك في غضون يومين أو ثلاثة. من لحظة التوقيع يبدأ العمل. فاغتنم الوقت الباقي لتستعد.”
“حسنا.”
“فلنذهب إذًا لتركيب اليد الاصطناعية؟”
نظر داميان إلى الساعة وكانت تكاد تشير إلى الثانية، ثم رفع بصره نحو باسكا: “الآن؟”
“قلت لك استعدّ. فلا بد أن تهيَّأ اليد مع موعد العقد.”
ثم قامت مسرعة، وتبعتها ليليانا تدفع داميان لينهض، وهي تقول بلهجة مبتهجة:
“هنيئًا لك يا داميان! أخيرًا ستنال يد آشر أولون الاصطناعية.”
“لكنني…”
“هيا بنا! أعددتُ لك في ذهني بعض المواصفات.”
وهكذا، مع أنه وافق على الطلب، كان لا يزال يشعر بالدهشة أن يُمنح يد آشر أولون. ولم يلبث أن وجد نفسه منساقًا نصف راغب خلف المرأتين إلى مشغل ذلك الصانع.
—
قال آشر أولون ما إن رآه: “كنت أعلم أنك ستعود. أليست يدي هي الأفضل؟”
وقد بدا على داميان الغيظ فقد جرح كبرياؤه، وإن لم يجد ما يردّ به. لكن أيّ ضمير يجيز مثل تلك الأسعار الفاحشة؟!
قال آشر: “فبأيّ خيار تريدها؟”
قالت ليليانا وباسكا معًا كأنّما اتفقتا سلفًا: “بأفضل ما عندك!”
وأضافت باسكا: “فلتكن بالوظائف الأتمّ ما أمكنك.”
“وماذا عن النفقة؟”
“لا يهمّ.”
وما إن لفظت ذلك حتى برق بريق في عيني آشر من خلف عدسته، فخطر لداميان أنّ هؤلاء النسوة سيجرّون مصيبة. فسارع إلى القول:
“لسنا بحاجة لوظائف زائدة، بل يكفي الطراز الأساسي من الأذرع الكهربائية. أليست قادرة على أن تعمل كالكفّ الأصلية؟”
قال آشر: “بلى، لكن الوظائف المضافة تُيسّر عليك أكثر من اليد الطبيعية. أيّ صنعة تعمل؟”
تلعثم داميان: “…أعمل حار….”
لكن ليليانا سبقت فقالت: “إنه حارس شخصي.”
فازداد البريق في عينَي آشر: “حارس؟ مهنة تستخدم الجسد إذًا؟”
فعرف داميان أنّه أُصيب في مقتل، فما تلك النظرة إلا نظرة من عزم أن يستنزفه. فقال: “يكفيني أن أستعمل السلاح.”
قال آشر بحماسة: “أي سلاح؟ أيمكن أن أجعل أعلى الذراع ينفتح فتخرج منه مدفعية خفيفة؟”
قالت باسكا منبهرة: “ما أروعه! أليس هذا عمليًا جدًّا؟”
فما كان من داميان إلا أن سدّد يده على فمها قائلاً بجدّ: “هذه أمور أعلمها أنا بحكم التجربة. فدعيني أختار ما يناسبني. استريحي جانبًا.”
فانكمشت باسكا وجلست تعبث بنماذج الأذرع، بينما لم تجد ليليانا بأسًا أن تدع الأمر له، إذ كانت تعلم أنّ داميان لا يطمع طمع السفهاء، وإنّما يحتاط.
فقالت من جانبها: “لكن اجعل بعض الوظائف الإضافية البسيطة. لعلّك لا تحتاجها الآن، ولكن المستقبل غيب، وأيسر أن تُعدّ من الآن من أن تعود فتطلب التعديل بعد حين. لا أقول المبالغ الغالية، بل ما هو عمليّ في حدود معقولة.”
فأخذ داميان بكلامها وأخذ يقلب الكتالوج، يستشيرها بين حين وآخر. ولم تمضِ إلا ساعتان حتى وضع الخطوط العريضة. ثم جرى قياس الأطوال، واختيار المواد، وحدد ميعاد العملية الجراحية.
وسأله داميان: “وكم يطول ذلك عادة؟”
فقال آشر: “في العادة شهران. أمّا عندي، فالتصميم يخرج في يومين أو ثلاثة، والتصنيع ثلاثة إلى خمسة أيام، ثم نلج العملية. وتحتاج إلى أسبوعين للتعافي. أما إعادة التأهيل فشأن آخر. وسأتولى أنا التنسيق مع المستشفى.”
فحدّث داميان نفسه: ‘المال… ما أعجب سلطانه! لا يحلّ كل العقد، لكنه يحلّ أكثرها.’
وأخذ آشر بياناته على سرور، حتى إذا همّوا بالعقد، مدّت باسكا يدها ببرود وأخرجت صكًا على بياض! فازدادت حيرة داميان من سرّ ثروتها.
خرجوا من الورشة مودَّعين بإجلال، وإذا الشمس قد أوشكت على الأفول. كان داميان يتبع المرأتين في طريق محطة الترام، وهو يقول:
“دعوني أوصلكما.”
لكن باسكا أجابت: “لا داعي. سأصحب ليليانا وأمضي إلى محطة القطار، فارجع أنت إلى راحتك.”
تردّد داميان إذ كان قد نال منهنّ الكثير، فقالت ليليانا باسمة: “لا تقلق. أحيانًا تبالغ في حمايتي يا داميان. سيأتي حينٌ يكون ذلك نافعًا، أما الآن فلا ضرورة. ثم إني أريد قليلًا من الحرية قبل أن تبدأ حراستك رسميًا، أفهمت؟”
فقال داميان: “إذن دعيني أقول بدوري: غدًا لن أكون في نيهيرو. فإن عرض أمرٌ فبلّغوا الفندق ليخبِروني.”
التعليقات لهذا الفصل " 42"