تكلّمت ليليانا بأشدّ ما استطاعت من التحفّظ، بيد أنّ باسكا لاذت بالصمت طويلًا. لم تَقوَ ليليانا على احتمال هذا الجوّ الموحش، فارتبكت وأسرعت تُتابع القول:
“آه، فإن لم يكن ممكنًا فالأمر لا حيلة فيه! ثم إنّني لستُ أملك سببًا حقيقيًّا يحتم عليّ أن أبوح بما عندي! آه، نعم أعلم… إن تحدّثتُ فقد تؤول الحال بي وبخالتي إلى ضيقٍ شديد…! إنّما أردتُ الحديث إذ إنّي أثق بدايمان، غير أنّي لم أعرفه منذ زمن طويل، فلعلّي تعجّلتُ في الحكم على المرء… لا، لا أتحدّث! نعم، لن أقول! أههه… أهاهاها…”
ابتسمت ليليانا ابتسامة متكلّفة لتُطمئن باسكا. ويبدو أنّ حيلتها قد نجحت، إذ سُمِع من وراء الهاتف زفرة خفيّة.
―……نعم.
ولتغيير هذا الجوّ الثقيل بادرت ليليانا تُثير موضوعًا آخر:
“على كلٍّ، أتدرين ما وقع اليوم؟ إنّ داميان….”
وراحت تسرد على باسكا، مع شيءٍ من المبالغة، كيف أنّ داميان قد واجه أربعة لصوص دفعةً واحدة وغلبهم في لحظة.
“أليس ذلك عظيمًا؟ أليس كذلك؟”
قالت ليليانا بلهجةٍ تفيض اعتدادًا، وإن لم يكن الفعل فعلها. عندها أجابت باسكا بصوتٍ خفيض:
―أوَه… حقًّا أمرٌ جلل! أكان الأمر كذلك إذن…؟
“إنّه الحقّ! لقد جرى الأمر في غمضة عين…”
―إذن فهو رجل موهوب حقًّا…؟
كان في صوت باسكا شيءٌ من الغموض لم تستطع ليليانا أن تُدرك مراميه، فساورها القلق.
“خالتي؟”
―ههه… أجل، ما دام في الأرض حياة، فلا يُترك المرء لحتفه هكذا.
ثم انطلقت تضحك ضحكةً متمهّلة، كأنّها أسدٌ شبعان. نادتْها ليليانا مرارًا، لكن باسكا لم تُجِب غير أن تواصل ضحكها الخافت، غارقةً في خواطرها.
“خالتي؟ أأنتِ تسمعينني؟ خالتي؟”
فلمّا ألحّت عليها بالكلام، غيّرت باسكا صوتها فجأة إلى نبرةٍ جادّة:
―ليليانا، الحقّ أنّ الأمر هو…
ثم تردّدت قليلًا قبل أن تقول:
―كنتُ أودّ أن أؤخّر هذا الحديث زمنًا، ولكن إذ أراكِ عازمةً على التجوال هنا وهناك، فقد رأيتُ أنّي إن لم أُخبركِ الساعة ندمتُ بعد ذلك.
“ما هذا الكلام المفاجئ؟ ما الذي تقصدينه بكلّ هذه الجديّة؟”
قالت ليليانا في حيرة، فأجابت باسكا بنبرةٍ ثقيلة:
―أصغي إليّ يا ليليانا. عليكِ أن تمتنعين عن العودة إلى المشرق زمنًا من الدهر.
فعقدت ليليانا حاجبيها وقالت:
“ماذا؟ ولماذا؟”
―إنّ القوم الذين يطاردون كايشي قد تبيّنوا وجودك.
“ماذا قلتِ؟!”
ارتفع صوت ليليانا من تلقاء نفسها:
“ما معنى هذا؟! ما الذي جرى في هذين العامين؟”
فأجابتها باسكا بصوتٍ متعب:
―لقد علموا أنّ لكايشي أختًا صغرى، ولذلك صاروا يستهدفونك. ولأنّك أضعف من كايشي الغائب في الخارج، فقد وجدوا فيك مطمعًا أيسر. لقد نقّبوا عن مخابئ كيلتا، وأفسدوا عليّ رجالي الذين غرستُهم في جامعة نوستر، فلم أعد أستطيع الانتفاع بهم. من أجل ذلك دفعتُك إلى مستشفى نيهيـرو، إذ كما يُقال: أخفِ الشجرة في الغابة. ورأيتُ أنّ بقاؤك في العاصمة المزدحمة خيرٌ لك من المشرق قليل الناس.
“لا أفقه قولك بأنّك لا تستطيعين استخدام رجالك… ما الذي جرى لك، خالتي؟”
―جرى ما جرى. لكن على كلّ حال، لا سبيل لكِ إلى كيلتا ولا إلى جامعة نوستر في هذا الوقت.
“ولِمَ لم تخبريني من قبل؟ ولِمَ تظاهرتِ كأنّ شيئًا لم يكن؟”
ارتسمت على محيّا ليليانا أمارات الحيرة والقلق، غير أنّ صوت باسكا كان محايدًا كأنّه كلام موظّف:
―كنتِ مريضة. وقلبك واهن. أيُّ نفعٍ في أن أُثقل عليك بمثل هذه الأخبار؟
“لكن…!”
عضّت ليليانا على شفتها السفلى، ثم سألت:
“فما مآلي إذن؟”
―آه، وهذا ما أردتُ الحديث فيه.
تحوّل صوت باسكا إلى نبرةٍ أخفّ:
―لهذا الأمر أحتاج أن ألتقي بالسيّد داميان.
—
جاءت باسكا إلى نيهيـرو بعد يومين من ذلك.
وعلى الرغم من أنّها قالت إنّ بينهما صلة صداقة تتيح لها دعوته كما تشاء، فإنّ ليليانا لم تملك إلّا أن تستدعي داميان، ولم يمضِ على قولها ذاك سوى يومين، فوجدت في نفسها حرجًا شديدًا. وزادها حرجًا أنّ السبب في اللقاء لم يبدُ مألوفًا في نظرها.
حين أخبرت ليليانا داميان أنّ باسكا تودّ لقاءه، بدا عليه شيء من الحيرة، غير أنّه وافق وحدّد موعدًا. فلأنّ الدعوة جاءت من باسكا وحدها، مضوا إلى الفندق الذي ينزل فيه.
وما هي إلّا أن هبط داميان بعد أن بلغه خبر قدومهما، حتى قامت ليليانا وباسكا واقفتين في ردهة الفندق. فاقترب منهما بوجهٍ متحفّظ، فسارعت ليليانا تقول:
“عذرًا يا داميان، إذ دعوناك على عَجَل.”
فأجاب:
“لا بأس. لم يكن لي شغل في هذه الساعة…”
فقالت باسكا وهي تدنو لتصافحه وتُزيح ليليانا قليلًا:
“مرحبًا، سيّد داميان. هذه هي المرّة الثانية التي ألقاكَ فيها.”
ومدّت إليه يدها اليسرى، فصافحها بانحناءة:
“طاب لقاؤكم بعد طول عهد، سيدة باسكا. وسمعت أنّكِ طلبتِ لقائي.”
“آه، وهذا حديث لا يليق أن يُقال ونحن وقوف. لنجلس في مكانٍ ما.”
رمقها داميان بطرف عينه متسائلًا، ثم التفت إلى ليليانا التي أومأت برأسها استسلامًا، وإن بدا أنّها غير راضية. ومع ذلك لم يَظهر أنّ في الأمر خطرًا. فقال داميان في أدب:
“في داخل الفندق مقهى. أترغبان أن نذهب إليه؟”
“نعم، حسنًا.”
وسار أمامهما. فأسرعت ليليانا تُدانيه وتُسرّ له:
“انظر، داميان، أظنّ خالتي ستقول كلامًا عجيبًا… أو لا، بل كلامًا مُحرِجًا. فإن لم يَرُقْ لك فليس عليك أن تقبل. لا تُلزم نفسك! أرجوك، لا تشعر بثِقل.”
التعليقات لهذا الفصل " 39"