“إنّ كدمةً كهذه تزول من تلقاء نفسها ولو تُركت، فذلك الفتى لا يُحسن اللكم إذ لم تتمزّق اللحم، ولا انفتق باطن الفم، إنما هي كدمةٌ فحسب.”
“الوجه الوسيم ما خُلِق ليستعمل على هذا النحو.”
“آنسة ليليانا، إنّي جائع، أفلا نأكل أوّلًا؟”
“وجهك أهمّ من الطعام.”
“ولِمَ ذاك؟”
“لأنّ الوجه الوسيم يُشبع من ينظر إليه.”
“…….”
“ثم إنّي لم ألتقط لك غير صورتين بعد، فكيف لي أن أتابع التصوير وأنت على هذه الحال؟”
“أما صورتي فهي لا تهمّ كثيرًا، أليس كذلك؟”
فانتفخت وجنتا ليليانا عند قول داميان، وأبدت وجهًا مفعمًا بالامتعاض، ولم تُبعد الخرقة الباردة التي ذابت نصفها على خده إلا بعد لأي.
“ها، أنظر. لحسن الحظ لم يتورّم على ما يبدو.”
ثمّ مدت كفّها تتحسّس وجهه. فأحسّ داميان أنّ لمس أصابعها الطويلة النحيلة لوجنته أغرب من الألم نفسه، فارتجف لا إراديًّا. غير أنّ ليليانا أولته تفسيرًا آخر، فوضعت يديها على خاصرتيها وقالت:
“أرأيت؟ إنه يؤلمك. أليس الأجدر أن تأخذ مسكّنًا؟”
“ولأخذ المسكّن لا بدّ من طعامٍ أولًا، أليس كذلك؟”
“آه، أحقًّا؟ وهل تستطيع المضغ؟ ألستَ بحاجةٍ إلى عصيدة؟”
“أنّتِ تتّهمينني بالمبالغة في الحماية، فإذا بكِ أنتِ من يفرط في ذلك! أما أنا فأستطيع قضم اللحم العالق بالعظم.”
فتذمّر داميان، فقالت ليليانا كأنّما كانت تنتظر اللحظة:
“أيّ مصيبةٍ هذه أن يُبتلى المرء بمثل هذا في أول يومٍ سياحي له؟ لم يجرِ شيء على وفق الخطط، وزدنا عليها أن تعرّضنا للسرقة.”
“صدقت. ولكن هل يُمكن أن يعترضنا ما هو أسوأ من هذا بعد اليوم؟”
“ليليانا! لا يقال مثل هذا اعتباطًا. فإنّه يعود يومًا كنذير السوء.”
وارتجف داميان وهو يستحضر نصيحة تينانت الثمينة التي خالفها.
“ومع ذلك، ألم يكن ممتعًا؟”
ابتسمت ليليانا في وجهه، فاعتدل داميان وقال بجدّ:
“متعة؟ أهذا يُقال عنه متعة؟”
“لِمَ لا؟ إنّ الحياة لا تجري كما هو مرسومٌ في الجداول. فلو تعكّرت بعض الخطط السياحيّة فليست القيامة قد قامت، والوقت لا ينقضي اليوم فقط. أما أنا فقد امتلأ قلبي لمّا رأيت القصر. وزِد على ذلك أنّك كنتَ اليوم مهيبًا، داميان. كيف لك أن تغلب أربعةً وأنت بذراعٍ واحدة؟”
“حسنا…… إنّي أُحسن القتال بعض الشيء……”
وما كاد يتمّ كلماته حتى ارتعشت شفتا ليليانا، ثم انفجرت ضاحكة:
“هاهاها! حقًّا! يقول عن نفسه إنه يُحسن القتال! يا للثقة بالنفس! لكنّك صادق فلا حيلة لي في الإنكار! هاهاهاها!”
فأمسكت بطنها وهي تضحك، ثم ارتمت إلى ظهرها وتدحرجت فوق العشب ضاحكةً لا تنقطع. وانتقلت عدواها إلى داميان، فشعر بدغدغةٍ عند فمه، فغطّاه بيده عمدًا، غير أنّ ضحكها حمله حتى غلبته الضحكة.
“هاهاها! يا للعجب! أيّ شأنٍ هذا؟”
وما أن رأته ليليانا يضحك ويرتجف كتفاه حتى توقّفت عن التدحرج وقالت كأنّها رأت مشهدًا نادرًا:
“أواه! أليس هذا أوّل مرّة تضحك جهارًا أمامي يا داميان؟”
“أحقًّا؟”
“نعم! أوّل مرّة! وكنت أظنّك لا تضحك.”
“إن وُجد ما يستحقّ الضحك فإنّي أضحك.”
“إذن لم يمرّ بك ما يوجب الضحك من قبل؟”
واتّسعت عيناها دهشةً، فانقطع داميان عن الكلام.
‘أترى؟ متى كانت آخر مرّة ضحكت فيها؟ لا أذكر. لم يكن ثمّة ما يُضحك: لا وظيفة، وأسعار البيت والذراع الاصطناعي باهظة، والمعيشة مُظلِمة بلا بَهجة.’
“لم أقاسِ حزنًا عظيمًا…… لكن لم أعرف أيضًا سرورًا يُذكر.”
فأمالت ليليانا رأسها إلى الجانب ببطء، وانسدل شعرها الذهبي كجدولٍ على كتفها.
“فلنصنع إذن كثيرًا من اللحظات المبهجة معًا.”
“لحظات أُخر؟”
“نعم. كهذا اليوم.”
“أما أن أُجرَّب السرقة مرّتين فذاك ما لا أرضاه.”
فعاد الجِدّ إلى صوته، فضحكت ليليانا.
“أيها الأحمق، ما قصدتُ هذا. ألم تجد متعة في جولتنا بالقصر؟”
وكان داميان قد دخله من قبل، فلم يكن جديدًا عليه ولا أوجَدَ عنده بهجة. غير أنّه حين تجوّل فيه مع ليليانا، وهي تشرح وتلمز وتضحك وتُبدِي انطباعاتها عند كل مشهد، بدا الأمر مختلفًا.
فأومأ برأسه قائلًا:
“نعم، كان فيه شيءٌ من المتعة.”
“أرأيت؟”
ومسحت تحت أنفها بفخر.
“وقد وعدتني أن نطوف بالعاصمة كلّها. أظنّ أنّنا إن تجوّلنا معًا فسيكون ممتعًا.”
“حسنًا. ولكن ثمّة ما لا بدّ أن أقوله.”
“ما هو؟”
“لن أقبل بخطةٍ مثل خطة اليوم بعد الآن.”
“ماذا؟ ولِمَ؟”
فنَفَخت خدّيها، فأجاب داميان بوجهٍ شاحب:
“نحن مريضان، شاءت نفوسنا أم أبت. والواقع لا بدّ أن يُواجه. ولسنا نملك قوّةً تكفي لمثل تلك الجداول المرهِقة. ألم ترِ كيف استنزفنا جلّ طاقتنا في جولةٍ واحدةٍ داخل القصر؟”
فبانت الكآبة على وجهها واعترفت:
“صدقت……”
“فلنكتفِ إذن بمكانٍ أو مكانين في اليوم.”
فلم تلبث أن أشارت بأصبعها وقد خطرت لها فكرة:
“إذن هذا يعني أنّ لي أعذارًا أكثر لاستدعيك مرارًا!”
“……هكذا هو الأمر.”
“انتظر. ماذا يعني صمتك آنفًا؟”
“لا أدري.”
ثم مدّ ساقيه وأسند ظهره على كفّيه وقال:
“لو كنّا مجرّد صديقين فلا حاجة للأعذار أصلًا.”
فأشرقت ملامحها تأثّرًا وقالت:
“داميان! إنّك أدرى بما بين الأصدقاء مما ظننت!”
“وما قصدكِ؟”
“كنتُ أظنّك لا تعرف شيئًا عن الصداقة، فقد قلتَ إن لا أصدقاء لك، فظننت أنّي سأعلّمك الأمر من ألفه إلى يائه. فإذا بك تعلمه.”
“صحيح أنّي قليل المخالطة، ولستُ محبوبًا، فلا أصدقاء لي. لكن هذا القدر من الفهم أملكه.”
فضحكت، وقالت:
“إذن هو عهد. إن كنتَ فارغًا وجئتُك مناديةً، فلا تتأخّر.”
“أعدك.”
“وعهدي عليك أيضًا: إن أحببتَ أنت أن تراني ولو بلا داعٍ، فلك أن تدعوني.”
“هكذا اتّفقنا، فليكن بيننا عهد حسن.”
فابتسمت ثم ارتمت على العشب، وجعلت يديها وسادة تحت رأسها، وأرسلت بصرها إلى السماء الزرقاء.
“على ذِكر ذلك، لم أُخبرك بأمرٍ من قبل.”
“أيّ أمر؟”
وانتظر داميان صبورًا جوابها، فتردّدت هنيهة ثم نطقت بما لم يخطر على باله:
“أنا في الحقيقة مصابة بفقدان الذاكرة.”
“ماذا؟”
واتّسعت عيناه، فلوّت فمها بمذاقٍ مرّ وأضافت:
“منذ يوم الحادث، فقدتُ عامين كاملين من ذكرياتي. قيل إنّ الصدمة جعلتها تتلاشى.”
‘عجبًا… ومع ذلك عاشت ليليانا التي عرفتها هذين الشهرين بسلامٍ ظاهر، لم ألمح اضطرابًا أو ضعفًا في عقلها أو سجيّتها.’
التعليقات لهذا الفصل " 37"