فتبادل الرجل ذو السنِّ المكسور، وصاحب القبعة القشية، النظرات ثم وثبا نحوه معاً كما قال.
“أيها الوغد! ما الذي تهذي به!”
“مت أيها الكلب!”
واستلَّ ذو السن المكسور سكيناً صغيرة من وسطه، وراح يلوِّح بها مهدِّداً.
فهنا لم يسع ليليانا إلا أن تصرخ صرخةَ رعب، بيد أنّ داميان بقي هادئاً، فتجنَّب السكين وأدار جسده. فإذا بالرجل ذي القبعة القشية، من خلفه، يهوي نحوه بقبضته.
وأراد داميان أن يصدَّ الضربة بيده اليمنى على نحوٍ اعتاد عليه، لكنه كان قد نسي أنّه بلا يدٍ يمنى، فتلقَّى اللكمة في وجهه مباشرة.
“داميان!”
صرخت ليليانا، غير أنّ داميان الذي ترنّح لحظةً، استقام قبل أن يتهيّأ الرجلان للهجوم ثانية، ثم سدد ركلةً إلى فك صاحب القبعة القشية.
فارتجَّ الرجل، وقد عضَّ لسانه حتى سال الدم من فمه، وما لبث أن تلقّى ضربةً قاصمة بحدِّ كفّ داميان إلى قفاه، فخرَّ صريعاً إلى جانب صاحبيه الملقى أرضاً، مغشيّاً عليه.
“أيها الوغد الحقير!”
زمجر ذو السن المكسور، يلوِّح بسكينه، ملامحه تتأجّج حنقاً، واندفع ثانية نحو داميان. إلا أنّ سكينه لم تكد تصيب غرضاً قط، إذ كان داميان يتفاداه المرة بعد المرة، حتى غدت ضرباته ضرباتِ عابث.
وعندها عرقل داميان قدمه فأسقطه، لوى معصمه حتى أفلت السكين من قبضته. ثم كاد أن يطأ برقبته أرضاً حتى استلَّ من وسطه مسدساً دوّاراً، وألصق فوهته عند صدغ الرجل.
“لا تتحرّك.”
“هـ… هـييك؟ هـيييك؟!”
فلم يرتعش الرجل وحده إذ رأى السلاح المباغت، بل ليليانا كذلك فتحت فاها دهشة.
“داميان؟ هلا أجبتني؟ من أين لك هذا المسدس؟”
لكن داميان أعرض عن سؤالها، وثبّت نظره الحادّ في الرجل المصرَع تحته قائلاً:
“أمنحك فرصة واحدة لا غير. سأبدأ العدَّ من الآن إلى خمسة. فإن دفعتَ إلينا محافظنا، ثم حملتَ أصحابك ورحلتَ عن ناظري، عفوتُ عنك. وإلا فالرصاصة بانتظارك. واحد.”
هتفت ليليانا، تضرب الأرض بقدميها حائرة، تودّ ثنيه عمّا يفعل، لكنه لم يزحزح ساعده قيد أنملة.
“قلتُ أعطيك فرصة. اثنان.”
“آآه! أرجوك أيها السيّد! اعف عني!”
“إن كنتَ تبغي النجاة، فما عليك إلا طاعة أمري. ثلاثة.”
“لكن! لكنك تمسكني! كيف أستطيع ردَّ المحفظة أو الانصراف وأنا مكبَّل تحت رجلك؟!”
وهكذا كان؛ فقد شدّه داميان إلى الأرض بقدمه، فما كان بمستطيع حراكاً. فبدت تهديداته ضرباً من العبث. لكن داميان لم يُعر ذلك التفاتة، بل مضى يعدّ برتابة.
“ما بالك لا تتحرّك؟ أم أنّك قد عقدتَ العزم على الموت؟ أربعة.”
وما إن نطق بذلك بوجه جامد، حتى تغيّر لون الرجل، وتذكّر ما لقي من أوباش الأزقة دهراً، وقد ميّز في عيني داميان عينَي رجلٍ أجاد القتل. فارتجف وقال في نفسه: ‘لو بقيت على هذا فلن أخرج حيّاً. هذا الرجل قادر على إطلاق النار بيقين.’
“داميان، لا تفعل! ما أنت بفاعل حقاً، أليس كذلك؟ أجبني!”
وكانت ليليانا تمسك بذراعه إذ قال داميان:
“خمسة.”
وما تردّد لحظة، حتى ضغط على زناد المسدس.
طاااخ!
“آآآآه!”
“كيااا!”
أطلقت ليليانا صرخة وهي تطبق جفنيها، فيما الرجل صاح صيحة رعب، حتى غشي عليه من شدّة الفزع.
ونفث داميان نفَساً من أنفه، ثم اعتدل قائماً، وقد سكت المسدس على صوت تكةٍ معدنية دون شرارة ولا بارود.
وكانت ليليانا قد أطبقت أذنيها مترقّبة دويّ الرصاص، فلما لم تسمع غير الصمت، فتحت عينيها حذرة، فإذا المشهد أمامها: داميان قائم، واللصوص مطروحين بلا حراك.
أما الرجل الذي أوهمته الطلقة أنّه مقتول، فلم يُصب بقطرة دم، بل قد ابتلّت سراويله بالبول وهو مطروح مغشيّاً عليه.
فارتجفت ليليانا وقالت:
“أمات… أماتَ حقاً؟”
فأراها داميان مخزن المسدس الفارغ وقال:
“لا، ما زال حيّاً. لم أكن قد حمَّلت المسدس برصاصة، وكل ما فعلتُ هو الضغط على الزناد. فذعر من نفسه حتى أُغمي عليه.”
“لكنني كنت واثقاً من أني قادر على غلبتهم ولو اجتمعوا عليّ. وإن كنت قد أصبتُ على وجهي لخلوّ يدي اليمنى، إلا أني في النهاية صرعتُهم جميعاً. ألم أخبرك؟ لقد دخلتُ وحيداً في قلب صفوف العدو، حيث يرابط العشرات، ورجعت سالماً. فما كان الأمر خطيراً.”
فأشارت ليليانا إلى مسدسه قائلة بأسى:
“ولِمَ تحملتَه معك؟”
“لهذه المواقف بعينها. فإبراز المسدس أبلغ في ردع الأوباش من ألف كلمة.”
“أتقول إنك طوال هذا الوقت تخفي مسدساً عني؟!”
“لا تقلقي. لم يكن فيه رصاص، ورخصته لديّ نظاميّة. ولم أستعمله في التهديد إلا بعد أن عجز الكلام. ثم إنّهم لو واصلوا واشتجرت الأمور، فالقانون يحكم لي بالبراءة، إذ هو دفاعٌ عن النفس.”
فأصابها الدوار من بروده وهو يحدّثها هكذا بلا ذنبٍ يشعر به.
وفي تلك الأثناء، فتّش داميان جيب الرجل ذي القبعة القشية، فأخرج محفظة ليليانا، وثلاث محافظ أخرى.
“أظنّهم لصوصاً معتادين. فلنبلغ الشرطة. وأنتِ أعيدي تلك الدراجة لصاحبها.”
فتمتمت ليليانا:
“كأنّ عمري نقص عشر سنين هذه الساعة.”
ثم مضت بخطى مرتعشة تبحث عن هاتف عمومي، فيما بقي داميان يراقب اللصوص المغمى عليهم.
وبعد قليل، حضرت الشرطة على إثر بلاغ ليليانا، فأخذت زمرة اللصوص، وأعادت ليليانا الدراجة إلى صاحبها معتذرة. وهكذا انتهت الحادثة.
التعليقات لهذا الفصل " 36"