“آه، لا… إنما كنتُ لمّا أخذتُ من خالتي نفقةً أردتُ أن ألهو بغير همٍّ.”
كان من الممكن أن يتغاضى عمّا ضاع لو كان عشرات أو مئات من الهيرك، ويحسبه حظًّا عاثراً كمن وطئ نجاسة في الطريق. غير أنّ ألف هيرك مبلغ لا يُستطاع التغافل عنه. دار داميان ببصره من حوله، فلمّا رأى بائع التذكارات قد غاب عن المكان، نقر بلسانه متضجّرا
“أرأيتَ وجه الذي سرق محفظتك؟”
“ما أبصرتُ وجهه، لكن رأيتُ أنّه يلبس قبّعةً من قشّ، وجسمه صغير.”
وما إن فرغت ليليانا من قولها حتى اندفع داميان يعدو كالسهم، ثم التفت إليها آمراً:
“آنسة ليليانا، قفي هنا! سأعود بعد هنيهة!”
“داميان! إلى أين تمضي؟!”
“إلى أين أذهب غير أن ألحق بأولئك الأوغاد؟!”
“مهلاً! لا تجازف! أنت مريض!”
وما كان من ليليانا إلّا أن تبعته مهرولة. فأدار داميان رأسه نافضاً إياه بسرعة وقال في وجل:
“أوَليست الآنسة ليليانا بقلب سقيم كذلك؟! إيّاكِ أن تخطر لكِ فكرة اللحاق بي، بل قفي مكانكِ هادئة! وإيّاكِ ثم إيّاكِ أن تركضي!”
“لكن…”
ولم يُصغ داميان إلى اعتراضها، بل اختفى في لمح البصر بخطوات لم تستطع هي أن تجاريها.
وقفت ليليانا متحيّرة، تنظر من حولها، فإذا بها ترى رجلًا قد أوقف دراجته برهةً ليشتري مثلّجات من بسطةٍ في الطريق. فوثبت نحو الدراجة وأخذتها على عجل، وقالت للرجل:
“أيها السيّد الكريم! سأستعير هذه برهة!”
“ماذا؟! يا آنسة! آنسة؟!”
صاح الرجل بها دهشًا، غير أنّها لم تلتفت إليه، بل امتطت الدراجة وانطلقت نحو الجهة التي غاب فيها داميان.
وفي هذه الأثناء كان داميان يشقّ زحام الناس، يفتّش في الوجوه، حتى أبصر رجلاً صغير البنية يضع قبّعة قشّ، كما وصفت ليليانا. فأسرع الخطى وراءه.
“أيها السارق الحقير! قف مكانك!”
لمّا دوّى صوته، التفت الرجل بحذر، فما إن رأى داميان مقبلاً بوجه محتقن غضباً حتى فزع، وانطلق يزاحم الناس ليفرّ. وكان فراره خفيفًا حاذقًا كأنّه ذو باعٍ طويل في النشل والهروب.
اضطر داميان أن يتلوّى بين الناس ليلحق به، وهو يلهث ويضيق صدره.
“تبا… سأهلك هكذا.”
قالها متبرّماً، ثم خطرت له ذكرى أيّام خدمته في الجيش، وكيف كان مثل هذا الركض أمراً يسيراً عليه. أمّا الآن فجسده العليل أثقل عليه، وما ركض خطوات حتّى شعر بأنفاسه تكاد تخنقه. غير أنّ عزمه على استرداد ألف الهيرك غلب ما في بدنه من وهن.
وإذ به يسمع من خلفه صوتاً مألوفاً يهتف:
“داميان!”
التفت دهشًا، فإذا ليليانا تلحقه راكبة درّاجة.
“ألم أقل لكِ ألا تتبعيني؟!”
“قلتَ لا تركضي، ولم تقل لا تركبي درّاجة! أليست هذه أهون جهدًا وأسرع من الجري؟”
“لا تتلاعبي بالكلام! ومن أين جئتِ بهذه الدراجة؟!”
“استعرْتُها!”
وما لبثا يتجادلان حتى مال السارق إلى زقاق ضيّق، فاندفعا وراءه في وقتٍ واحد كأنّ بينهما عهدًا خفيًّا.
كان الزقاق بين الأبنية كالحفرة المظلمة، تنبعث منه رائحة كريهة، لا يدخله أحد من الناس في العادة. غير أنّ داميان وليليانا توغّلا فيه بعزمٍ لا يُثنيه شيء، إذ لم يكن في قلبيهما إلا قصد الإمساك باللص.
فما هو إلّا أن دخلا أعمق الزقاق حتى اعترضتهم عصابة من أربعة رجال، فيهم ذاك الرجل ذو القبّعة القشّية، ومعه آخر ضخم الجثة، وثالث أقصر منه لكن مشدود العضل، ورابع ذو أسنان منكسرة. أمّا بائع التذكارات فغاب أثره، ولعلّه مضى في شأن آخر.
وقف داميان يلهث عرقًا، ثم قال متقطّع الأنفاس:
“هـاه… هـاه… أنتم… أيها الأوغاد…”
وبعد أن التقط بعض أنفاسه، حدّق فيهم بعينين متقدتين وقال:
“أنتم عصبة واحدة، أليس كذلك؟”
قهقه الرجل العضلي ساخرًا وقال:
“فماذا أنت صانع إن كنّا كذلك؟”
ومع أنّ داميان كان منحنياً من شدّة التعب، مدّ يده إليهم وهزّها مهدّدًا:
“أعيدوا إليّ المحفظة.”
فانفجر الأربعة ضاحكين فيما بينهم.
“أيّ محفظة تعني؟ لا نعلم ما تقول.”
“ألعلّك توهّمت شيئًا؟”
لكن داميان أظهر لهم سماحة أخيرة وقال:
“ذاك الذي يعتمر قبّعة سرق محفظة رفيقتي. أخرجها طوعًا قبل أن تسوء العاقبة.”
فعادوا إلى الضحك والتهكّم.
“هاه! وما عساه أن يصنع ذو يد واحده مثلك؟ لا لك قيمة في القتال.”
“نعم، بيدٍ واحدة، أيُّ بأسٍ لك؟ انسحب قبل أن تذوق مرارة ما تكره.”
فلما سخروا من علّته، زفر داميان نفسًا عميقًا، وأخذ يدفع ليليانا وراءه قائلاً:
اشتدّ اضطراب ليليانا، وهي ترى داميان يستفزّهم. وما كانت تفهم ممّا يستند إليه، وهو بجسد ضعيف وعلّة في بدنه. فتعلّقت بذراعه صارخة:
“اهدأ يا داميان! لنهدأ أوّلًا!”
“آنستي ليليانا، هذا خطر، تراجعي.”
“بل أنت أخطر حالًا مني!”
“إذًا…”
وبينما كان يُهدّئها، تبادل اللصوص النظرات فيما بينهم، ثم اندفع الرجل العضلي فجأة صوب داميان بقبضته. فأبصرت ليليانا ذلك متأخرة وصرخت، لكن داميان أسرع، فوضع يده على رأسها ليجعلها تنحني، وانحنى بدوره، فتفادى القبضة التي مرّت فوقهما مُحدثة أزيزاً مرعبًا.
“هاه! أتهرب من الضربة؟” قال الرجل العضلي متهكّماً.
فوقف داميان أمام ليليانا حاجزًا إياها بجسده، وقال ببرود:
“أما ترون أنّ المرء في حديث؟”
لكن قسماته لم تكن هادئة، بل صارمة، وهو يتقدّم خطوةً خطوة وهو يزمّ حاجبيه.
“لقد أنذرتكم. وأنتم من بدأ العدوان، أليس كذلك؟”
وأدار عنقه يمينًا ويسارًا فتصاعد صوت طقطقة مفاصلها.
“هاه! لقد جرؤ بعدما نجا بمحض صدفة!”
ضحكوا في سخرية، فقال داميان بصوت خافت يقطر مرارة:
“ليتني أملك مثل جرأتكم.”
“بم تهذي يا هذا؟”
وانقضّ الرجل العضلي ثانية، غير أنّ داميان مال بجسده جانبًا وتجنّب قبضته، ثم أسرع إلى خلفه وركله في ظهره. هوى الرجل على وجهه، وقبل أن ينهض، هوى داميان بكوعه على عنقه فسقط مغمىً عليه لا يُحسّ به.
سكت المكان برهة، والآخرون لم يدركوا بعد ما جرى. وما إن رأى الرجل الضخم رفيقه ساقطًا وداميان قائمًا شامخًا حتى زمجر واندفع نحوه كالثور.
“أيها الوغد!”
كان حجمه ضعف داميان، كأنّه سيفتّته بقبضة. لكن داميان اندفع إلى جوفه، وغرس قبضته في صدره عند موضع القلب.
“ما أهونك.”
فخرّ الضخم بدوره يرتعش على الأرض، فيما دوّى خلفه صوت ليليانا متعجّبة.
التعليقات لهذا الفصل " 35"