نساء هذا العصر، وإن كنَّ يخرجن إلى ميادين العمل بكثرة، فإنّ غير العاملة منهنّ كثيراً ما تتزيّن في يومها بفساتين بهية. غير أنّ ليلِيانا اختارت السراويل، وانتعلت حذاءً مريحاً. وفوق قميصها لبست صديريّةً ذات تصميمٍ ظريف، أضفت على هيئتها لوناً من الزينة كاد أن يفوتها. ثم ارتدت معطفاً بنّي اللون، خفيفاً للربيع والخريف، فجاءت في جملتها مُتوخّيةً الدفء والاعتدال.
وقد أخذت أنسام الربيع تُبدي بشائرها، فارتفعت درجة الحرارة شيئاً، بيد أنّ الريح ما زالت باردةً تُلزم بالحذر. وعلى وجهها مسحةٌ من الزينة، فشفاهها التي اعتادت الشحوبُ قد تلألأت اليوم بحُمرةٍ ذات حياة. وشَعرُها الأشقر المصقول قد ضُمّ في جديلةٍ واحدة، فغدت كلُّها حيويّةً نابضة.
أما داميان فكان في لباسٍ أبسط: قميصٌ أزرق، وسروالٌ بيج، وحذاءٌ أسمر، وفوق ذلك سترةٌ خفيفة الطراز. فهو هو، لم يعدل عن ثيابه اللتي اعتاد زيارة المشفى بها.
وبينما كان داميان ينظر إلى هيئة ليلِيانا كأنما يراها بعينٍ جديدة، إذا بها تُقابل نظره، وقد شبكت ذراعيها، وجالت ببصرها فيه طولاً وعرضاً.
“أوه، دِميان! لقد قصصتَ شعرك!”
فشَعرُه بدا بالفعل أكثر انتعاشاً، كما قالت. فمدّ يده بخجلٍ يداعب أطراف شعره وقال:
“ألستِ أنتِ من أمرتِني بقصّه يا آنسة ليلِيانا؟”
“حَسَناً فعلت، نعم! أما تراني كنتُ مُصيبة؟ إنك تبدو أوسم بكثير وقد فعلت قولي.”
“شُكراً لكِ.”
“لقد جئتُ بنيّة التصوير اليوم، وأحسنتُ إذ تهيّأتَ. فإذ قد أردنا أن نُخلّد اللحظة في صورةٍ فليكن المرء على أبهى هيئة. غير أنّ لباسك… هيهات! فكم يبدو عادياً.”
ولفت بصر داميان أنّ في عنقها كاميرا ضخمة. ولحظة أن أبصرها، جالت بخاطره صورُ الجراء التي التُقطت لها صورٌ من قبل؛ أترى بقيت حيّةً، أم طحنتها النار؟ ثم طرد الفكرة عن ذهنه.
فقال: “هذه الهيئة هي منتهى جهدي. والكاميرا تبدو ثقيلة، هلمي أعطنيها.”
وإذ كانت قد بدأت تشعر بثِقَلٍ في عنقها، سارعت بتسليمها له. فتقلّدها على كتفه وقال:
“هل لكِ في موضعٍ تودّين الذهاب إليه؟”
“أنا، أنا! أوّل ما أريد رؤية قصر روميلتوس!”
وكان قصر روميلتوس، إلى عقودٍ قليلةٍ مضت، مسكن الملوك وموئل تدبير الدولة. فلما صارت البلاد إلى الجمهوريّة، لم يبق من آل الملك إلّا مَن أقام ببعض القصور الجانبيّة، وفُتح سائر القصر للعامة.
“ومن جاء إلى نيهيرو فلا بدّ له من قصد قصر روميلتوس أولاً!”
“فليكن، إلى قصر روميلتوس…”
“ثم إلى الحديقة الوسطى فنشاهد البحيرة، وبعدها إلى مطعمٍ في شارع أوبال لنتناول الغداء، ثم إلى متحف فيرن فننظر في لوحة ‘المرأة مع زهرة بانيلس’. وبعدها نزور متحف نيلسين، ثم نأخذ العشاء في مطعم غرافولد الذي نال خمس نجومٍ في مجلة روشانتي، ثم نختم يومنا بركوب العجلة الدوّارة لنشاهد الليل من عليائه. فتلك هي الخطة الكاملة!”
فسكت داميان هنيهة، ثم قال بوجهٍ مُنهَك: “أتزعمين أن نطوف نيهيرو كلَّها في يومٍ واحد؟”
فأجابته ليلِيانا وهي تهز يدها: “كلا، هذا لا يُعقل! لا تنسَ متحف التاريخ الطبيعي، ولا ساحة روبيرو، ولا سوق صناعة الجلود… بل ثمة الكثير الكثير، ولا ريب أنّ الأمر يستغرق أيّاماً!”
وداميان، وإن عاش في نِيهِيرو تسعة عشر عاماً، فما علم من قبل أنّ فيها من معالم السياحة كلَّ هذا.
فقال متردداً: “حسناً… لقد علمتُ. فليكن كما تشائين.”
وحينئذٍ بدا له السبب في أنّها اختارت البنطال دون الفستان.
ثم ركب الاثنان الترام المؤدي إلى القصر. ولمّا بلغ الترامُ قلب المدينة، ألصقت ليلِيانا وجهها بالنافذة وقد هالها المنظر:
“كم بالمدينة من الخلق!”
فالشارع الواسع قد غصّ بالناس، على كونه يوم عمل.
أمّا داميان فتمتم ببرود: “أليس هذا هو المعتاد؟”
فأطلقت ليلِيانا صيحةَ عجب: “إذن عند أهل العاصمة هذا هو الاعتياد؟ يا للعظمة! أما نحن أهل الشرق، فما خطر لنا بمثل هذا الجمع. فإذا زاد الناس على هذا، فكيف يسيرون؟”
“عندئذٍ لا يسير المرء بهواه، إنما يسير حيث يدفعه السيل البشري.”
“ولعله طريفٌ على طريقته.”
“إن شئتِ أهيّئ لكِ مثل هذا، لكنّي لا أنصح به.”
وبين حديثهما الطريف، كان الترام قد بلغ محطة قصر روميلتوس. وإذا بالناس، وأكثرهم سُيّاح، يهبطون جماعات. فنزل مع الجمع داميان وليلِيانا، ووقفت هذه مشدوهةً أمام الساحة الرحبة عند القصر.
“يا للعجب! هذه رحبة، ولكن أليس ميدان روبيرو أعظم من كل الساحات في العاصمة؟ فكم عسى أن يكون عظيماً إذن؟”
قال داميان: “إنه… عادي.”
ولم يفهم هو سبب ولع الغرباء بالساحات، غير أنّه رضي برؤية السرور على محياها. ثم انطلقت بصرها في النافورة التي تتوسط الساحة، تتأمّلها بعينين لامعتين.
وكان في قلب النافورة تمثال الملك الأول أوراسيس
شيِلبير، مؤسس مملكة إِستاريكا قبل خمس مئة عام، منتصباً مهيباً. وعلى رغم أنّ المَلكيّة قد اندثرت، إلا أنّه ظلّ رمزاً عزيزاً على نفوس الشعب.
ولطالما سارت الحكاية أنّ أوراسيس استمدّ عوناً من كائناتٍ أسطوريةٍ، فأسّس المملكة وأقام مجدها، وأظهر بأساً فوق طاقة البشر. وحين وقعت البلاد أسيرةً لسوبيلز، أراد الغازي أن يُحطّم التمثال كسرًا لروح الأمة، لكن الأهالي هرّبوه سرّاً وحفظوه في الخفاء حتى استعادوا استقلالهم، ثم أعادوه إلى مكانه. لذلك غدا التمثال مقصد كل زائر لنِيهيرو.
قالت ليلِيانا وهي ترمقه من أسفل إلى أعلاه: “واو! إنه أعظم مما تخيلتُ، بل ضعف ما ظننتُه.”
ثم أردفت: “طالما رغبتُ أن أراه بعيني.”
أما داميان، فوقف إلى جانبها يتطلّع ببرود، فلا يراه سوى تمثال. فما كان وطنيا، ولا أثار ذلك في نفسه فخراً. غير أنّ ليلِيانا كانت تتأمل كل تفصيل فيه بعينٍ متفحّصة.
قالت متفكرة: “هُمم…”
“أثمة بأس؟”
“لا، غير أنّي رأيته في صورٍ مراراً، فلما رأيته رأي العين استوقفني المشهد. آه يا داميان، ألا نلتقط صورة هنا؟”
وتذكرت فجأة الكاميرا على كتفه، فأمسكت بذراعه بحماس. فقال متردداً: “هنا؟”
“ألستَ راغباً بالتصوير؟”
“ما كرهتُ ذلك.”
“فالحمد لله. أيها السيّد! عفواً، هل تلتقط لنا صورة؟”
وسلّمت الكاميرا لرجلٍ عابر، وأوقفت داميان عند النافورة. ثم التفتت إليه مازحة: “ابتسم!”
فأظهر ابتسامةً متكلّفة، أما هي فقد كشفت عن أسنانها بابتسامةٍ صافيةٍ مشرقة.
قال الرجل: “واحد، اثنان…”
فانطلقت الكاميرا: تشَك، تشَك. ثم عاد إليهما بالكاميرا.
قالت ليلِيانا: “شُكراً جزيلاً!”
وإذ تقلّبت في الكاميرا، بدا أنّ الفِلم قد قارب نهايته، فسمعوا حركته تدور حتى انفتح الغطاء من الخلف. فأخذت ليلِيانا الفِلم المستهلك وأبدلته بجديد، وقالت: “هلمّ ندخل القصر الآن.”
ثم سارت تتقدّمه نحو الباب. وكان الدخول للسائحين من الباب الغربي لا الشرقي، إذ لم يُفتح الباب الكبير إلّا للمراسم الوطنية.
فقالت مُتذمّرةً وهي تصطف لشراء التذاكر: “عجبٌ أن يُشيّد القصر بمال الشعب، ثم يُطالَب الشعب نفسه بدفع ثمن الدخول!”
فقال داميان: “هو كذلك، لكنّ ما في القصر من ذخائر الملكيّة، تبهج النظر.”
“أوَليست تلك الذخائر من دماء الشعب وكدحه؟”
“بلى…”
“إذن فليس سقوط الملكيّة شراً محضاً.”
غير أنّها لمّا خطت إلى أروقة القصر، أوشكت عيناها أن تلمعا من فرط ما أبصرت.
التعليقات لهذا الفصل " 33"