“لا، وإنما يوم لقائنا الأول حيَّرني أمرك كثيرًا، إذ لم تبتسم ولو مرة، فكنت أتساءل: أترى أنك تبغضني؟ أم أن حديثي لا يروق لك؟ غير أني إذ رأيتك تبتسم اليوم، علمت أنك تعرف كيف تفعل ذلك.”
“أهكذا كان الأمر…….”
وإذا بـداميان يعود إلى جموده من حيث لا يشعر، فيمسّ شفتَيه بيده. فنظرت إليه ليلّيانا نظرةً يعلوها شيء من الضيق.
“ما هذا؟ قلتُ لك إن ابتسامتك حسنة، فإذا بك تعود إلى صرامتك تلك؟ ابتسم قليلاً. فلقد بدا وجهك أجمل بكثير حين ابتسمت! وما دمت قد وُلدت بوجه وسيم، فلتسِر مبتسمًا.”
“شكرًا على ثنائك.”
“لم يكن قصدي الثناء…….”
وإذ همَّت ليلّيانا أن تُعاود الكلام، وقد رأته يتجاهل الأمر ويتغافل، إذا بأحد موظفي المشفى يناديها:
وما إن دخلت ليلّيانا قاعة العلاج، حتى تنفّس داميان الصعداء، وأرخى بدنه على الكرسي كأنما عصف به إعصار.
‘آه…… إن عقلي قد تشتّت…….’
وبينما يسترجع ما جرى آنفًا، لم يملك نفسه أن يضحك ضحكةً خافتة. لم تكن ضحكة غيظٍ أو امتعاض، بل أشبه بابتسامةٍ صافية تنبع في المرء حين يرى شيئًا لطيفًا يبهج النفس.
—
راح داميان يلتقي بعض صنّاع الأعضاء الاصطناعية الذين دلّه عليهم المشفى. فجال بين عدّة صانعين، يجرّب بعض الأذرع الاصطناعية ويستفهم عن أسعارها. وفي النهاية اضطر أن يُسلّم بأمرٍ واحد:
‘ليس في السوق ما يضاهي جودة الذراع التي يصنعها آشر أولون…!’
آنذاك فقط أدرك أنّه قد وقع في شَرك حيلة آشر.
فذراع آشر الاصطناعية كانت أغلى من سائر الأذرع بأضعاف مضاعفة؛ فقد كان يطلب على الذراع الحركيّة مئة ألف هيرك، في حين أنّ سائر الصناع يعرضون نظائرها بما بين عشرين إلى ثلاثين ألفًا فقط. والحقيقة أنّ داميان كان يرى ذلك أيضًا مبلغًا باهظًا.
أما الذراع الآلية التلقائية، فكان غيره يعرضها بخمسين إلى ستين بالمئة من ثمن آشر. بيد أنّه حين جرّب ذراع آشر التي ألبسه إياها بغير استئذان، أحسّ بالفارق الشاسع.
ذراع آشر أخفُّ وزنًا بكثير، فتقلّ مؤونة حملها على الجسد، وحركتها أكثر طواعية وانسيابًا، على خلاف سائر الأذرع. لم يدرك ذلك حين لبسها لأول مرة، لكنّه لما قارنها بغيرها تبيّن له أنّها أرقى بمراحل. ومن ثَمَّ لم يعد يُرضيه شيءٌ سواها.
لقد كان آشر قد خطّط لهذا، إذ علّقها على ذراع داميان فجأة ليغريه بها. ثم إنّ داميان لمّا اطّلع على وجود الذراع ذات الأقطاب الداخلية، التي تُمكّن من حركات أدقّ من الحركية العادية، اشتدّت رغبته فيها.
“مئة ألف…… هُمم…… لعلّي أستطيع أن أدبّر المبلغ …….بطريقة ما”
وفي اليوم التالي، بينما كان ينتظر دوره للعلاج في المشفى، جلس مقطب الحاجبين يفكّر في أمر الذراع.
قد يستطيع أن يدبّر ثلاثين ألف هيرك بالتحايل على وضعه المالي الحالي. وإذا ضمّ إليها مدخراته من رواتبه في الجيش، مع قرضٍ يسير، لربما أمكنه أن يبتاع ذراعًا كهربائية سطحية.
بيد أنّ سؤالًا تسلّل إلى ذهنه: أترى أنّه من اللازم أن يبلغ الأمر هذا الحد؟ غير أنّه ما لبث أن طمر هذا الشكّ في ركام تبريره لنفسه:
‘بلى. فذلك من أجل تحسين جودة حياتي. وجودة العيش أمر جوهري.’
لكن المعضلة الكبرى أنّه لم يُرِد أيّ ذراع سوى ذراع آشر. لقد كانت من الجودة بحيث تُغريه إغراءً شديدًا، غير أنّ سعرها مئتي ألف هيرك! فكيف السبيل إليها وهو لا يملك حتى مئة ألف؟
‘أفلا أكتفي بذراع آشر الحركية إذن؟’
فهي وإن كانت حركيّة لا كهربائية، إلا أنّها أجود في مرونتها من ذراعٍ آلية تلقائية يبتاعها المرء بعشرة آلاف.
وفيما هذه الأرقام والأسعار والأسماء تدور في رأسه، إذ صوتٌ مألوف يقتحم خواطره:
“أواه! أهذا أنت يا داميان؟! كنتُ قد قلت إنّا سنلتقي مجددًا، لكن لم أظنّه يكون هكذا سريعًا!”
فالتفت داميان إلى الشخص الجالس إلى جانبه، وقال بأدب:
“مرحبًا بك، آنسة ليلّيانا.”
“آه، لم تُلحق بي اليوم لقب ‘سيّدة’؟”
“لأنك كنتِ تكرهينه.”
“صدقت.”
فضحكت ليلّيانا ضحكة مرحة.
“أأتيتَ للعلاج الطبيعي؟”
وكان قد سمع منها قبل يومين أنّها تجري علاجًا يوميًّا، فسألها بذلك، فأومأت برأسها.
“أنا أجيء كل مرة في هذا الوقت. أفتراك تأتي في الساعة نفسها أيضًا؟”
“إن لم يحدث تغيير في جدولي، فالغالب أن يكون كذلك.”
“إذن سنلتقي كل مرة؟”
“يبدو الأمر كذلك.”
“رائع! لقد كنت أسأم وأنا في الانتظار وحدي. فإذا تزامن وقتنا، فسأحادثك أثناء الانتظار! وأنت أيضًا، لا بد أنك تملّ من الجلوس وحدك؟”
“أما أنا فلا أجد في ذلك بأسًا، ولكن إن رغبتِ بالكلام فسأكون رهن إشارتك.”
“أيّ لطفٍ متعالٍ هذا؟”
وخزته بمرفقها مازحة.
“ليس الأمر كذلك. بل أخشى أن يثقل عليك أمري.”
“لا أبالي. فإن كرهت ذلك، قلتَ لي، وحينها لن أتكلّف بشيء. أما إذا لم تمانع، فسأفعل كما أشاء.”
ثم وضعت ذقنها على كفّيها، وحدّقت فيه مليًّا.
“لكن، لقد بدا وجهك متجهّمًا جدًا. ألَك همّ؟”
“بلى، ثمّة ما يشغلني، لكنه ليس بالأمر العظيم.”
“وما دام ليس عظيمًا، فهاتِ قصّته. ما هو؟”
تردّد قليلًا، ثم قال:
“إنني أبحث عن ذراعٍ اصطناعية…… لكن أسعارها باهظة.”
“وكم ثمنها؟”
“إن أردتُ ذراعًا تُتيح لي حركةً مفصلية أساسية تُوسّع مجالي العملي، فلا بدّ من ثلاثين ألف هيرك.”
فدارت بعينيها ثم قالت:
“وهل يُعَدُّ ذلك…… غاليًا؟”
كانت نبرتها صادقة، كأنها لا تعلم حقًّا. فأطبق داميان شفتيه ولم يجد ردًّا لأول وهلة.
وكان قد ظنّها من أسرة ثرية إذ تقيم في غرفة مفردة، غير أن استهانتها بقيمة ثلاثين ألفًا أثبتت أنّها بالفعل من بيت ثراء.
إلا أنّ داميان لم يشعر بغيرة أو دونية؛ إذ كان إلى جواره بول، الذي كان يعدّ عشرة آلاف هيرك مجرّد مصروف. ‘الأثرياء كلهم هكذا.’
فأوضح بهدوء:
“ذلك مبلغ يثقل كاهلي. وما ذكرتُ الثلاثين إلا مثالًا رخيصًا. أما إذا أردتُ ذراعًا أدقّ حركةً وأوسع مرونةً، فيلزم فوق مئة ألف. وأمّا طموحي الحقيقي فهو ذراع آلية تلقائية، ولكن ما عندي لا يكفي لذلك.”
“هُمم…… فهمت. فما العمل إذن؟”
وأخذت تُفكّر مليًّا، كأنها تبتغي حلًّا.
“صحيح أنّ المرء يستطيع أن يعيش بغير ذراع، ولكن ثَمَّ صعوبات، وفوقها نظرات الناس…….”
فقبض داميان على ذراعه السليمة دون وعي، وقال:
“الناس يخافون.”
فرفّت عيناها دهشة، وقالت:
“مِمَّ يخافون؟ ما الذي يُخيفهم؟”
“ذاك ما لا أفهمه.”
وابتسم ابتسامة باهتة.
وكادت ليلّيانا أن تقول شيئًا، فإذا بالممرضة تنادي داميان:
ليليانا شخصيتها طبق الاصل عن ميريا، توقعت شي من التشابه بما إن الكاتب واحد بس مش كدا خصوصا إن داميان عكس آيريس تماما في الشخصيه ولو أن الاتنين بيشتركوا في الوش النكدي. آيريس أكثر وقاحه ولسانه متبري منه أنما داميان واضح انه ابن ناس متربي!
التعليقات لهذا الفصل " 25"