ضغط داميان الجرس وانتظر، فإذا بالداخل ساكنٌ كأنما هو قبر، لا يُسمع فيه سوى الصمت، فعاد فضغط الجرس ثانية. غير أنّ الانتظار طال، ولم ينبعث من الداخل أيّ أثرٍ لحركة.
قال في نفسه: ‘ألعلّ الدار خالية؟’ ومدّ يده فجذب مقبض الباب، فإذا هو غير موصد. وقف متردداً: ‘أأدخل أم أبقى؟’ لكنه أبصر نوراً مضاءً في الداخل، فأقدم خطوة واحدة ووضع قدمه على العتبة، ثم مدّ عنقه يتلفّت.
فإذا على الجدار صفوفٌ كثيرة من الأيدي والأرجل الصناعيّة معلّقة، فعلم أنّ المكان ورشة لصناعة الأطراف.
رفع صوته وقال:
“المعذرة! أما من أحدٍ هنا؟”
لكن المكان بقي في سكونٍ مطبق. ومع ذلك هاجت في نفسه فراسةٌ تقول إن بالداخل أحداً. ولم يُرِد أن يضيع وقته سدى، فصرخ بصوتٍ أعلى:
“أما من أحد؟!”
وما هي إلا لحظة حتى دوّى من فوق السلم المؤدّي إلى الطابق الثاني صوتُ شيءٍ ينهار، ثم ارتجّ السقف بوقعٍ عظيم، تلاه صرير الأرض الخشبيّة، ثم دوّي خطواتٍ ثقال تهبط السلم بعجلة.
وما إن بلغ النازل الطابق الأول حتى أخذ يشير بسبابته في وجه داميان ويصيح:
“أيها الرجل! إذا لم يُجبك أحد حين ترنّ الجرس فامضِ في سبيلك! ما بالك، ما بالك تصرخ ملء فيك فتوقظ النائم من نومه؟!”
كان الناطق رجلاً في أوائل الثلاثين أو أواسطها، عليه سِمةُ توتّرٍ عصبيّ. أسفل عينيه دوائر سوداء عميقة، ومن وراء نظّارته المربّعة يلمع بريق السهر. أما شعره الرماديّ المنسدل حتى كتفيه فقد ربطه بإهمال.
تمتم مغتاظاً:
“آه، تبا…! ثلاثة أيّام لم يذق فيها جفني النوم، وكنت قد غفوت الآن، فجاءني رجل لا يعرف للذوق موطناً…”
لم يلتفت داميان إلى غضبه، بل استوثق أولاً أنه جاء إلى الرجل المطلوب. فسأله:
“أأنت السيد آشر أولون؟”
“أجل! أنا هو، فما حاجتك؟!”
وعلى الرغم من أنه كان المُضطرّ لإيقاظ صاحب الدار عنوةً، إلا أنّ داميان أجابه بلهجة مهذّبة:
“مرحبا. اسمي داميان ستيرن. جئتك بتوصية من الرائد بول جيسكا أستفتيك في شأن الأذرع الصناعيّة.”
“أذرع صناعيّة؟”
فانحدر بصر آشر تلقائيّاً إلى ذراع داميان اليمنى. وزفر من أنفه ضحكةً قصيرة، ثم أدار المصباح في ورشته.
فما إن أضاء النور حتى بان أن المكان في فوضى عظيمة لم ترَ العين مثلها قط: الأرض مغطاة بقطع متناثرة من أدوات وموادّ وبقايا مهملات.
قال آشر:
“هلمّ، ادخل.”
فدخل داميان بخطوات حذرة يتجنّب ما على الأرض، بخلاف صاحب الدار الذي راح يركل الأشياء برجله جانباً دون اكتراث.
وأشار آشر إلى طاولة في الوسط وقال:
“اجلس هنا.”
فلما دنا داميان أجلسه على كرسي وقال:
“أرني.”
خلع داميان معطفه وفكّ أزرار قميصه، فكشف عن نصفه الأعلى الأيمن. وكان جسده موشّحاً بجروح ملتئمة مخيّطة. بيد أنّ آشر لم يطرف له جفن.
لمس ذراعه اليمنى وسأله ببرود:
“ما الذي جرى لك؟”
“أصابني لغمٌ يدوي.”
“هاه.”
خرج صوته جافّاً لا يحمل ذرة شفقة، ولم يزد في السؤال، ولم يحدّق فيه كما يفعل غيره كأنما يرى شبحاً. وهذا بعينه هو ما جعل داميان يستشعر شيئاً من الراحة، وإن كان الرجل كلّه غلظةً وخشونة.
ثم وضع آشر يديه على خاصرته وقال:
“فما الذي تطلبه؟”
“أطلب؟ إنما جئتُ لأجل تركيب ذراعٍ صناعيّة وحسب.”
فزفر آشر بصوتٍ مسموع وهزّ لسانه:
“ألا تفهم؟ أيّ نوعٍ من الأذرع تطلب؟”
قال داميان:
“ما دام يصلح للعيش اليومي فهو يكفيني.”
فأخذ آشر يهز رأسه متبرّماً:
“هكذا أنتم الغرباء…! الذراع الصناعيّة التي تفي بالحاجات اليوميّة كثيرة، لكنها أجناس وأصناف لا تُحصى.”
ومضى فجلب من على الجدار عدداً من الأذرع المعلّقة وقال:
“هذه ذراع زينة، لا تتحرّك ولا تلتوي، إنما تستر موضع القطع فحسب.”
تناولها داميان وجسّ وزنها، فإذا هي كذراع إنسان في منظرها وجلدة صناعيّة تشبه البشرة، لكنها صلبة لا حراك فيها.
قال آشر:
“أما هذه فهي ذراع ‘فعّالة’، تقدر على حركات بسيطة في المفاصل. ولأنك لم تُبتر إلى الكتف بعد، فيمكن وصل أجهزة المفاصل بما تبقّى من عضلاتك العليا. هذا يُعينك على بعض المهام البسيطة، لكن له حدّاً لا يتجاوزه.”
وحرك آشر المعصم الصناعي فإذا هو يتأرجح يميناً وشمالاً. وفيما كان داميان يلمسه ويتفحّصه، جاءه بآخر وقال:
“لكنك إذ قصدتني، فأظنّك تطلب مرتبة أرقى من ذلك… أتريد ذراعاً آليّة متقدّمة؟ سواء بقطبٍ كهربائيّ سطحي أو داخلي؟ فذلك في مقدوري.”
فقال داميان:
“ذراع آليّة متقدّمة…؟”
فحكّ آشر رأسه قائلاً:
“يا هذا، لو كنت عزمت شراء ذراع لوجب أن تطّلع قبل أن تجيء.”
ثم تنفّس وأخذ يشرح:
“إن العصب حين يحرّك العضلة يبثّ إشارات كهربائيّة. والقطب السطحي هو الذي يلتقط تلك الإشارات من ظاهر الجلد. فالذراع السطحيّة تستقبل تلك الإشارات بجهاز ملصق على البشرة، ثم تأمر المفصل بالحركة.
وأما الذراع ذات القطب الداخلي فهي تُزرع مع الأعصاب نفسها في باطن العضلات، فتلتقط الإشارة من داخل. أيّاً كان النوع فلا بدّ من تدريب طويل على الاستعمال، لكن الأشدّ دقّة هو الذراع المزروعة بالأقطاب الداخلية، حتى لَتُدعى ‘الذراع الآليّة’ حقاً. تحتاج جراحة وتحتاج وقتاً، لكنها معتمدة في الجيش كثيراً.”
“فهمت.”
“فبأيّها تختار؟”
“أفهم من كلامك أنّ أرفعها هو ذو القطب الداخلي؟”
“الناس تختلف حاجاتهم، لكن نعم، ذلك أقرب ما يكون لليد الحيّة، بل قد يفوقها في بعض الخصال.”
“فكم ثمنها؟”
“على اختلاف الخيارات، من ثلاث مئة ألف هيرك فما فوق.”
فجمد وجه داميان، إذ علم أنّ نفقة رجل من عامّة الناس في شهر لا تزيد على ألفي هيرك. فكيف بمالٍ يساوي عشرة أعوامٍ دفعة واحدة؟
وبينما هو مذهول، كان آشر قد ركب له ذراع الزينة قائلاً:
“الأذرع الآليّة تُركّب بجراحة، أما هذه الفعّالة فيُكتفى بتركيبها المباشر. فجرّب هذه.”
فإذا بـدميان يجد نفسه يحرّك مفصلها طوعاً كما أشار له الرجل.
“أحسنت. هذا دليل أنّك ستتأقلم مع غيرها سريعاً.”
“لكنني أرى أني لست بحاجة إلى تلك المزروعة في الداخل. فربما أكتفي بغيرها.”
“أتعني السطحيّة؟”
“كم ثمنها؟”
“أهون بكثير من الداخلية. من مئتي ألف هيرك فما فوق.”
فكاد داميان يتقيّأ دماً. فتمتم آشر كالمتعاطف:
“ما، ألست تملك مالاً؟ هي غالية، نعم، لكنها تُؤتي ثمنها.”
“الأمر أنّ…”
“إن لم يكن عندك مال، فالذراع التي تجرّبها الآن صالحة. مادمت لا تريد بها إلّا حياتك اليوميّة، فهي كافية.”
“وكم سعرها إذاً؟”
“خمسون ألف هيرك. أليس أرخص كثيراً من غيرها؟”
فأخذ داميان الذراع بيدٍ مرتجفة ونزعها برفق كأنما يعيد شيئاً مقدّساً، ثم قال:
التعليقات لهذا الفصل " 23"