“إنّه عطر من شركة التجميل التي تُدعى ‘لاتي’. لِمَ تسأل؟ أهو غريب؟”
“لا… ليس غريبًا، ولكن…”
توقف داميان برهة يبحث عن عذر ثم قال:
“قد سبق أن شممتُ هذا العبير من قبل، فاستوقفني الأمر…”
“ثمة كثيرون يستعملون هذا العطر. فهو منتجٌ رائج، ومعروف بين كل من يهتم بالعطور.”
“أهكذا إذن…”
لبرهة بدا على وجه داميان شيء من التردّد، إذ أُخبِر أنه عطرٌ شائع. أمّا ليليانا فما اكترثت واسترسلت في ثرثرتها.
“ألا يجعلك هذا العبير تحسّ وكأنك في بستانٍ من الأزهار؟ أصلاً هو عطرٌ أستعمله إذا خرجتُ للنزهة. غير أنّي أقيم في هذا المشفى منذ أسبوعين، وحُرمتُ الخروج أو حتى قضاء ليلة في الخارج بحجّة أنّ قلبي لم يتعافَ بعد. أكاد أختنق من الملل! فأحببت أن أستجلب شيئًا من شعور النزهة، فرششتُ العطر. ولكن… أهناك خطب؟ لِمَ تحدّق هكذا؟”
أدرك داميان أنه قد تجمّد بملامحٍ شاردة، فهزّ رأسه على عجل.
“لا… ليس الأمر كذلك.”
“ولكن وجهك يوحي بعكس ما تقول.”
“إنما شغلتني فكرةٌ عابرة، لا غير. أعذريني.”
“ليس ثمّة ما يُستوجب الاعتذار…”
تمتمت ليليانا وهي تضغط شفتيها بضجر. لكن داميان ظلّ عاجزًا عن جمع ملامحه، مما بعث في قلبه شيئًا من الارتباك. فالمرأة التي أمامه كانت…
‘إنها تتحدّث كما تتحدّث السيّدة لينتري.’
لم يكن الأمر شبهًا في الجوّ العام أو الأسلوب فحسب، بل كأنّ جُملها قد نُسخت نسخًا عن جُمل تلك السيّدة. فاضطرب قلب داميان.
‘أيمكن أن تكون هي بعينها؟ السيّدة لينتري؟’
ولم يملك نفسه أن سألها:
“سيّدة ليليانا، هل تعرفين…؟”
تنفّس بعمق وقال:
“هل تعرفين شخصًا يُدعى السيّدة لينتري؟”
“لا.”
جاء الجواب فورًا. فأثارت سرعة الردّ في نفس داميان شبهة أنها تُخفي أمرًا.
ذلك أنّ السيّدة لينتري، التي تبادل وإيّاها الرسائل، قد كذبت مرارًا بحسب الظاهر. فهل تعود الآن فتُنكر هويتها؟
ألقى عليها نظرة ارتياب، فإذا هي تخدش جانب عنقها بخجل ثم تسأله:
“على ذِكر ذلك، فقد أمسكتَ بي آنفًا تسألني إن كنتُ السيّدة لينتري. فمن تكون تلك؟ ومع من اختلط أمري عليك؟”
فإذا بالأسئلة تنعقد على لسانه فلا يقدر جوابًا.
“آه… ذاك… أعني…”
تلعثم قليلًا ثم تنفّس بصعوبة واستجمع عزيمته وقال:
“إذن فهل تعرفين البارون لويد بنبريك أو السيّدة سيرا بنبريك؟ أو لعلّك سمعتِ باسميهما من قبل؟”
عقدت ليليانا ذراعيها، فكّرت قليلًا ثم هزّت رأسها.
“لم أسمع بأيٍّ منهم قط. أأناسٌ يجدر بي معرفتهم؟”
“لا… ليس كذلك. ولكن… هل أقمتِ في موضعٍ يُدعى إيدنفالن؟”
“وما إيدنفالن؟”
“قرية صغيرة في الغرب. قلّ من يعرفها.”
“إذن فإني أجهلها. فأنا من أهل الشرق، ولا علم لي بأحوال الغرب. ولكن لاحظتُ أنني أنا التي بدأتُ بسؤالك، فإذا بي أغدقتُ عليك الأجوبة، فيما لم أحظَ بجوابٍ واحد. أليس هذا جورًا؟”
فعند نبرة امتعاضها أجابها داميان بهدوءٍ لم يكن في نبرته آنفًا:
“لم أسمع مثل هذا من قبل. عادةً ما يقولون عكس ذلك: إنني لا أُمتّع في المزاح، ولا أُؤنَس في الدلال…”
“يا إلهي! إذن فالناس ظلموك إذ جهلوا حقيقتك!”
ثم انفجرت ضاحكة طويلًا، فيما ظلّ داميان يتطلّع إليها صامتًا ينتظرها أن تكفّ.
التفت إلى كأسها الفارغ، ثم نظر إلى ساعته؛ لقد قيل له إن النتيجة الطبية تستغرق ساعتين، وها قد انقضت. عجب كيف مرّ الوقت سريعًا.
“سيّدة ليليانا، أيمكن أن نُنهي جلستنا الآن؟ لقد آن وقت استلام نتيجة الفحص. ألتمس منك العذر.”
“أوه، بطبيعة الحال. بل لقد أطلتُ الجلوس. فإن تجاوزتُ هذا الحدّ عادتني خالتي بالتأنيب، فخير لي أن أنصرف.”
“أشكر تفهّمك.”
ومضت ليليانا تخطو بخفّةٍ إلى المشفى، فمشى داميان خلفها وهو يتخيّلها كالأرنب الوثّاب؛ في حركاتها وحديثها وملامحها. فكانت فتاةً جذّابة حقًا.
وإن لم تكن هي السيّدة لينتري، إلا أنه إن لقيها يومًا، فسيكون شعوره معها كهذا. ألم تقل عن نفسها إنّها في الجمال ذات شأن؟ مشرقة الوجه، منطلقة الحديث، تُؤنِس جليسها.
شعر داميان وكأنه عاد يتبادل المكاتبات معها، بعد طول انقطاع.
—
ولمّا ردّها إلى باب حجرتها وأعادت إليه معطفه، قالت ليليانا مبتسمة:
“لقد استمتعتُ بالحديث اليوم.”
فقال داميان وهو يلقي نظرة قلقة على معصمها:
“ألا تزالين تتألمين؟”
فكشفت له عن الموضع الذي كان قد قبض عليه بيده، فإذا هو قد عاد إلى لونه الطبيعي ولم يتورّم. فتنفّس داميان الصعداء وانحنى قائلاً:
“أجدّد اعتذاري على جَفاء صنيعي.”
“دعْك منه. ولكن، إياك أن تعيد ذلك مع غيري، فهمت؟”
قالتها بصوتٍ صارمٍ مصطنع، فأسرع داميان يهزّ رأسه.
“أعدك.”
“ما أشدّ طبعك العسكري! حسنًا… نلتقي مرة أخرى إذن.”
لوّحت بيدها بتكلّفٍ ثم دخلت غرفتها، وظلّ داميان يرمق الباب المغلق ويقول في نفسه:
‘أهي من بيتٍ ذي مال؟’
فغرفتها من أفخر الغرف في المشفى، لا ينزلها إلا الميسورون. وإن أنكرت أنها من السادة، فإن لسانها وأدبها يشيران إلى أنها من أبناء الطبقة الثرية الحديثة.
‘على كلّ حال…’
قال في نفسه وهو ينصرف للقاء طبيبه:
‘إنها ليست السيّدة لينتري.’
ظنّ أنه لم يكن يأمل، فإذا بالخيبة تتملّكه، وكأن أمله لم يكن مفقودًا بالتمام. فها هو اليوم يشتاق إلى رسائلها من جديد.
—
وفي طريق عودته من المشفى قصد داميان دكّان الصانع الذي أرشده إليه بول ليصنع له الأطراف الاصطناعية. ولم يكن داميان ذا دراية بهذه الصناعة، فلا علم له بمدى براعة الرجل ولا بشهرته. غير أنّ بول وصفه بأبرع صنّاع الأطراف، فلم يبقَ إلا أن يجرّب.
“كرونيك شارع اثنان وخمسون… اثنان وخمسون…”
مشى في الشارع يبحث عن أيّ علامة تدلّ على محلٍّ لصناعة الأطراف أو بيعها، فلم يرَ شيئًا. حتى تجاوز الرقم وعاد أدراجه ليتثبت من الرقم على الجدار. نعم، إنه البيت المنشود، ولكن لا أثر لشعارٍ أو لافتة. ومع ذلك لم يشكّ في العنوان، فمدّ يده وضغط زرّ الجرس.
التعليقات لهذا الفصل " 22"