‘أتُرى تلك الرغبة العارمة في الحياة التي انقدحت في خاطري قد صنعت هي المعجزة؟’
لقد بات اليوم مجهولاً من أيّ نفسٍ صدر ذاك الأثر، ولكن لولا أن لينتري زرعت في قلبه تلك الفكرة، لما كان الآن إلا جثةً هامدة هناك.
قال الطبيب:
“على كلّ حال… عليك في الأيّام المقبلة أن تخضع لفحوصٍ متتابعة. وستتردد إلى العيادة بانتظام، أمّا الدواء فستتناوله ما حييت.”
وأخذ يتأمّل الملفّ الذي بعث به الطبيب السابق، مردّداً كأنّه يكلّم نفسه، وهو يومئ برأسه. عندها كتم داميان تنهدةً ثقيلة. لم يكن تناوله الدواء طوال عمره بالأمر المؤلم، إنما المرهق الكريه.
“أرى أن نجري لك اليوم فحص دمٍ وصورةً بالأشعّة. فإذا أتيتني بالنتائج وصفت لك ما تحتاجه. غرفة سحب الدم في الطابق الثالث، ووحدة الأشعة في الأوّل، فاذهب إليها.”
—
حمل داميان ورقة طلب الفحص، فصعد إلى الطابق الثالث ليُسحب دمه، ثم هبط إلى الأوّل ليُجرى له تصوير بالأشعّة.
انتهت الفحوص، غير أنّ ظهور النتائج يستغرق ساعتين، فبقي الوقت مهدوراً حتى يحين موعد لقاء الطبيب ثانية.
تساءل في نفسه بوجهٍ مُنهك: ‘فبمَ أملأ هذا الفراغ؟’
ثم خطر له أن يقصد المقهى القريب، يطالع صحيفة ريثما ينقضي الوقت. فانطلق قاطعاً بهو الطابق الأوّل نحو المخرج.
وفي اللحظة التي همّ فيها بالعبور، مرّت بجانبه امرأة، فارتجف بخطوه وتوقّف.
إذ ماجت خصلات شعرها مع خطاها فعبقت من جسدها رائحةٌ خفيّة.
‘إنّه ذلك للعطر…’
لم يكن يعرف الكثير في أسماء الأزهار: أهي السوسن، أم الوردة، أم غيرها؟ غير أنّه أيقن أنّه يعرف هذه الرائحة معرفةً حميمة.
إنّه العطر نفسه الذي عبق به منديله الذي أحرقه بنفسه من قبل؛ ذاك العطر الذي كانت لينتري ترشّه على ثوبها كلما خرجت للنزهة!
اتّسعت عيناه حتى صارتا كالمصابيح، وفي غمرة الذهول استدار بغتةً وأمسك بمعصم المرأة التي مرّت بجانبه.
فدار جسدها بخفّةٍ لتجد نفسها قبالته، دون أن يلحظ ملامح وجهها صاح من فوره:
“سـ..سيدة لينتري؟!”
خفق قلبه كما لو كان يعدو بكل قواه، وضاق نَفَسه، وارتجف صوته من شدّة التوتّر.
فتحت المرأة عينيها متسعةً كعيني أرنبٍ، وحدّقت في داميان الذي أمسك بمعصمها.
وعينها تلمعان كبحرٍ يتلألأ تحت الشمس، فيما تدلّت خصال شعرها الذهبي الفاتح متماوجةً بعد أن استدارت، فاجتمعت بنظام.
وكان معصمها الغضّ ضئيلاً حتى أنّه تلاشى في كفّه العريضة، ولخِفّة جسدها انجذبت نحوه بقوّةٍ حين قبض عليها، فكأنّها ارتاعت من شدّة ذلك.
وبدلا أن تمنحه فرصةً ليتأمّل، باغتته قائلةً على نحوٍ انعكاسي:
وأسرع يخلّي سبيلها. لكن قبضته كانت من الشدّة بحيث تركت في معصمها أثراً أحمر قانياً.
فما إن رأى ذلك حتى طفح جبينه عرقاً بارداً، وأطرق رأسه معتذراً:
“أسف حقا! لقد أخطأتُ في الظنّ، أأنتِ بخير؟”
قالت:
“همم… يؤلمني بعض الشيء، غير أنّه محتمل…”
رمقها داميان خلسةً، فإذا هي في أوائل العشرينات، تقارب سنّه. عينان واسعتان لهما جفنان بارزان، وأنف صغير منتصب، وشفاه شاحبة تزيدها وهناً في الملامح، لكنها مع ذلك فاتنة.
وكانت ترتدي ثوب المرضى، فضفاضاً عليها قليلاً، فكأنّها من نزلاء هذا المشفى.
أمعنت النظر فيه بعينين ضيّقتين، ثم أطلقت زفرةً قصيرةً وقد لان قلبها لصدق اعتذاره:
“لا أظنّك قصدتَ سوءاً، فلأصفح عنك.”
قال بانحناءة:
“شاكرٌ لك جميل صنيعك.”
‘ها قد بان الحقّ. لم يكن ليعقل أن تظهر السيدة لينتري في موضعٍ كهذا صدفةً، بعدما عجزت عن العثور عليها بكل حيلة. وما ذاك العطر إلا من عطور السوق، يرشّه غيرها من النساء كذلك. بئس ما فعلتُ إذ ظننتها هي!’
قالت المرأة وهي تولّي بوجهها:
“على كلّ حال، انتبه لنفسك.”
فناداها مسرعاً:
“لحظةً، يا آنسة!”
فالتفتت إليه، فتلعثم قائلاً:
“أردتُ أن أعوّض عن خطئي… فهل لي أن أدعوكِ إلى شراب؟ كنتُ قاصداً المقهى أصلاً…”
فاستغربت نظرته أكثر، ومسحت ببصرها جسده من رأسه إلى قدمه وقالت ساخره:
“أما كنت لتستعمل وسيلةً أليق إن كنتَ تروم مغازلة النساء؟”
فتورّد وجهه وأشار بيديه نافياً:
“لا، لا! ليس ذاك مرادي! قصدي فقط أن أبتاع لك كأس شرابٍ، لا أكثر ولا أقل! فإن كان الأمر يسوءك، فلك أن ترفضي…”
وانخفض صوته شيئاً فشيئاً حتى غدا همساً متردداً.
فوضعت المرأة ذراعيها على صدرها، وفكّرت قليلاً، ثم هزّت رأسها موافقة:
“حسناً. كأسٌ واحدٌ لا بأس به. وأنا في فراغٍ على أيّ حال. غير أنّ…”
ثم نظرت إلى ثوبها وقالت:
“لا أدري هل يليق أن أخرج بهذا الزيّ.”
فأسرع داميان بخلع معطفه وقدّمه إليها.
فلم تلبث أن رمشت بدهشة، ثم أخذته وارتدته. وكان فضفاضاً عليها حتى لم يبدُ من يديها إلا أطراف الأصابع، فبدت الهيئة مضحكةً بعض الشيء، لكنها لم تُبالِ.
“ثمّة مقهى قبالة المشفى مباشرةً، هل أتشرف باصطحابك إليه؟”
“نعم، شرابهم طيّب هناك، وهو قريب فلا كلفة في الذهاب.”
فخطت بخفّة، فتبعها داميان قائلاً:
“اعلمي أنّي لا أبتغي شيئاً وراء ذلك. فلتأخذي الأمر على سجيّتك.”
فابتسمت وقالت:
“قد علمتُ.”
ثم مدّت يدها نحوه وقالت:
“اسمي ليليانا كانيل.”
فباغتته مبادرتها، وأجابها وهو يتردّد:
“أنا داميان ستيرن.”
ثم نظر إلى يدها الممدودة، ولم يدرِ بماذا يجيب، فالتبس عليه الأمر. إذ لم تمضِ سوى خمسةٍ وأربعين يوماً على فقدانه ذراعه اليمنى، فلم يألف بعدُ كيف يتصرّف في مثل هذه المواقف وقد غاب عنه ما كانت تقوم به يمناه.
التعليقات لهذا الفصل " 20"