لـمّا بلغ داميان العاصمة نيهيرو، استأجر لنفسه أوّل الأمر غرفةً في فندقٍ بحيٍّ تتيسّر فيه سبل المواصلات، إذ لم يكن له مأوى يقيم فيه ريثما يجد داراً يأوي إليها. ثم بادر إلى الاتصال بـمستشفى تريلو العام القريب، طالباً موعداً للفحص. وكان بوسعه أن يقصد أعظم مستشفيات العاصمة، غير أنّه لمّا سأل عن ذلك قيل له: إنّ المريض الجديد لا يُنظر إليه قبل مضي شهر كامل. أمّا تريلو فلم يكن الأمر فيه على هذا الحدّ من المشقّة، بيد أنّ الموعد أُجّل بضعة أيّام، إذ شاع عن أطبّائه أنّهم يحسنون النظر في أمر المرضى، فجاء الحجز متأخّراً عمّا توقّع.
ولم يكن له في الحقيقة خيار واسع؛ فإصاباتُه بليغة، لا يليق أن يُودع جسده أيّ مستشفى عابر، بل لا بدّ من موضع مستجمع للشروط.
وما إن فرغ من حلّ أمتعته في الفندق حتّى عزم أن يخرج يجوب المستشفيات بحثا عن سيرا. غير أنّه لمّا همّ بارتداء ثياب الخروج كادت ركبتاه تَخونه فسقط نصف سقطة، إذ أرهق بدنه قبل أن يبرأ، فارتفعت حرارته. وكان هذا جزاءَه فقد خالف وصيّة الجيش حين رخّصوا له أن يعتني بنفسه في مستشفى أهلي، فإذا به يعاند. فلمّا حُمَّ بدنه، اشتعلت مواطن جراحه بأوجاع متفرّقة، وكأنّ الألم انتشر في جسده دفعةً واحدة.
قال متنهّدًا: “دواء لخفض الحمّى…”.
وأخذ ينبش في أمتعته حتى أخرج بصعوبة صندوق الإسعاف، فتناول منه قرصاً للحمّى، ثم توقّف هنيهة، ثم قال في نفسه: ‘ليكن ما يكون’، فضمّ إليه مسكّناً للألم أيضاً. لم يكن مساوياً في قوّته للمورفين، غير أنّه أخفّ خطراً من حيث الإدمان. ومع ذلك راوده الشكّ: هل يكفي؟
لقد عاش في المستشفى العسكري متعلّقاً بمسكّناتٍ قويّة، حتى اعتاد بدنه عليها، فصار الدواء الضعيف لا يؤثّر فيه كثيراً. ومع علمه أنّه لا ينبغي له أن يحيا أسير العقاقير، تناول جرعةً فوق القدر المحدّد.
م. جميع المسكنات تحتوي على نسبه خفيفه من المواد المخدرة
ثم مضى إلى الحمّام، بلّل منشفةً بالماء، فعاد يزحف إلى سريره، وألقى المنشفة على جبهته. كان جسده كلّه يتلظّى، حتى إنّه مع برد الهواء ركل الغطاء جانباً وراح يتألّم وحيداً.
تمنّى لو أنّه ينسى وجعه فيسبغ عليه النوم ستاراً ثقيلاً، غير أنّ الأوجاع لم تتركه فاستيقظ مراراً، وما كان يقظان حقّاً، بل بين النوم والصحو. وكان يخيّل إليه أنّ صوتاً يناديه باسمه، لكن ليس باسمه الأصلي.
ـ “الملازم ماكورد… انهض، أيّها الملازم ماكورد.”
ولم يكن في هذا العالم من يدعوه بهذا الاسم سوى واحدة. فحرّك داميان شفتيه همساً:
“سيّدتي لينـ… ـتري ….”
فانبعث ضحك خافت من الجهة الأخرى. فتح عينيه بصعوبة، فإذا بخصلات ذهبية لامعة تهطل كالشلال فوق محيّاه، وإذا هو مستند إلى حجرها.
“لينت… رَي؟” سأل متردّداً.
فأومأت برأسها، وقالت:
ـ “نعم.”
غير أنّ وجهها بدا مبهماً، لا يظهر منه سوى شعرها الكثيف يلمع كأنّ ذرّات الذهب قد نُثرت عليه.
مدّ داميان يده اليمنى نحو وجهها على غير وعي، فانتبه متأخّراً أنّ ذراعه المبتورة قد عادت ملتحمة! غير أنّ أنامله لم تبلغ وجهها، فعبس وهو يحاول. عندها فتحت هي فمها وقالت:
ـ “أكنتَ تشتاق إليّ؟”
فأومأ برأسه. وهنالك أقرّ في نفسه أنّه كان يشتاقها دوماً. لقد طال عليه زمن الوحدة حتى ضاق به، وكان يزعم أنّه لا يريد سنداً، وفي باطنه أشدّ الناس حاجةً إلى السند. لذلك تاق أن يراها، وأن يلمسها، وأن يسمع صوتها. أراد برهاناً أنّ لينتري ليست وهماً.
فمدّ يده أطول ما يستطيع، حتى إذا كاد أن يلمس خدّها بأطراف أصابعه… إذ بها تقول بصوتٍ يقطّعه الأسى:
ـ “فلِمَ لم تجب رسائلي؟”
وإذا بالوجه الجميل يتبدّل نصفه، فإذا هو أسود محروق، مائل إلى التشوّه، والكلمات تخرج حزينة مؤلمة. فارتاع قلب داميان ألماً لا نفوراً، وقام من نومه مذعوراً يلهث:
“هـ… هـاه… هـاه…”
وكانت ثيابه غارقة بالعرق البارد، فمسح جبينه واستجمع أنفاسه طويلاً. ثم همس: ‘إنّه حلم، ليس إلّا حلماً.’
وأخذ يردّد كمن يُسحر نفسه: “لقد تلقت علاجها في مستشفى العاصمة… لا بدّ أنّها شُفيت… لا بدّ أنّها بخير… لن تتعذّب كما رأيت في الحلم.”
وبينما يكرّر الكلمات لا يدري أهي عزاء لنفسه أم لها، أخذت وعيُه يعود شيئاً فشيئاً. جسّه بيده، فإذا الألم باقٍ في جراحه ورأسه، لكن الحمّى قد انخفضت. وكان الفجر يلوح من خلف النافذة.
ابتلع مسكّناً آخر، ودخل الحمّام. فلمّا غسل عرقه اللزج شعر بانفراجٍ في جسده. غير أنّ قلقاً خفيّاً أخذ يزحف داخله مثل قطرانٍ أسود يلتصق بالفؤاد.
—
وخلاصة القول: إنّ خطّته الطائشة أن يطوف جميع مستشفيات العاصمة باءت بالفشل، إذ أثخنته الحمّى حتى أغشي عليه يومين قبل أن يفيق. ولعلّها بدأت به منذ أن كان في إيدنفالن.
فقال في نفسه: ‘لذلك راودتني تلك الفكرة المجنونة.’
فأقام في الفندق هادئاً حتى استعاد بعض قوّته. ولم يخرج منه إلا حين دنا موعد الفحص في المستشفى. وكان البرد لا يزال في الجو، فارتدى معطفاً خفيفاً، ومشى حتى محطة الترام.
وفي الطريق، أخذ يتأمّل الناس والدروب، فوجد المنظر غريباً على عينه. إذ لم يمض زمن طويل منذ أن كان في قلب حربٍ دامية، والناس هنا لا يعرفون الحرب، بل يشرعون يومهم بسلام.
ها هو ذا البائع يفرش بضاعته، والفتى الطالب يمضي بكتبه، والكهل يقرأ جريدته متأنّياً. لم يشهد مثل هذا المشهد منذ زمن طويل.
وبينما هو غارق في ذلك الشعور إذ ارتطم به فجأة صبيّ يعدو، فسقط على مؤخرته. ولمّا لم يكن الاصطدام قويّاً وقف داميان حائراً، ثم همّ أن يرفع الغلام بذراعه اليمنى، فإذا هو يتذكّر أنه فقدها، فأسنده بيده اليسرى.
قال: “أأنت بخير؟”
غير أنّ الغلام لم يُجب، بل رفع إليه عينين دامعتين، كأنّه تألّم من الوقعة. وقبل أن يستبين الأمر، أقبلت امرأة مسرعة وهي تنادي:
“لوغان! ألم أقل لك ألا تعدو؟!”
ثم التفتت إلى داميان وانحنت:
“آسفة حقل! أأصبتَ بسوء؟”
“لا، إنّي بخير.”
فعادت تؤنّب طفلها: “قل للرجل إنّك آسف!”
فأخذ الصبيّ يتردّد مرتبكاً يبحث عن كلمات الاعتذار. غير أنّه لمّا لمح كمّ ذاميان الأيمن يترنّح بلا ذراع، أطلق صرخة قصيرة وارتمى وراء أمّه.
“أمّاه! إنّ ذراعه…!”
فشهقت المرأة هي الأخرى، واتّسعت عيناها، ثم شحب لونها وأخفضت رأسها ثانية، وقالت معتذرة:
“سامحنا، لقد أساء ابني! لوغان، بادر بالاعتذار، إنّ ما صنعتَه من قلّة الأدب!”
التعليقات لهذا الفصل " 19"