كان بيتُ العمدة في قلب القرية، فلما نزل السائس أوّلًا وطرق الباب، أطلت امرأة في منتصف العمر وجهَها.
قالت متعجبة: “أوه، كارل! ما الذي جاء بك إلى هنا؟”
فأجابها: “مرحبا يا لوسي. لقد جئتُ بضيفٍ يريد لقاء جوزيف، أهو في الدار الآن؟”
وأشار السائس بيده إلى داميان الواقف خلفه، فما كان من داميان إلا أن انحنى سريعًا محييًا. فردّت لوسي التحية، ثم أرخَت حاجبيها وقالت:
“إنه خرج إلى عمله. ما الأمر؟”
قال السائس: “إنّ في نفس صاحبي هذا شيئًا يريد أن يسأل عنه بشأن حادثة احتراق قصر بنبريك ومن كانوا يسكنونه.”
فأرسلت لوسي نظراتٍ متفحّصة إلى داميان فيها ريبةٌ ظاهرة، وقالت:
“ولماذا تسألون عن مثل هذه الأمور؟ إنّ حديثنا عن شؤون القرية لكلّ غريب أمرٌ يحتاج إلى نظر….”
فأسرع داميان يلوّح بيده اليسرى نافيًا وقال:
“الأمر ليس كما تظنّين. اسمي داميان ستيرن. وما جئتُ إلّا ألتمس أثر صديقتي. قصدتُ بيتها فإذا به قد صار إلى ما قد رأيتِ، فاستولى عليّ العجب وأحببت أن أعلم ما جرى.”
قالت: “صديقة؟ ومن تكون هذا الصديقة؟”
فأُخرس لسان داميان لحظةً؛ أيُّ اسمٍ يذكر؟ أيسمّي سيرا أم لينتري؟ ولم يُطل التفكير خشية أن يزداد شكُّها، فنطق باسم من قيل إنها ما زالت حيّة:
“الآنسة سيرا… هي صديقتي.”
قالت في ريبة: “هكذا؟” ثم عضّت على شفتها وأضافت:
“ليس عندي ما أُسعفك به من أمرٍ عظيم، فالناس في قريتنا ما كانوا على مخالطةٍ واسعة مع أهل ذلك القصر. فلا أدري كم يبلغك من حديثٍ يشفي غليلك.”
“ذلك حسن. إنما أودّ أن أسأل عن أشياء معدودات. من كان من الناس يُجالس غرين، نجلُ القصر، ويخالطه في حياته اليومية؟”
“تلك كانت الآنسة سيرا.”
“ولم تكن لينتري؟”
قالت: “لقد كانت ترافقهم، لكن دأبها إنما كان خدمةَ الآنسة سيرا، وأما الأشدّ ملازمة لغِرين فهي سيرا لا غير.”
فتمتم داميان وهو يلمسّ ذقنه: “الآنسة سيرا إذن….” ثم رفع رأسه متسائلًا:
“فما حالها الآن؟ وأيّ إصابة نزلت بها؟”
قالت: “لا علم لي على التحقيق، غير أني سمعت أنّها شربت من الدخان كثيرًا حتى غشيها الخطر. أُدخلت إلى مستشفى قريب، لكنها لبثت أسبوعين لا تفيق. فلمّا أعيا الأطبّاء أمرُها، قالوا إنّ علاجها متعذّرٌ في هذا المستشفى، فنُقلت إلى العاصمة.”
“أتدرين إلى أيّ مستشفى في العاصمة نُقلت؟”
“أما ذلك فلا.”
“ومن الذي تولّى نقلها؟ الآنسة لينتري… أعني: ألـسيرا أقاربٌ سوى أبيها؟”
“الحقيقة أننا لا نعلم. لقد غابت بغتةً عنّا.” ثم قطّبت جبينها وأردفت:
“على ما بلغني، ليس لها من ذوي الأرحام من يُذكر. ولأجل ذلك تولّت أسرتنا أمر نفقتها وعلاجها، إذ زوجي هو العمدة. غير أن المستشفى بعث إلينا يخبر أنّ وليّ أمرٍ جاء وزعم أنه وصيّ عليها، فأخذها إلى مستشفى العاصمة. وقالوا إنّ كل ما يتعلّق بالنفقات قد أدّاه ذاك الوليّ.”
“وصيّ… وهل تأكّدوا من شخصه؟”
“لا علم لي، غير أن المستشفى ما كان ليُسلّمها لولا أن وثقوا به.”
“صدقتِ.” ثم أخذ نفسًا طويلًا وتابع:
“فهل تمنحينني رقم ذلك المستشفى؟ وأعيريني هاتفك، فلن أطيل.”
لم تطب نفس لوسي بإدخال غريبٍ يفتّش في قضية قصر بنبريك، غير أن رجاء داميان بدا صادقًا شديد الإلحاح، فأذنت له بالدخول، وأعطته الرقم. فما لبث أن اتّصل.
رنّ الجرس غير مرّة ثم جاءه الصوت:
― “نعم، هنا مستشفى نيلسون العام. كيف نخدمكم؟”
قال داميان: “مرحبا. أودّ أن أسأل عن الآنسة سيرا بنبريك التي كانت عندكم. هل تعلمون إلى أيّ مستشفى نُقلت؟”
فأجاب الصوت وفيه حرج:
― “عذرًا، لا نستطيع أن نكشف عن بيانات المريض عبر الهاتف.”
قال داميان ملحًّا: “إنّي صديقها. ألا يمكنكم أن تخبروني؟”
― “نأسف حقًا، ولكن جاءنا طلبٌ من وليّ أمرها ألّا نشارك أحدًا بشأنها. ونحن ملتزمون.”
“ليس سوى اسم المستشفى! أرجوكم.”
“المعذرة، لا يجوز لنا.”
فامتلأ صدر داميان غيظًا وكاد يختنق، إذ لم يكن يسمع منهم إلا كلماتٍ متكرّرة كالببغاء: “عذرًا”، “لا يجوز”. حاول طويلًا يلحّ ويدقّق، فلم يجد إلا العناد. شعر أن الاستياء قد بلغ بالموظف مبلغه، فما كان منه إلا أن تنفّس بفتور وقال بصوتٍ متهدّل: “أعلم… شكرًا.” ثم أغلق الخطّ مضطرًا.
وجلس قرفصاء واضعًا ذراعه على ركبتيه، مطرقًا رأسه بينهما. طال تفكيره، ثم نهض يشكر لوسي:
“أزعجتكِ من غير قصد. آسف على ذلك وشكرا لكِ.”
“لا عليك. ما دمتَ صديقًا لها،واتنى أن تنجلي غمتك.”
وبعد أن ودّعها ركب المركبة مع كارل وقال له: “إلى محطة القطار.”
فما هي إلا هينة حتى وجد نفسه في القطار يمضي به إلى العاصمة.
وجال في ذهنه: ‘أيعقل أن أحيط بما جرى؟ بعضه يتضح لي، وبعضه يظلّ غامضًا.’ فما يزال لا يعلم: أكانت التي يراسله لينتري أم سيرا؟
‘إن تكن سيرا، فلِمَ انتحلت اسم لينتري؟ وإن تكن لينتري، فلمَ وصفت نفسها بأنّها من أسرةٍ نبيلة؟’
فهزّ رأسه وقال في نفسه: ‘مهما يكن الأمر فالعجب واحد.’
وشعر بالوهن والخواء يسريان في جسده؛ فقد هجر ليف قاصدًا إيدنفالن ليلاقي لينتري، وما كان أشدّ خيبة رجائه! إن أسوأ ما تخيّله لم يكن يتجاوز أن يُطرد على الأبواب، لا أن يفجؤه خبر الحريق والموت!
وتذكّر: ‘ لينتري كيف كانت قلقة على نجاتي… إلا أن حالها الآن لا يعلم أهي حية أم ميته!’
وازداد قلقه حتى بلغ الجنون. ثم رفع رأسه فجأة وقال لنفسه:
‘لا بدّ من البحث عنها. لكن… كيف؟’
وأجاب نفسه: ‘أفتّش كل مستشفيات العاصمة واحدًا واحدًا.’
وكان محتاجًا أصلًا أن يداوم على مراجعة الأطباء لعلاجه، فخيّل إليه أنّ خطته هذه معقولة. لكنه ما كان بعاقل في تلك اللحظة. فكيف يفتّش مدينةً عظيمة مليئة بالمستشفيات على اسمٍ واحد وصورةٍ مجهولة؟ لقد كانت خطةً أقرب إلى المحال.
وكان بحاجةٍ إلى من يردّه إلى رشده، لكنه كان وحيدًا غريبًا؛ وأقرب الناس إليه بول بعيدٌ في ليف.
فتمتم: ‘ليتها فقط ما تزال على قيد الحياة.’
ثم أطرق إلى نافذة القطار يحاول تسلية نفسه، لكن همّه لم يزدد إلا اتقادًا.
التعليقات لهذا الفصل " 18"