قالت سولَيير: “الأرواح هي الطبيعة ذاتها، فهي تتأثر تأثرًا شديدًا بتغيّر القوانين الطبيعية. تسبق البشر في إدراك مخرجات السحر، وتعلم على أي معادلة سحرية يقوم. لعلّ كيسي قصد ذلك بقوله…”
قالت سولَيير: “حسنًا. لكن، أما عندك شيء من المعلومات عن حال سيديل الشخصية؟”
فانبرى داميان يروي لها كل ما تلقّاه من فْلِيمَن، وسولَيير تصغي وتهز رأسها، ثم تعقد حاجبيها متعجبة:
“أتقول إنه يصنع غولمًا بوجه مطابق لوجه ابنتي؟”
قال داميان: “نعم، لقد كان الوجه نفس الوجه. حتى الاسم الذي يُنادى به هو ذاته.”
فتقبّض وجه سولَيير بتعبيرٍ مريب:
“ملعون الجدف ذاك… أترى أنه ينوي بعث ابنته بسحرٍ ما؟”
قال داميان مذهولًا: “إحياء ابنته؟”
غير أنّ سولَيير لم تجبه على الفور، بل شبكت ذراعيها وأطلقت فكرها يجول. وانتظر داميان مطرقًا صامتًا قرابة دقيقة، حتى رفعت فجأة رأسها وقالت:
“لعلّ غايته ذلك حقًّا. أنرضى أنه يكتفي بجعل ابنته غولمًا؟ أراه أبعد همّة من ذلك.”
قال داميان بحيرة: “أستميحك عذرًا يا سيدتي سولَيير، فإني لا أفهم مرادك.”
قالت: “مهما كان الغولم شبيهًا بالإنسان، فلا روح فيه. إنما يحرّكه حجرٍ سحري يتشكّل منها صورة جسد وهمي. لا قلب له ولا نفس، فلا يخرج عن كونه دمية. أما أن يجعل المرءُ ابنته مجرد دمية؟”
ثم رمقته بسخرية في طرف فمها وقالت:
“أتظنّ أن من العقل أن يوجد أبٌ يرضى أن تكون ابنته دمية بلا روح؟”
فتباعدت شفتا داميان اندهاشًا.
قالت سولَيير: “إن كان حقًّا أراد أن يرى ابنته الميتة تتحرك وتتكلم، أفلا يشتهي فوق ذلك؟ إنه ساحر، وأي ساحر هذا!”
كلما أوغلت سولَيير في كلامها، ازداد وجه داميان تصلبًا.
قال: “لكن، سيدتي سولَيير… أيجوز بالسحر أن يُبعث الميت؟”
فهزت رأسها قاطعة: “كلا. لا سحر يقدر على ردّ روحٍ فارقتها الحياة.”
قال داميان متردّدًا: “فلمَ إذن تقولين هذا؟”
قالت: “يمكن أختلاق حياة جديدة، بغير سبيل التناسل.”
فأمال داميان رأسه: “وكيف ذاك؟”
قالت: “إلا أنّه من أخطر ضروب السحر، إذ يُعَدّ هدمًا لقوانين الطبيعة. فالساحر يملك سلطة التعديل، لا سلطة الإبطال. أما هذا السحر، فإنه ينسف الشرائع الطبيعية وينتهك ناموس الأخلاق والإنسانية. ولذا يعافه السحرة ويجتنبونه، شأن أكثر صنوف السحر المحرم.”
قال داميان: “فإلام تشيرين بكلامك إذن؟”
قالت: “إن حوّل سيديل الجسد الوهمي الذي يشكّله الحجر السحري إلى روحٍ حقيقية، نال ابنة جديدة. وإن نقل إليها ذكريات ابنته الميتة، نشأ كائن حي مطابق لها.”
م. باختصار ينقل روح بنت بريئة لجسم هو صنعه ويحشر ذكرايات بنته فيها.
ثم وضعت مرفقيها على الطاولة وشبكت أصابعها وقالت:
“أختلاق جسد جديد، أو نقل ذكريات شخصٍ آخر، أمرٌ عسير نعم، لكنه غير مستحيل. غير أنّ تحويل روح ما إلى جسد وهمي أمر لا يقوى عليه واحد بمفرده، لا سيما لمشقة تحصيل المواد اللازمة. لكن إن وجد من يموله…”
قال داميان: “أوَتظنين أن ذلك المموّل هو المركيز سوردين؟”
قالت: “القرائن تدل على ذلك. قد أكون مخطئة، لكن الشبهة عظيمة.”
ثم زفرت بأنفها وقالت:
“غير أن أكثر السحرة لا يبالون بكيفية دراسته في الغولم. لكن لو صح أنه يحاول أرتكاب المحرمات، فالأمر يختلف. هذا سحر يفسد قوانين الطبيعة، ومن الواجب أن ينهض أحد لردعه. وها أنا أجدني مضطرة لأن أقوم بهذا الدور.”
ارتشفت شيئًا من الشاي، ثم قالت: “فمتى تنوون الهجوم؟”
“إن أذنتِ، فكلما كان أسرع كان أحسن. ألكِ خطة؟”
“خطة بعد لم أضع، لكن الغاية أن نمسك سيديل.”
قال داميان متوجسًا: “أتستطيعين القبض عليه؟”
ابتلعت ما في فمها وقالت: “لابدّ من ذلك. أفتظن أن بإسقاط بضع أوكار أو تحطيم عدة غولم يتراجع عن مشروعه؟”
“ليس الأمر كذلك، لكن…”
“أعلم أن الأمر عسير، فقد لا نجده في وكره، ومراقبته شبه مستحيلة لطبيعة السحرة. لكن لنذهب ونتقصَّ الأمر، عسى أن نظفر بخيط نمسكه به.”
ثم قضمت قطعة حلوى وقالت:
“كنت أنوي الإسراع بالهجوم، فما رأيك في يومين أو ثلاثة؟”
قال داميان: “إذن فالأحرى أن نجعلها في عطلة نهاية الأسبوع، إذ إن لليليانا درسًا قبلها.”
فأومأت وقالت وهي تنفض يديها من الفتات: “حسنٌ. فلنجعلها فجر الثالث عشر.”
قال داميان مدهوشًا من بساطة لهجتها: “أفلا نحتاج إلى استعداد؟”
قالت بفتور: “وماذا عساكم أن تعدّوا؟ أنت وحدك لا يعوَّل عليك كثيرًا، أما كيسي فلابد أن يحضر.”
فخبا بصر داميان وقد شعر بالتحقير.
‘أما أنا فلا أصلح لشيء؟ ألست قادرًا على صرع الغولم؟’
“لكن إن ذهبنا أنا وكيسي، فمن يرعى ليليانا؟ ألن يكون في ذلك خطر؟”
“افعل إذن. فالمعركة لن تطول على أي حال، والعدو خطير، وكلما كثر العدد كان أجدى.”
ثم نهضت وأمرت الغولم الحجري أن يجمع أواني الشاي. أما داميان فطأطأ رأسه مودّعًا، وغادر متجرها.
وما زالت كلماتها ترنّ في رأسه:
‘أتظن أن أبًا يرضى أن تكون ابنته مجرد دمية بلا روح؟’
رفع بصره إلى سماء المغيب وتمتم بمرارة: “نعم… ليس هذا معقولًا.”
وعاوده الإحساس بأن علاقته مع المركيز جيسكا ما كانت يومًا طبيعية. فقد أراد المركيز منه أن يكون كدمية مطيعة لا تعترض، وذلك في مقابل دعمه له. لم يكن الأمر سيئًا في نظره، لكن…
‘لا أدري. لست أفهم روابط الآباء بالأبناء، ولا أسرار العائلة. وأجهل إن كنت أصلًا أستطيع أن أعيش بين الناس عيشة سوية.’
ثم هزّ رأسه قائلًا: ‘لكن، وهل هذا جديد علي؟ لقد عشت هكذا طَوال عمري.’
فحكّ رأسه ويمم صوب داره.
—
دخل داميان البيت وهو يفرك عينيه من التعب، وقد ثقلت رأسه بما تزاحم فيه من أخبار. كان يفكر فيما يجب أن يُعَدّ للهجوم على وكر سيديل.
وما إن فتح الباب حتى انسكب نور المصابيح، وانطلقت نحوه لهفةٌ مألوفة:
“داميان! أعدت الآن؟”
رفع رأسه فإذا ليليانا وكيسي جالسان على الأريكة، يفرغان ما ابتاعاه من السوق. عند قدميهما قفزت تيمو مسرعة إليه، تلوّح بذنبها وتتعلّق بساقيه. فدخل داميان متفاديًا أن يطأها.
قال: “لقد عدتما أسرع مما حسبت. ظننتكما ستتناولان العشاء في الخارج.”
قالت ليليانا: “أرهقنا التجوال، فاشترينا ما نريد وعدنا. أتعلم كم يستهلك التسوق من جهد؟”
قال داميان وهو يجلس بجانب كيسي: “فهل وجدتِ ما يروقك من ثياب؟”
فابتسمت ليليانا بخبث، وأخفت كيسًا وراء ظهرها وقالت:
التعليقات لهذا الفصل " 165"