الفصل 16
“ذلكَ البشريُّ كانَ يُخفي قـ.. قلادةَ أوبيرون. اهـ.. اهرب يا ويت.”
نظرتُ إلى تارو مرّةً، ثمّ إلى أسفلِ السريرِ مرّةً أخرى بالتناوبِ.
قلادة؟ هل يُعقلُ أنها….
“مجوهراتي!”
“آنسة!”
ركضتُ نحو السريرِ دونَ تفكيرٍ.
أخرجتُ عصًا طويلةً كنتُ قد خبأتُها تحتَ السريرِ وحرّكتُها في الأسفلِ، فسمعتُ صوتَ ارتطامٍ لشيءٍ ما.
“ويلٌ لهُ إن نقصَ شيءٌ واحدٌ فقط.”
لن أتركهُ وشأنَهُ.
أخرجتُ كيسَ المالِ أولاً وتفقّدتُ ما بداخلِهِ، ثمّ حاولتُ إخراجَ صندوقِ المجوهراتِ.
“… هاه؟”
حينها لاحظتُ ضوءًا خافتًا يتسرّبُ من صندوقِ المجوهراتِ.
ابتلعتُ ريقي بتوترٍ وأخرجتُ الصندوقَ بحذرٍ.
“آنسة، سأتفقّدُهُ أنا….”
كنتُ مترددةً وخائفةً من فتحِهِ، فحاولَ أدرييل أخذَ الصندوقِ قائلاً إنهُ قد يكونُ خطرًا.
“لا تلمسْهُ!”
نظرتُ إليهِ بحدةٍ واحتضنتُ صندوقَ المجوهراتِ. لقد جعلني وجودُ اللصِّ مرتابةً من كلِّ شيءٍ.
بدا أدرييل مرتبكًا من ردةِ فعلي، لكنّهُ سرعانَ ما حاولَ تهدئتي بهدوءٍ.
“اهدئي. ليس لديَّ أدنى رغبةٍ في أخذِ ممتلكاتِ الآنسةِ.”
“بالطبعِ، يجبُ ألا تفعلَ ذلكَ.”
لم أتخلَّ عن حذري حتى النهايةِ وفتحتُ الصندوقَ ببطءٍ.
“هذا….”
“يبدو أنَّ مصدرَ الضوءِ كانَ هذهِ القلادةَ.”
ما كانَ يشعُّ بالضوءِ لم يكنْ سوى قلادةِ الألماسِ الأزرقِ التي أحضرتُها سرًا من قصرِ الكونت فيريال.
لماذا تشعُّ بالضوءِ هكذا فجأةً؟ ألم تكنْ قلادةً عاديةً؟
“سيدتي. هل هذهِ هي القلادةُ التي تحدثَ عنها تارو؟”
“نعم… يبدو أنها هي.”
“كيكيك. يا لكَ من أحمق يا تارو. أن تُهزم أمامَ قلادةٍ كهذهِ. كيكيكيك.”
اقتربَ ويت وهو يرفرفُ بأجنحةِ الجنيَّاتِ ونظرَ إلى القلادةِ بفضولٍ. وفجأةً، مدَّ يدَهُ ليلمسَه.
“ويت، انتظر…!”
“هياااع!”
تشيييك-!
اندلعت شرارةٌ قويةٌ بين يدِ ويت الصغيرةِ والألماسِ الأزرقِ.
في اللحظةِ التي ملأ فيها ضوءٌ أزرقٌ ساطعٌ رؤيتي، شعرتُ بيدينِ تحتضنانِ جسدي.
“يؤلم! هذا مؤلمٌ يا سيدتي!”
بعدَ وقتٍ قصيرٍ، بدأ الضوءُ الأزرقُ الذي كانَ مرئيًا حتى والأعينُ مغمضةٌ يتلاشى تدريجيًا.
فتحتُ عينيَّ على صرخةِ ويت.
“هل أنتِ بخيرٍ يا آنسة؟”
رفعتُ نظري قليلاً، فالتقت عينايَ بعينَيْ أدرييل الذي كانَ يتفقدُ حالتي بقلقٍ.
أومأتُ برأسي لأطمئنَهُ، فتنفسَ أدرييل الصعداءَ بارتياحٍ.
“عذرًا….”
عندما ناديتهُ، بدا على وجهِ أدرييل تساؤلٌ عما أريدُ.
“أنا بخيرٍ، لذا أبعدْ يديكَ….”
“…!”
حينها فقط أدركَ أنهُ كانَ يمسكُ بكتفيَّ، فانتفضَ وتراجعَ إلى الوراءِ بذهولٍ.
نظرتُ إلى أدرييل بتمعنٍ، ثمّ التفتُّ نحو أنينِ ويت.
“ويت.”
بسببِ تداعياتِ ما حدثَ، عادَ ويت إلى هيئةِ الهيكلِ العظميِّ.
بدا أنهُ يتألمُ كثيرًا وهو يتدحرجُ على الأرضِ.
“لقد رأيت ما حدثَ لتارو، كيفَ تجرؤُ على لمسِها؟ على أيةِ حالٍ….”
أدخلتُ القلادةَ بسرعةٍ في صندوقِ المجوهراتِ.
حتى بعدَ إغلاقِ الغطاءِ، لم يكنْ بالإمكانِ فعلُ شيءٍ حيالَ الضوءِ القويِّ المتسرّبِ من الفتحاتِ.
“هل تتفاعلُ عندما تلامسُ شيطانًا؟”
اقتربَ أدرييل، الذي كانَ يتظاهرُ بالسعالِ قبلَ قليلٍ، وسألَ وكأنَّ شيئًا لم يكنْ.
أومأتُ برأسي.
“نعم، يبدو ذلكَ.”
كانَ الأمرُ كما قالَ أدرييل.
سقوطُ تارو هكذا، وحالةُ ويت الآنَ، كلُّ ذلكَ بسببِ هذهِ القلادةِ.
لم تكنْ قلادةً عاديةً، بل سلاحًا لطردِ الشياطينِ. لماذا بحقِّ خالق الجحيمِ كانَ لدا عائلةِ فيريال شيءٌ كهذا؟
“مـ.. مَن الذي تصفونَهُ بالشيطانِ! أيها البشرُ الجبناءُ!”
تارو، التي كانَ ممددًا على الأرضِ، انتفضَ مثلَ سمكةٍ خرجت لتوِّها من الماءِ.
رؤيتُهُ غاضبًا هكذا تعني أنَّ حالتَهُ تحسنت كثيرًا عن ذي قبل.
“تـ.. تظاهرتِ بالبراءةِ بينما كنتِ تخفينَ سلاحًا شنيعًا كهذا… لـ.. لن أصمتَ عن هذا، أيها البشرُ!”
كلا، أنا أيضًا لم أكنْ أعرفُ أنَّ هذهِ القلادةَ هكذا حتى اليومِ….
لكنني كتمتُ مشاعري وسألتُ تارو.
“هذهِ، أعني قلادةَ أوبـ.. أوبيرون؟ هل هذا الشيءُ شنيعٌ حقًا؟”
“وهل تعتقدينَ عكسَ ذلكَ؟ إذا لمسنا تلكَ القلادةَ فنحنُ الجنيَّاتُ…!”
توقفَ تارو عن الصراخِ فجأةً وكأنَّ حجرًا سدَّ حلقَه.
“الـ.. الـ…”
“سيد تارو؟”
بدأ وجه تارو الملطخ بآثارِ الحروقِ يصفرُّ بشحوبٍ.
“لا تـ.. تـ.. تنظري…! لا تنظري، لا تنظري!”
“نعم؟”
“لا تنظري إلى وجهي!”
تارو، الذي كان ينظرُ إلى السقفِ، قلبَ جسدَهُ بصعوبةٍ ودفنَ وجهَهُ في الأرضِ.
لماذا يتصرفُ هكذا فجأةً؟
“ويت، صديقك هذا….”
حاولتُ أن أطلبَ من ويت أن يفعلَ شيئًا، لكنَّ ويت نفسَهُ كان يتدحرجُ على الأرضِ فاقدًَا الوعيِ تقريبًا.
“لا تنظري، أيتها البشريُّة! لا تـ.. تنظري!”
ماذا أفعلُ. يجبُ أن أهدّئَه قليلاً.
“سيد تارو.”
“ابتعدي عني!”
“من فضلك استمع إليَّ.”
“ألم أقلْ لكِ أن تبتعدي!”
“لا يهمني كيفَ تبدو، سيد تارو.”
“هـ.. هذهِ مصيبةٌ. إذا علمَ الملكُ بهذا الأمرِ…!”
توقفَ تارو، الذي كان يصرخُ مخفيًا وجهَهُ، عن الكلامِ فجأةً.
التفتَ رأسُ تارو نحوي قليلاً جدًا.
“ماذا… ماذا قلتِ للتوِّ؟”
“قلتُ إنني لا أهتمُّ بالهيئةِ التي تتخذها، سيد تارو. سواءً كنتَ ساعةً أو طائرًا، أو حتى بهيئتِك الحالية.”
في الحقيقةِ، كنتُ أعني أنني لا أهتمُّ بأيِّ هيئةٍ يتخذُها.
رؤيةُ كيفَ تخرجُ كلماتُ التملقِ مني بسلاسةٍ تجعلني أشعرُ أنني أصبحتُ محتالةً بارعةً حقًا.
“مـ.. ماذا….”
ظهرَ الارتباكُ على وجهِ تارو الذي انكشفَ قليلاً.
بدا عاجزًا عن النظرِ إليَّ بشكلٍ صحيحٍ، وكأنه يشعرُ بالخجلِ لسببٍ ما.
هل هذا ضوءٌ أخضرُ؟
بإحساسي الفطريِّ، اقتربتُ بحذرٍ وأمسكتُ بيدِ تارو فجأةً.
“لذا، هل تأتي إليَّ؟”
كانت هذهِ الكلمةُ الوحيدةُ الصادقةُ.
سأعاملكَ جيدًا. الغِ عقدكَ مع لوسيان وتعالَ إليَّ.
بسببِ نظراتي الصادقةِ، احمرَّ وجهُ تارو تمامًا.
“… آنسة.”
وفي اللحظةِ التي بدأ فيها الجوُّ يصبحُ مفعمًا بالمشاعرِ، اخترقَ صوتٌ باردٌ مسامعي من فوقِ رأسي.
كما هو متوقعٌ، كانَ وجهُ أدرييل، الباردُ أصلاً، قد ازدادَ برودًا وقتامةً.
لم أكنْ بحاجةٍ للتفكيرِ في سببِ سوءِ مزاجِهِ.
فمنذُ بضعةِ أيامٍ فقط، سمعتُ قصتَهُ الماضيةَ مباشرةً منهُ.
لا يبدو أنَّ هناكَ داعٍ لاستفزازِ أدرييل أكثرَ بالتظاهرِ بالودِّ مع تارو هنا.
“كـ.. كحم! أرى أنكِ تعرفينَ قدري، أيتها البشريّة.”
تمتمَ تارو وكأنهُ يحدثُ نفسه بعدَ أن دفنَ وجهَهُ في الأرضِ مجددًا.
“هذا صحيحٌ. أنا و جنيُّ الثروةِ العظيمُة. أنا هو الجنيُّ الذي يرغبُ البشرُ الدنيئونَ في الحصول عليه حتى لو اضطروا لبيعِ أرواحِهم.”
بدا تارو مدرك تمامًا لقيمتِهِ.
سألتُ تارو بينما كنتُ أراقبُ ردةَ فعلِ أدرييل.
“أيُّ قدراتٍ عظيمةٍ تمتلُكـها لدرجةِ أن….”
كنتُ فضوليةً بصدقٍ. بما أنني أسألُ بنيةٍ صافيةٍ، فهذا القدرُ من السؤالِ لا بأسَ بهِ، أليسَ كذلكَ؟
تجاهلتُ نظراتِ أدرييل الذي كانَ يضيقُ عينيهِ وانتظرتُ إجابةَ تارو.
“أنا.. أنا أستطيعُ أن أجلبَ لكِ ثروةً لا يمكنكِ تحقيقُها حتى لو قضيتِ حياتكِ كاملةً في المحاولةِ. يمكنني العثورُ على الكنوزِ المخفيةِ، ويمكنني التـ.. التنبؤُ بما سيصبحُ باهظَ الثمنِ في المستقبلِ. كلُّ هذا هو قـ.. قدرتي!”
تصفيقٌ حارٌّ!
صفقتُ دونَ وعيٍ مني، ثمّ خفضتُ يديَّ مجددًا بعدَ أن تلقيتُ نظرةً حادةً من أدرييل.
هذا جنونٌ. بعبارةٍ أخرى، ألا يعني هذا أنه يعرفُ أيُّ المنازلِ سيرتفعُ سعرُها؟
يا للأسفِ. كانَ عليَّ مقابلةُ هذا الشخصِ الكريمِ في حياتي السابقةِ….
“لا تستسلمي للإغراءِ.”
“… ها.”
ابتلعتُ ريقي الذي كادَ يسيلُ بسرعةٍ.
“لكن، مَن يريدُ عقدَ اتـ.. اتفاقٍ معي. هناكَ شرطٌ.”
“شرطٌ؟”
“صحيحٌ. إنهُ وقتُكِ.”
وقت؟
“بشكلٍ أدقَّ، هي حياتُكِ.”
“…؟”
“في الأصلِ، كانَ يجبُ أن آخذَ نـ.. نصفَ وقتكِ، ولكن بما أنكِ صديقةُ ويت، سآخذُ نصفَ ذلكَ فقط.”
ماذا… هل هو خصمُ المعارفِ؟
أنا التي كنتُ غارقةً في الأحلامِ، أصبحَ وجهي مذهولاً في لحظةٍ.
حتى لو جمعتُ الكثيرَ من المالِ، ما الفائدةُ من ذلكَ إذا متُّ مبكرًا؟
ثمَّ إنَّ كونَ شرطِ العقدِ هو الحياةِ. هذا ليسَ منطقيًا؟
ضيقتُ عينيَّ.
“هل يعرفُ الماركيز بيرتو ذلكَ؟”
ألا يحاولُ خداعي ظنًا منهُ أنني لا أعرفُ شيئًا؟
لوسيان بيرتو قد يبدو للوهلةِ الأولى كشخصٍ يسيرُ خلفَ غرائزِهِ دونَ تفكيرٍ، لكنّهُ كانَ شخصًا يعرفُ كيفَ يحققُ مصالحَهُ أكثرَ من أيِّ شخصٍ آخرَ.
لا يمكنني التصديقُ أنهُ عقدَ اتفاقًا مع تارو وهو يعرفُ ذلكَ.
“هـ.. هذا أمرٌ بديهيٌ! حتى أنَّ ذلكَ الزميلَ لم يبدُ عليهِ أيُّ تأثرٍ بعدَ سماعِ شرطِ العقدِ هذا حتى النهايةِ. إنهُ شخصٌ لا يمكنُ معرفةُ فيما يفكرُ. البشرُ العاديونَ يترددونَ عادةً في مثلِ هذا الموقفِ. لكنّهُ وافقَ وكأنَّ ليسَ لديهِ أيُّ ندمٍ.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 16"