حتى أنا، التي لم يمضِ على وجودي هنا سوى شهر واحد، كنت أعرف مدى سوء سمعته. فبمجرد وصولي، وقعت حادثة ضخمة ملأت عناوين الصحف؛ قيل إن عصابة معادية وضعت مكافأة على رأسه وحاولت قتله، لكنه خرج وحيداً سليماً من اشتباك مسلح ضد 21 شخصاً.
‘لا أريد أن أكون الرقم 22’.
لذا، لم يكن أمامي خيار سوى التخلي عن ذلك الخاتم، لكن.. كيف يمكنني التخلي عنه ببساطة؟
“لقد سرقته بالفعل.. كانت المهمة شبه مكتملة..”
لماذا يجب أن يظهر محترف في طريقي ويسلبني تعبي؟
“أتمنى أن تقابل لصاً يسلبك كل ما تملك! كل ما سرقته فقط!”
في النهاية، لم أستطع كتم غيظي فصرخت بأعلى صوتي:
“أتمنى أن تصطدم أصابع قدمك بكل عتبة باب تمر بها! لا تكسرها، فقط اجعلها تؤلمه بشدة! وأتمنى أن ترفضك المرأة التي تحبها! وأن تظل مريضاً بحبها لعشر سنوات دون أن تنساها! وأيضاً..! آاااخ، حقاً هذا مثير للشفقة، لم أعد أحتمل!”
بعد رحيل اللص، شعرت بمدى ضآلتي وأنا أشتمه هكذا، ولم أعد أطيق نفسي. مَن ألوم؟
“عليكِ دائماً حمل وسيلة لحماية نفسكِ إذا كنتِ لا تريدين أن تُسلب جواهركِ.”
كلامه صحيح، التقصير كان مني لأنني كنتُ مهملة.
طق.
ضربتُ رأسي بجدار ممر المقصورة من شدة الإحباط..
بام!
اهتزت السفينة السياحية بعنف.
‘هـ.. هل حدث هذا بسببي؟’
بينما كنت أفكر بهذه الحماقة ورفعتُ رأسي..
“آاااااخ!”
مالت السفينة فجأة وبقوة نحو الجانب.
“كياااااااه!”
“إنها تغرق!”
منذ تلك اللحظة، بدأ الجحيم الحقيقي. تدفق الناس من المقصورات يزحفون في الممرات المائلة نحو الأبواب. وبما أنني كنتُ قريبة من الباب، وصلتُ إلى المخرج أسرع من غيري، لكنني توقفتُ مكاني بذهول.
‘أنا لا أعرف السباحة’.
لم أكن أرتدي سترة نجاة، فوقفتُ أنظر بعجز إلى المياه السوداء التي بدأت ترتفع لتغطي قدمي.
“ابتعدي!”
شخص ما دفعني بقوة من الخلف.
بلوب!
كانت مياه البحر باردة جداً رغم أننا في عز الصيف.
“هبف..”
بالطبع، الموت خنقاً سيكون أسرع من الموت برداً. اندفعت المياه المالحة إلى أنفي وفمي ففقدتُ القدرة على التنفس. حاولتُ التخبط بذراعيَّ وساقيَّ بجنون، لكن رأسي كان يبرز فوق الماء للحظة فقط قبل أن أستمر في الغرق.
‘هل يجدر بي الموت لكي أخرج؟’
كم كنتُ مجنونة حين فكرتُ في هذا سابقاً. عندما واجهتُ الموت الحقيقي، لم أعد أرغب في الموت حتى لو كانت مجرد لعبة.
‘أريد أن أعيش!’
بينما كنتُ أعصر آخر ذرة من قوتي وأحرك ذراعيَّ، أمسكت يدي بشيء ما. تمسكتُ به بكل قوتي.
كأنه حبل نجاة. ‘أنقذوني!’
بام!
‘أوه..’
يبدو أنها كانت ساق شخص ما. ذلك الشخص المجهول ركلني ليبعدني عنه ومضى في حاله. الجميع كان مشغولاً بإنقاذ حياته، فكيف لي أن أتوقع من أحدهم أن ينقذني؟
كان هذا يشبهني تماماً طوال الشهر الماضي؛ غبية لا تجيد فعل شيء وتنتظر المساعدة. إذا متُّ اليوم في هذا العالم الغريب، فذلك بسبب كوني مثيرة للشفقة.
***
“تباً..”
أنا لا أؤمن بالحظ، لكن اليوم هو بالتأكيد يوم سيئ.
لم يكتفِ ذلك المبتدئ بالالتصاق بي وعرقلتي، بل بمجرد أن أبعدته وأنزلتُ قارب النجاة، اصطدمت السفينة بسفينة تهريب كانت تختبئ في الظلام، فتحطم القارب إلى أشلاء. لم يتحطم القارب فحسب، بل ثُقبت جوانب السفينة السياحية أيضاً.
هذه السفينة ستغرق.
بمجرد أن أدركتُ الموقف، ربطتُ الجواهر المسروقة حول أطراف جسدي لتثبيتها وقفزتُ في الماء. غرقت السفينة في لمح البصر وتحول البحر إلى فوضى عارمة. كانت اليابسة بعيدة جداً ولم تكن هناك سفن قريبة مارة.
‘الركاب أثرياء، لذا ستصل سفن الإنقاذ إذا صمدتُ قليلاً’.
كان من الأفضل الانتظار دون إجهاد نفسي. وبينما كنتُ أسبح مبتعداً عن الحطام والزحام لتأمين نفسي..
“آخ..”
أمسك أحدهم بكاحلي. التفتُّ لأجد أن الفاعلة هي ذات الشعر الأحمر.
“ها، هل هذا حقاً..؟”
انتقام؟ هل تريدين الموت معي؟
لكن برؤيتها وهي تتخبط دون توازن حتى وهي ممسكة بكاحلي، بدا لي أنها لم تمسك بي لأنها عرفتني، بل كان مجرد تشبث يائس.
‘تلتصق بي كالعلقة منذ البداية’.
نفضتُ قدمي بخفة لأبعدها، وهممتُ بمواصلة السباحة..
‘لماذا أشعر بهذا الشعور السيئ؟’
توقفتُ والتفتُّ خلفي. في المكان الذي كانت فيه المرأة، لم يتبقَّ سوى شعرها الأحمر يطفو كالأعشاب البحرية.
“تنهيدة..”
هذا جنون، وأنا أعرف ذلك. ومع ذلك عدتُ وانتشلتُها.
“هفف.. هفف..”
لحسن الحظ لم تكن قد فقدت وعيها، فبدأت تتنفس بصعوبة وتشبثت بعنقي.
“شـ.. شكراً لك.”
وحتى في تلك الحالة، شهقت المرأة وهي تحاول شكري. لقد أدركت الآن مَن هو الشخص الذي أنقذها. نظرت إليَّ بعينين لا تفهمان سبب إنقاذي لها.
أنا نفسي لا أفهم.
شعرتُ بالإحراج تحت نظراتها، فأشحتُ بوجهي وتمتمتُ بعذر:
“اعتبريه ثمن الخاتم”.
بدأ البحر الصاخب يهدأ تدريجياً. الحطام الطافي لا يتكلم، والناجون القلائل المتشبثون به فقدوا القدرة على الكلام من التعب.
‘لماذا لم تصل سفن الإنقاذ حتى الآن؟’
بعيداً في المدينة، كان الليل يزداد سواداً وأضواء المباني تنطفئ واحداً تلو الآخر. لابد أن منتصف الليل قد مضى بكثير. ألا يجب أن تلاحظ السلطات اختفاء السفينة وتبدأ بالبحث؟
يا لها من “مدينة جحيم” (Hell City) ملعونة.
أنا لا أزال بخير، لكن المرأة لم تكن كذلك.
“هاه.. هاه..”
كانت أنفاسها متسارعة وشفتاها زرقاوين. لقد انخفضت درجة حرارة جسدها. بهذا المعدل، ستفقد وعيها في أقل من ساعة.
نظرتُ حولي واتخذتُ قراري. ربطتُ ذراعيها بشبكة العوامة التي كنا نتمسك بها لتثبيتها. وعندما تركتُها، تشبثت بي بذعر.
“إ.. إلى أين تذهب؟”
“لن أترككِ”.
أبعدتُ يديها الضعيفتين بسهولة وجمعتُ ما كان يطفو حولي: عوامتين وسترتي نجاة.
ربطتُ العوامتين ببعضهما وألبستُها سترة نجاة وارتديتُ الأخرى. وبما أنها لم تكن قادرة على موازنة نفسها، كان عليَّ مساعدتها في ارتدائها.
“هل تريْن ذلك الضوء؟”
أمسكتُ بيدها ووجهتُها نحو الجانب المعاكس للرصيف. “سنذهب إلى هناك”.
ذلك الضوء كان أقرب بكثير من مدينة “إيدن سيتي”. راقبتُه لفترة وبما أنه لم يتحرك، فمن المؤكد أنها ليست سفينة صيد، بل هي إحدى الجزر العديدة أمام المدينة.
“عليكِ الاسترخاء وترك جسدكِ لي”.
أومأت برأسها بعينين ذابلتين.
استلقيتُ على ظهري وسحبتُ المرأة التي كانت تعانق العوامة لتستلقي فوقي. وهكذا، ممسكاً بطرف سترتها، بدأتُ السباحة نحو الضوء.
لقد سبحتُ في البحر ليلاً بمفردي عدة مرات، لكنها كانت المرة الأولى التي أفعل ذلك وأنا أحمل شخصاً آخر. ورغم أنني وضعتُ ذلك في الحسبان، إلا أن استهلاك طاقتي ووقتي كان أكثر مما توقعت. وعندما شعرتُ أنني على وشك الانهيار من التعب، ظهرت الجزيرة.
التعليقات لهذا الفصل " 157"