كم مرة قال هذه الكلمات؟ شعر أن شفتيه تُدغدغ. لعق شفتيه فشعر بطعم دم خفيف. يبدو أنه عض شفته السفلى دون أن يشعر أثناء الكلام.
وضع جاك آيريس النائمة من السكر على السرير، ثم جلس بجانبها للحظات ينظر إليها. كانت شعرها البلاتيني اللامع يتساقط بلطف على الملاءة البيضاء تحت ضوء القمر.
امرأة جميلة.
لكن ذلك كل شيء.
فقط هذا ولا شيء آخر.
* * *
منذ ذلك الحين، بدأت آيريس تشغل بال جاك. كانت عادة تتحدث إليه بنبرة حادة، تسخر منه، وتبدو قوية كأنها قادرة على فعل أي شيء. لكن في بعض الأيام كانت تبكي كأنها على وشك الانهيار. هذه هي آيريس.
“جاك، ما الذي تفكر فيه هكذا؟”
في اليوم الذي ذهبت فيه للبحث عن زوجها الرابع، رافقها جاك كخادم. كان البارون جايس بيرداندي، ابن مدير بنك، مشهورًا بميله للنساء. كان قد أرسل إشارات إليها عدة مرات رغم أنها متزوجة.
“عندما تجدين ذلك الرجل، اجعلي لي وقتًا معه وحدي.”
“… حسنًا.”
“الباقي سأتولاه بنفسي.”
وقفت آيريس في وسط الحفلة ذلك اليوم أيضًا بدون ابتسامة. المرأة المسكينة التي طلقت ثلاث مرات، السيدة آيريس.
حتى الزيجة الثانية كانت تبدو امرأة جميلة مسكينة خانها أزواجها، لكن بعد الطلاق الثالث بدأت الشائعات السيئة تنتشر.
‘ربما فيها عيب ما.’
سواء كانت كلمات حسود أو مجرد حديث فضوليين، كان الجميع يصمت بعد رؤيتها.
بينما كانت آيريس تقبل دعوات الرقص واحدة تلو الأخرى، تجول جاك على طول الجدران بحثًا عن جايس بيرداندي.
شم رائحة سيجار من شرفة. كانت الشرفات التي تُدخن فيها السيجار عادة مكان تجمع النبلاء الرجال.
نظر من بعيد فرأى رجالاً يتحدثون، وكان جايس بيرداندي بينهم.
“جاءت تلك المرأة اليوم، هل رأيتها؟”
“طلقت زوجها أخيرًا.”
“يا بيرداندي، كنت تتباهى بأنك ستجعلها زوجتك، لكنك لم تنجح حتى الآن؟”
عبس البارون جايس بيرداندي وأطفأ سيجاره.
“اصمتوا. سأجعلها زوجتي حتماً.”
“لماذا تتعلق بامرأة تزوجت ثلاث مرات؟”
“بصراحة، إنها جميلة.”
ازدادت حدة الحديث مع مرور الوقت، فشعر جاك بالغثيان. رغم أن آيريس كانت تسترد الديون بطرق غير مشروعة، إلا أنها لا تستحق هذا الكلام.
لأنها عاشت حياة بائسة…
‘لا، ما الذي أفكر فيه؟’
هز جاك رأسه ليطرد أفكاره عنها. كانت صورتها المتهالكة تلك الليلة تطارده دائمًا.
منذ ذلك اليوم، بدأ جاك يجمع الفوائد والأقساط التي تسددها له آيريس في مكان واحد.
‘… لا أعرف لماذا أفعل هذا.’
لو هربت هي، ربما يهدأ قلبه. لو تخلت عن حياة لا تريدها لتسدد دينًا ليس لها.
‘ربما أعطيها كل شيء.’
خطر له هذا الفكر فجأة، فعض شفته. شعر أن الجرح القديم في شفته يؤلمه مجددًا.
انفض الرجال بعد تدخين عدة سيجارات. وقف جاك خلف الستارة ليتأكد من خروجهم. ثم لاحظ أن جايس بيرداندي يقف عند الجدار ينظر إلى آيريس التي ترقص مع رجل آخر.
كانت آيريس ترقص وتتحدث مع شريكها. عرفه جاك على الفور: دوغلاس هيستيا، حفيد السيدة هيستيا.
في زيجتها الأولى، كسبت ود السيدة هيستيا، فأصبحت تعرف دوغلاس. وكان دوغلاس يبدو مهتمًا بها أكثر من أي أحد.
لكن آيريس وضعت حاجزًا بينهما لأنه كان طيبًا جدًا. كان شابًا لطيفًا خجولًا. احمرّت خداه عند رؤيتها، وشعره الفضي الذي يشبه جدته يناسبهما تمامًا.
‘لو تزوجته لكان أفضل…’
لكن آيريس لم ترغب في إيذاء رجل طيب. ولم ترغب في تحميل دين أبيها لرجل آخر.
لذلك كانت تبحث دائمًا عن رجال سيئي السمعة، إلى درجة أن جاك كان يتساءل إن كانوا مناسبين حقًا.
“أراك في المرة القادمة.”
“نعم، حتماً.”
ودّعت آيريس دوغلاس هيستيا ثم توجهت نحو جاك. لكن شخصًا وقف في طريقها: البارون جايس بيرداندي.
الرجل الذي كان يتحدث عنها بطريقة مبتذلة قبل لحظات، وهو هدفها الآن. رمشَت آيريس بعينيها ببطء وابتسمت.
لفتت جمالها أنظار الرجال المحيطين.
“بارون بيرداندي.”
“هل تتذكرينني؟”
“بالطبع.”
“هل… ترقصين معي رقصة، سيدتي آيريس؟”
“بالطبع.”
أمسكت يده المهتزة بلطف وتوجها إلى قاعة الرقص. همس الناس حولها.
“دعوات الرقص لا تنقطع.”
“حسنًا، لم تعد متزوجة، فكيف يتركها الرجال؟”
كان الكلام الذي يُقال عنها سيئًا. عبس جاك. في البداية لم يكن يهتم، لكن الآن يشعر بالغثيان كلما سمع شيئًا كهذا.
تحركت شفتاه. أراد أن يقول شيئًا. ربما أن ينكر. لكنه لم يستطع نطقها.
لأنه أدرك أن هذه هي الحقيقة.
مسح جاك وجهه بيده الجافة ونظر إلى الأرض.
‘ما هي مشاعري تجاهها؟’
ليست حبًا.
ليست حبًا بالتأكيد.
لو كانت حبًا لما فعل هذا.
هو مجرد واحد من الرجال الذين يستغلونها.
لذلك لا يمكن تسمية هذا حبًا.
أغلق جاك عينيه. كانت تبدو أحيانًا كمن يعيش فقط لسداد الدين. لم تقل أبدًا ماذا ستفعل بعد الانتهاء، ولم يكن لديها سبب لتقوله له.
لذلك سكت.
“يبدو أن ذلك الرجل لن يكون صعبًا.”
قالت آيريس بصوت خالٍ من العاطفة بعد عودتها من الرقص مع البارون بيرداندي. أصبح الزواج بالنسبة لها مجرد تكرار بلا معنى.
“حقًا؟ هذا جيد.”
لم يستطع جاك قول أكثر من ذلك.
تم زواج آيريس من البارون بيرداندي بسرعة. كان جايس يطاردها منذ زمن، فلم يكن هناك عقبات كبيرة. كان هناك معارضة من والديه، لكن جايس نام أمام الباب حتى وافقوا.
“رجل مضحك.”
كانت هذه أول مرة تقيم فيها آيريس رجلاً بإيجابية. بدت ابتسامتها كأنها لم تظهر منذ زمن طويل.
لكن تلك الابتسامة اختفت سريعًا. بعد أن رأت آثار مكياج امرأة أخرى على قميصه.
التعليقات لهذا الفصل " 91"