الفصل 16 : أكاديميّة الضُباط الكارثيّة التي حتى النُّخبة تراها لأول مرّة ¹⁰
“نعم؟ ماذا، لِمَ؟ لا، لماذا؟ لقد أجبتُ بشكلٍ صحيح، فلماذا أكونُ قد طُردت؟”
حاول الزميل، الذي كان قد قال أمرًا منطقيًّا ثمّ طرظ، أن يُجادل مُستعجلاً، لكنّ المُدرّبين الذين دفعوا باب قاعة المحاضرات فجأةً فتحه، أمسكوا به بالقوّة وسحبوه إلى الخارج.
“ما هذا! اللعنة، ما هذا!”
وبينما كان يشتمُ بأعلى صوته وهو يُسحَبُ جَرًّا بعدما أمسكوا بذراعيه، خيّمَ الصمتُ المَهيبُ على وجوه أفراد الدفعة 87.
اختفى الجوّ الفوضويّ المُرتخِي في القاعة بالكامل، ولم يبقَ إلّا توتّرٌ مشدود يملأ الهواء. أمّا الأستاذ، فلم يُبالِ بكلّ ذلك، بل أشار إلى زميلٍ آخر.
“هذه المرّة، لِتُجب أنت. ما هي الدّولة المُجاورة لإمبراطوريّة دِراكنيا؟”
“طالب الدفعة 87، جوليا مورغان!”
صرختْ الزميلة اسمها ورتبتها العسكريّة بصوت مُدوٍّ كما يفعل الجميع، ثم دارت عيناها محاولةً التذكّر، وقبضتْ يدها بإحكام قبل أن تذكر إحدى الدول المجاورة.
“أه… الاتّحاد الكالديري.”
“أنتِ أيضًا مطرودة.”
قال أستاذ علم الأخلاق العسكريّ ذلك بوجهٍ ودود قبل أن يُعلن طردها. ودخل المُدرّب مرّة أخرى ليجرّ الثانية إلى الخارج.
خلال لحظات، أصبح اثنان خارج الصف.
كان طلّاب الدفعة يعلمون جيّدًا أنّ الطرد ليس استراحة، بل عقوبة. فقد سمعوا تهديدات المُدرّب بشأنه عند بدء التدريب العسكريّ الأساسيّ، كما شاهدوا طفلاً مُتهوّرًا يُشهر سلاحه على المُدرّبين سابقًا وهو يُهدّدهم بفصله إن حاولوا استثناؤه—وقد انتهى به الأمر مُستثنًى هو الآخر.
كانوا يعلمون أنّ الطرد عقوبةٌ حقيقيّة، لا راحة.
خشية أن يُشير الأستاذ إلى أحدهم، بدأ الجميع يُجنّبون نظراته ويتظاهرون بالانشغال بأيّ شيء آخر.
والطالبُ الثالث الذي وُجِّه إليه السؤال….
“إنّه دوقيّة نيهِلين! لِتفتحوا الخريطة وتتحقّقوا! إن لم تكن الدولة المُجاورة هي دوقيّة نيهِلين، فسأمنح أستاذنا كلّ ممتلكات عائلتي!”
“هُمم، مطرود.”
ورغم أنّه خاطر بكلّ ثروة أسرته مُحاولًا قول رأيه بثقة، إلّا أنّه جُرَّ إلى الخارج مثل غيره.
أخذت كلوي تتذكّر ما قاله الأستاذ، كلمةً كلمة، لتحاول استنتاج الإجابة الصحيحة.
لم تكن تستطيع أن تُطرد هنا، فمهمّتها لم تبدأ بعد. ناهيك عن كبريائها كعسكرية نخبوية لا يمكن أن تُهزَم بسؤالٍ من أسئلة محاضرة في نورثفورت.
-‘اليوم سنتعلّم سلوك الطاعة.’
-‘إذا ورد الأمر من الأعلى، فمهما كان يجب تنفيذُه.’
-‘والآن انتبهوا جيّدًا. الدولة المُجاورة التي تُشارك الإمبراطوريّة حدودها هي مملكة ديميسين.’
كانت تلك كلمات الأستاذ في بداية المحاضرة. والكلمات التي استخدمها عندما ذكر الدولة المُجاورة.
وأخيرًا وجدت كلوي الإجابة التي يُريدها.
وبينما كان الجميع يشيح بنظره، بقيت وحدها تلتقي نظرات الأستاذ بثبات. فأشار إليها بوجهٍ مُهتمّ.
“هذه المرّة، لِنتسمع جوابكِ.”
“طالبة الدفعة 87، كلوي وينساليت. إنّها مملكة ديميسين.”
تحوّلَت وجوه زملائها، الذين كانوا يسخرون من جهلها المُفترض، إلى الدهشة، بينما ارتسمت على وجه الأستاذ أخيرًا ابتسامة رضا.
“لقد ظهرت أوّل إجابةٍ صحيحة.”
وبذلك فتح أعين الباقين، الذين كانوا يسخرون بلا انقطاع. وحتى كلوي، رغم يقينها بإجابتها، شعرت بالراحة لأنّها تفادت الطرد.
“قلتِ إن اسمكِ كلوي وينساليت؟ نقطةُ مكافأةٍ واحدة. خذيها بعد انتهاء المحاضرة.”
هنا وقف صديق الطالب الذي سُحب ثانيًا وهو يغلي غضبًا، وأشار إلى الأستاذ صارخًا.
“لكن مملكة ديميسين ليست حتى دولةً مجاورة! إنّها بعيدةٌ جدًّا! صحيح أنّ هذا المكان يشبه المنفى، لكن كيف يجلس شخصٌ لا يعرف أساسيات الجغرافيا على كرسي الأستاذ؟!”
“أنتَ أيضًا مطرود. يبدو أنّكَ لم تفهم بعد أنّ المعلومات العامّة ليست المهمة هنا.”
وبعد دفعة أخرى من الغضب، جُرَّ طالبٌ إضافيّ إلى الخارج.
لم يكن أستاذ الأخلاق العسكريّ جاهلًا. بل كان يذكر الدول خطأً عمدًا، ليختبر دفعة 87.
وكانت تلك التجربة هي الدرس العمليّ الذي وعدهم به في بداية المحاضرة: فهمُ “سلوك الطاعة”.
فحتى لو كانت المعلومة بديهيّة، فإن قال الأستاذ إنّ الإجابة ليست A بل B، فعلى الطلبة أن يقولوا B.
هذا هو سلوك الطاعة.
‘يا لأسلوب التدريس العتيق منذ ثلاثين سنة….’
كانت كلوي، وهي ضابطة عاملة تلقّت تدريبًا حديثًا، ترى أنّ هذا النوع من التعليم غير مقبول إطلاقًا.
ففي عصرها، تُدرَّس التقارير الرسمية والاعتراض اللائق عند مواجهة أوامر غير عادلة أو غير صحيحة، لا الطاعة العمياء.
لكن يبدو أنّ نورثفورت متأخّرةٌ عن الزمن بثلاثين سنة على الأقل.
حتى المباني والانضباط بين المستويات العسكرية يوحيان بأنّهم متأخرون عن الأكاديمية الملكيّة المركزيّة بثلاثين عامًا أيضًا.
وبعد ذلك، سأل الأستاذُ المزيد من الطلبة، وبدافع الخوف من الطرد، أجاب الجميع بأنّ الدولة المُجاورة هي مملكة ديميسين.
لكن أحدًا منهم لم يحصل على نقاط المكافأة.
وبذلك تعلّم طلّاب دفعة نورثفورت 87 معنى سلوك الطاعة، تحت رُعب الطرد.
“وبهذا نُنهي محاضرة اليوم.”
انتهى أخيرًا وقت المحاضرة الذي بدا بلا نهاية. وكان إعلان نهايتها من أكثر الأصوات بهجة.
ولخشيتهم من طردٍ آخر، خرج طلّاب الدفعة 87 من القاعة ركضًا تقريبًا.
وبمجرّد محاضرة واحدة، أدركوا حقيقة نورثفورت القاسية:
ليس هناك وقتٌ للراحة أبدًا.
وضعت كلوي نقطة المكافأة في جيبها. فقد كانت تتساءل ما إذا كان الأستاذ يمنح النقاط بسهولة، لكنّها اكتشفت أنّها الوحيدة التي حصلت عليها اليوم.
‘إذًا من أين يحصلون على النقاط التي تكفي لوجبةٍ كاملة؟’
فكثيرٌ من طلاب السنوات الأكبر يأكلون “وجبة اليوم الخاصة” التي تتطلّب خمس نقاط. فلا بدّ أنّ هناك طريقة ما للحصول عليها….
بالطبع، لم تسمح لنفسها بالتسرّع في الحكم، فهذه مجرّد أول محاضرة.
“لو لم تكوني موجودة، لكان الجميع في تلك القاعة قد طردوا. أشكُّ أن أحدًا استمع فعلًا للمحتوى.”
قال لوسيان بصوتٍ يسمعه الجميع، ثم خفّضه هامسًا لكلوي:
“فما رأيكِ بأن تستخدمي هذه النقطة لمقايضة أولئك الذين يحلمون بالنقاط؟ إن كان لزملائنا ذرة ضمير، فلن يطمعوا في نقطةٍ حصلتِ عليها بعرقكِ.”
وكانت عيناه تلمعان وكأنه يقدّم أروع فكرة في العالم.
“نعم، بالطبع سيجدي نفعًا. وبدلًا من القلق على نقاطها، اعتنِ بنقاطك أولاً. فهناك من هو مستعدّ لبيع روحه مقابل نقطةٍ واحدة لو طلبتْ منه أيٌّ من أولئك الآنسات الجميلات.”
قالت روزيلين وهي تسخر منه. وكلوي وافقتها بهزّ رأسها.
“صحيح، لا وجود لضميرٍ عند هؤلاء المُستهترين.”
حتى لوسيان نفسه طُرِد إلى نورثفورت بعد أن كان يعبث مع عدة آنساتٍ في وقتٍ واحد. وهي جريمةٌ لا يمكن ارتكابها إن كان له ضميرٌ بالفعل.
وفوق ذلك، كانت كلوي قد أعدّت بالفعل تحذيرًا قاسيًا ستعرضه لمن تسوّل له نفسه الطمع بنقاطها، ولذلك لم تكن بحاجةٍ إلى لغة “السلام”.
***
المحاضرة التالية كانت في علم التكتيك.
وبعد أن طُرد أربعة طلّاب في المحاضرة السابقة، أصبحت وجوه دفعة 87 مُمتلئةً بالعزم.
“أنا أستاذ علم التكتيك، أوكونور بارنيت.”
قال ذلك بنبرةٍ هادئة وهو يُلقي نظرةً لطيفة على الدفعة.
فتنفس بعضهم براحة. فقد بدا أكثر عقلانيّة من أستاذ الأخلاق العسكريّة السابق.
“وبما أنّه اليوم الأوّل، فسنقوم بتدريبٍ عمليّ بسيط.”
هل يمكن لكلمتي “اليوم الأوّل” و”تدريب عملي” أن تجتمعا فعلًا؟
تساءلت كلوي لوهلة، لكنها تذكّرت أين هي: نورثفورت التي تبدأ تدريبها الأساسيّ بنزالات بقاء في مناطق قاحلة.
“قسّموا أنفسكم إلى مجموعتين.”
وربّما بسبب صدمة الطرد، تحرّكت الدفعة بسرعةٍ لافتة، فقُسِّموا إلى فريقين.
وبسبب الفوضى، وجدت كلوي نفسها مُنفصلةً عن مجموعتها المعتادة. ولم تتبعها إلى اليمين سوى روزيلين.
وبينما كانت تنظر إلى ثيودور في الفريق الآخر، فكّرت كلوي إن كان سيحاول قتالها مجدّدًا.
حسنًا، طالما أنّه ليس قتال موت حتى النهاية، فربما—
“والآن… أمامكم خمس دقائق لقتل أعضاء الفريق الآخر. الفريق ذو عدد القتلى الأكبر سيُطرد بالكامل.”
قال أستاذ علم التكتيك ذلك بوجهٍ بشوش، وهو يأمرهم بكلّ بساطة: “اقتلوا بعضكم الآن.”
وبخلاف أستاذ الأخلاق الذي كان يطردهم واحدًا تلو الآخر… فقد قرّر هذا الأستاذ أن يقوم بطرد نصف الدفعة دفعةً واحدة.
التعليقات لهذا الفصل " 16"