الفصل 13 : أكاديميّة الضُباط الكارثيّة التي حتى النُّخبة تراها لأول مرّة ⁷
“ما الأمر، لماذا يفعل ذلك؟”
“تبا، هذا الشخص يحتضر فعلًا! هل جننتَ؟”
بالرغم من أنّهم مُشاغبون أخرجتهم عائلاتهم من حساباتها، فإنّ الذين لم يسبق لهم أن شاهدوا شخصًا يحتضر بسبب غازٍ سامّ، واجهوا فجأةً مشهدًا لا يختلف عن الرُّعب.
“لَمْ! لحظةً فقط! أنا أيضًا استنشقتُ الغاز!”
“آآآخ! جلدي يُؤلمني جدًّا!”
الذين تأخروا في ارتداء الأقنعة الواقية أو اللِّباس الواقي، ولامسَهم الغاز، بدأوا يعتصرون أعناقهم وهم يلهثون أو يخرج الزَّبَد من أفواههم أو يخدشون جلودهم بجنون. عدد المتساقطين على الأرض من الطُّلاب أخذ يزداد شيئًا فَشيئًا.
وكان لوسيان، الذي استنشق كميةً كبيرة من الغاز، من ضمنهم أيضًا. مدَّ لوسيان يده وهو يرتجف، وتمتم بصوتٍ يحتضر.
“أرجو أن يُكتَب على شاهِدِ قبري أنّني متُّ ميتةً شريفة وأنا أحمي آنستي … وسيكون من الرائع… لو أنّ الآنسات يزرن قبري مرّةً واحدة في اليوم فقط….”
“زيارةٌ مرّة في اليوم كثيرةٌ جدًّا، ما رأيكِ أن نكتفي بزيارةٍ في ذكرى وفاتك؟ بدلًا من ذلك سأرسل مارييل يوميًّا.”
حين قاطعت كلوي وصيّة لوسيان الأخيرة بهذا الشّكل، ضربتها فيني بكوعها وهي تتدخّل.
“كلوي، لا يجوز قول ذلك أمام شخصٍ يحتضر. عندما يكون حيًّا، قولي: حسنًا، وبعد أن يموت زوريه فقط في ذكرى الوفاة.”
لكن حين فكرت كلوي في الأمر، بدا لها أنّ الأكثر فظاعة هو كلام فيني نفسها.
“أوه… تقليد إقليمنا هو أن نحضر الخمر إلى القبر… ربما ليس سيئًا أن نذهب كل يوم ومعنا الخمر… سأحرص على إيصال وصيّتك بأن يُسكَب الخمر على قبرك….”
“آنستي؟ هذه ليست وصيّتي.”
لا. الأفظع على الإطلاق كانت مارييل التي تُحرِّف وصية غيرها كما يحلو لها.
بدأت كلوي تُمعِن التفكير: ما الذي خطّط له هؤلاء الّذين في نورثفورت تحديدًا عندما قرّروا تنفيذ تدريبٍ مجنونٍ كهذا؟
فحتى لو كان من الطبيعي أن يُعاني المتدرّب الأول من الأخطاء، إلا أنّ هناك حدودًا يجب احترامها.
وبسبب خطأٍ من الأكاديمية أثناء التدريب، أن يموت الطّلّاب بهذا الشكل المتسلسل؟
حتى لو كانوا مُشاغبين منبوذين من عائلاتهم، فهذا أمرٌ لا يمكن السكوت عنه.
إنّه خطأ سيُطيح بالعميد نفسه.
‘لحظة، لكن حالتهم تبدو غريبةً قليلًا بالنسبة لمن تعرّض لغازٍ سامّ…؟’
بحسب ما وصلها من تقارير، فإنّ الكتيبة الأماميّة أبيدت بغازٍ عصبيّ شلليّ.
وبالتالي، كان يجب على المصابين بهذا الغاز أن يدخلوا في تشنّجاتٍ عامّة، ثم يبدأ الشلل العضلي بالتقدّم في أجسادهم.
لكنّ زملاءها الذين تراهم أمامها لم يكونوا مصابين بالشلل، بل يتلوَّون بحيويّةٍ مريبة وهم يتدحرجون على الأرض كأنّهم يحتضرون.
‘مستحيل…؟’
عندها قال أحد المدربين وهو ينظر إلى الفوضى بنظرة شفقة ساخرة:
“هذا ليس غازًا سامًّا، بل غازٌ مُسيل للدموع غير سامّ، فكفّوا عن التمثيل وانهضوا.”
صحيح. لم يكن هناك شيءٌ يحتاج أصلًا إلى معالجة.
أمّا سبب الزَّبد الذي خرج من فم أول من سقط أرضًا، فكان تأثير “الدواء الوهميّ العكسيّ” أو المعروف باسم تأثير النوسيبو.
وبمجرّد أن سمع طلاب الدفعة 87 أنه غازٌ غير سام، تلاشى الرُّعب من الموت فورًا، وتبخرت كل تلك الأعراض التي كانت تعذّبهم.
وكانت تجربةً نادرةً حقًّا.
ومع ذلك، لم يختفِ الألم الناتج عن التعرّض لغازٍ مُسيل للدموع.
وما إن فُتح باب المخزن حتى خلع الجميع أقنعتهم واندفعوا خارجًا.
كان منظرهم كارثيًا، بعيون دامعة وأنوفٍ تسيل وعرقٍ ولعاب.
كانوا ينحنون نحو الأرض وهم يتقيّؤون، أو يتدحرجون على التراب، بينما كان المدربون يسكبون الماء على رؤوسهم.
رؤية زميلة تصرخ وهي تفرك عينيها ذكّرت كلوي بنفسها في الماضي، فأرسلت لها عزاءً صامتًا.
وبينما كانت تراقبهم، ابتسم ضابط التدريب بفخر كبير.
“من الواضح أنَّ الطلّاب عندما يظنون أنه غازٌ سامّ يصبحون أكثر حماسًا في التدريب! هاهاها!”
تضحك؟ الآن؟
ثلاثون زوجًا من العيون الحارقة اتجهت إليه، لكنّ ضابط التدريب الذي حصل على بيانات تدريبٍ ذات قيمة لم يهتم بتلك النظرات الوقحة من الطلاب الجدد.
“هذه الأكاديمية مجنونة….”
كانت تلك الهمهمة التائهة تعبّر عن قلب كل فرد من الدفعة 87.
ومع ذلك، سيظلّون طوال حياتهم غير قادرين على نسيان طريقة ارتداء الأقنعة والملابس الواقية ضمن الوقت المحدّد.
أما كلوي فـ—
‘حادثةٌ سرّية يُشتبه في أنّها من عمل القوى الانقلابيّة، ويعرف عنها حتى المدربون… عليَّ التحقق أكثر من الرابط بين نورثفورت ووحدات الحدود.’
لقد وجدت نقطة البداية لمهمّتها بوضوح.
***
بعد انتهاء تدريب الحرب الكيميائية الذي كان أشبه بالجحيم، ماذا يحدث؟
يبدأ جحيمٌ آخر.
التدريب التالي بعد الحرب الكيميائية كان تدريب الرماية.
فطلاب السنة الأولى لم يقفوا يومًا في جهةٍ مطلِقة للنار، بل كانوا طوال الوقت يهربون فقط من رصاصات التخدير خلال التدريب الأساسي في الصحراء.
أما كلوي فقد أطلقت من البنادق ما يكفي لتطلق النار مغمضة العينين وتُصيب الهدف.
“أريد أن أطرد من هذا الجحيم المسمّى نورثفورت حالًا!”
وحين شاهدت كلوي الحمل المسكين الذي وجّه فوهة البندقية نحو المدربين فور استلامه إياها وهو يصرخ، نَقَرَت بلسانها.
“ذاك الأحمق لا يعلم حتى أنّه لم يضع المِخزن في بندقيته.”
قالت روزيلين، التي كانت تقف بجوارها، ما كانت كلوي ترغب أن تقوله تمامًا.
“هل تعرفين إطلاق النار؟”
“بفضل ذلك العجوز اللعين الذي كان يسحبني يوميًّا إلى الصيد كي لا أذهب للمقامرة… لو كنت أعلم أنني سأُطرَد إلى هذا المكان البائس، لكنت ذهبتُ معه إلى صالة القمار وقتها.”
وبينما تتذكّر أيام القمار السعيدة، تنهدت روزيلين وعيناها تلمعان بحزن.
لو وضع الحمل المِخزن لكان شكّل تهديدًا ولو قليلًا. لكنّه بدلًا من ذلك أصبح مجرّد شخصٍ يؤدّي حركاتٍ بالعصا، فانتزع المدربون البندقية منه وطرحوه أرضًا قبل أن يُسحب مَجَرورًا من ذراعيه.
“من يريد الاستبعاد من التدريب، فليُخبرنا في أيّ وقت. سنُلبي رغبته بسرور.”
انتفخت عضلات ذراع المدرب الأعور الذي كان يعقد ذراعيه بطريقةٍ مخيفة.
وهكذا، قبل أن يبدأ تدريب الرماية جديًّا، تم استبعاد أحدهم، فانخفض عدد الدفعة 87 من ثلاثين إلى تسعة وعشرين.
“البندقية ليست لعبة، فشدّوا انتباهكم جيّدًا أثناء التدريب. قبل أربع سنوات قُتل أحد الطلاب أثناء التدريب برصاصةٍ من زميله. الغفلة تؤدي مباشرةً إلى الحوادث. مفهوم؟”
سقط التحذير الثقيل على الطلّاب الواقفين مصطفّين وهم يحملون البنادق.
من التدريب التمهيدي على الرماية وحتى ضبط نقطة الإصابة، جرى التدريب الأساسي للرماية وفق منهجٍ تقليديّ على غير المتوقع.
وبعد أن مرّوا بتدريب الصحراء وحقل الألغام الذي رُمي فيه الناس مثل الذباب، ثم بخداع الغاز السام الذي قذف بهم إلى غرفة الغاز، صار التدريب الطبيعي غريبًا في نظرهم.
“أنطلق النار على لوحة الهدف؟ وليس على شخصٍ يتحرك؟”
تمتمت كلوي دون تفكير، ثم أدركت ما قالته، فشعرت بصدمة.
كيف تفكّر نخبةٌ مثلها بهذه العقلية المنحرفة؟! نورثفورت مكانٌ خطير فعلًا.
كان بين الطلاب بعض المشاغبين مثل روزيلين مِمَّن جرّبوا إطلاق النار من قبل، لكن معظمهم كانت مهاراتهم في الرماية سيئةً للغاية.
‘فوضى عارمة.’
وبعد أن أنهت كلوي إصابة كاملة، وحملت بطاقة هدفها التي لا تحتوي سوى ثقبٍ واحد في المنتصف، بدأت تراقب زملاءها وهي تنقر بلسانها بإحباط.
لم يظهر على أيٍّ منهم تلك الرغبة الشديدة بإصابة مركز الهدف على بعد 25 مترًا.
بل كانوا يُطلقون النار بعشوائيّة كأنّ غايتهم فقط التخلص من العشر طلقات بسرعة.
في الأكاديمية الملكية المركزية، المليئة بالنخبة، كان الطلاب يُقبلون على تدريب الرماية بحماسٍ، ويلتهمون المنافسة افتراسًا.
لكن نورثفورت كانت نقيض ذلك تمامًا.
فالموجودون فيها مُشاغبون جُلبوا قسرًا، ولذلك طالما لم يكونوا مهدَّدين بالموت، لم يبذلوا جهدًا.
“خمس ثوانٍ لاختيار شريك، ابدأ!”
عند الصرخة المفاجئة، أمسكت كلوي تلقائيًا بروزيلين التي كانت مهاراتها بالرماية أعلى من المتوسّط.
أو… حاولت أن تُمسِك بها.
لو لم تُمسِك يدٌ أخرى بها فجأة، لكانت صارت شريكة روزيلين بالفعل.
“أنتِ ستكونين معي، يا شريكة.”
وبمجرد أن نطق المدرب الرقم خمسة، أمسك ثيودور بذراع كلوي وهو يبتسم بمرح.
“توقف! من يقف الآن قربك هو شريكك، انتهى.”
ولأنّه أمسك بها في اللحظة الأخيرة بخسّة، لم تستطع الإفلات منه.
أما مارييل التي كانت تقف بجوار روزيلين فانتهى بها الأمر شريكةً لها بالصدفة، فكانت الرابحة الوحيدة.
وتغيّر السلاح الذي سُلّم إليهم.
وبمجرد أن رأت كلوي وجه ثيودور المبتسم، ازداد القلق في صدرها.
فهذا الشخص كان يبدو وكأنه يعرف طبيعة التدريب التالي.
التعليقات لهذا الفصل " 13"