الفصل 11 : أكاديميّة الضُباط الكارثيّة التي حتى النُّخبة تراها لأول مرّة ⁵
كان من المستحيل أن تكون لا تعرف معنى ذلك.
صحيح أنّ معظم مُدرّبي نورثفورت كانوا خرّيجي نورثفورت أنفسهم، لكن من غير المرجّح أن يكون ذلك المجنون أو الأحمق قد أخذ هذا الأمر في الاعتبار عندما استدعى المُدرّبين.
“ما الأمر في هذا الوقت من الليل، أيّها المتدرّب غريفان؟ سمعتُ أنّ طلاب السنة الرابعة استدعوا مُدرّبًا؟”
فما إن طرح المُدرّب الأعور سؤاله المنخفض النبرة حتى وقف أحد طلاب السنة الرابعة وقفةً صارمةً وأدّى التحية على نحوٍ آلي، ثم ابتسم ابتسامةً متكلّفة ومسح عرقه وهو يقدّم تبريرًا.
“المتدرّبة دفعة 84، ميا غريفان! ليس هناك أيّ شيء! يبدو أنّ الطالب الجديد قد أخطأ في الفهم!”
وبعد أن استوعب المُدرّبون الموقف، تجاهلوا تمامًا النظرات المتوسّلة التي كان طلاب الدفعة 87 يرسلونها بيأس، واكتفوا بترك توصية لهم بأن يضبطوا الانضباط جيدًا، ثم غادروا المخزن.
وما إن اختفى المُدرّبون عن الأنظار حتى غيّر أحد طلاب السنة الرابعة ملامحه بالكامل، وحدّق باستهزاء في المتسبّب في هذا الاستدعاء.
“طوال حياتي لم أرَ شخصًا يستدعي المُدرّب لمجرّد أنّني طلبتُ جمعكم، أنت فوقي، وهو تحتي. أشكرك جدًّا أيّها الزميل الاصغر لأنّك رفعتَ قيمة هذا السنباي فوق قيمة المُدرّب، هاه؟”
“آهاها، لا تقل هذا…”
قال الفاشل وهو يحكّ مؤخرة رأسه ويبتسم بخجلٍ وحماقة.
‘هل هو مجنونٌ فعلًا؟’
حتى طالب السنة الرابعة بدا وكأنّه لم يسبق له التعامل مع مجنونٍّ كهذا، فظهر الارتباك على وجهه بوضوح لثوانٍ.
ولأنّه فقد الأمل في التعامل مع هذا المجنون، ترك طالب السنة الرابعة الطالبَ الجديد واتجه بدلًا من ذلك إلى مهاجمة طلاب السنة الثالثة.
“يا رفاق، بداية العام الجديد جعلتكم مشغولين لدرجة أنّكم لم تستطيعوا حتى ضبط طلاب الدفعة الجديدة، هاه؟”
“لا يا سيدي!”
ورغم جواب طلاب السنة الثالثة القوي بينما كانوا يلقون رؤوسهم نحو الأرض، لم تختفِ الابتسامة الملتوية عن وجه طالب السنة الرابعة.
“أصبح الوقت لطيفًا جدًّا. في أيّامي، لم يكن طلاب السنة الأولى يجرؤون حتى على التفكير بوطء ظلّ طالب من السنة الرابعة.”
ثم مدّ قدمه ليقرع بها خفيفًا قمة رأس أحد طلاب السنة الثالثة المنحنين أمامه.
“لقد ضبطنا الانضباط إلى تلك الدرجة. فكم كنتم مشغولين يا تُرى كي تدعوا طالبًا جديدًا يدخل بكل جرأة إلى حمام طلاب السنة الرابعة، ويفتح علينا باب الشتائم؟”
وتدخّل طلاب سنة رابعة آخرون بصوتٍ ممتلئ بالضجر.
“على الأقل، يجب أن تُثبّتوا في رؤوس أولئك الحثالة ترتيب استخدام الحمامات المشتركة وآداب التعامل مع الكبار. هل يُعقل أن نسمح بهذا فقط لأنّه بداية العام؟”
“بهذا المستوى، هل يُفترض بنا نحن أن نقوم بذلك؟”
“هل يُسمح لكم بالتراخي هكذا لمجرّد أنّكم صعدتم إلى السنة الثالثة؟ ألم تروا كيف مسح بنا طلاب الدفعة 83 الأرض العام الماضي؟ إن كان هذا حالكم بعد رؤيتكم لذلك، فأنتم قمامةٌ حقًّا.”
“سوف نصلحه يا سيدي!”
وكانت رؤوسهم المرتطمة بالقدمين بلا رحمة كافيةً لجعل قمة رأس أيّ شخصٍ يقف قربهم تؤلمه تضامنًا.
“لنُحسِن العمل، حسنًا؟”
قال طالب السنة الرابعة هذا التهديد بابتسامة، ثم استدار. ولحقه بقيّة طلاب السنة الرابعة بينما يطلقون شتائم وتذمّرًا خافتًا، ثم غادروا المخزن.
***
وما إن غادر طلاب السنة الرابعة جميعًا، حتى رفع طلاب السنة الثالثة رؤوسهم نحو طلاب السنة الثانية بعيون ممتلئة بالدم والبغضاء.
وكانت المتصدّرة بينهم شقراء تقف في الوسط وذراعاها متشابكتان، فلفظت كلماتها ببرودٍ شديد.
“يا رفاق، يبدو أنّكم نسيتم أنفسكم ما إن خرجتم من الساحة ودخلتم إلى المبنى، هاه؟”
وما إن فتحت فمها حتى تجمّدت الأجواء من شدّة التوتر.
وبينما كانت كلوي تتأمّل مدى شدّة الانضباط لدى طلاب الدفعة 86، عادت نظراتها نحو الشقراء.
تلك المرأة. الشقراء الجميلة التي كانت تحدّق بها بوضوح أثناء مراسم الدخول.
ثم المرأة نفسها التي وقفت في الصف الأمامي لدفعة 85 أثناء التجمّع الصباحي. كان اسمها دافني روسيت… على ما يبدو.
كان هناك إحساس مزعج بأنّها رأت هذا الوجه من قبل.
وفي تلك اللحظة، التقت نظرات كلٍّ من دافني وكلوي مباشرة. فخفضت كلوي عينيها بسرعة خوفًا من أن تُمسك عليها هفوة. لكن دافني تابعت النظر إليها بإصرار.
“يا دفعة 86. ألا تستطيعون ضبط طالبٍ واحد؟ هل يجب علينا، بهذا العمر وهذه السنين، أن نكون نحن من يضبط طلاب الدفعة الجديدة؟”
وبينما كانت الصفعات والعصيّ تتطاير في المكان، حاولت كلوي بالكاد إغلاق فمها من شدّة الدهشة.
‘يا إلهي، لم أتخيّل يومًا أنّ هناك أكاديميةً عسكرية ما زالت تستخدم هذا المستوى البدائي من العنف.’
ففي أكاديمية النخبة، كان أقصى ما يتلقّونه من العقوبات هو تدريبٌ إضافي أو الجري ليلًا.
وبينما كانت تحدّق بدهشة في المشهد، اقتربت دافني من كلوي دون أن تنتبه لها وهي تنظر في وجهها وتسأل:
“اسمكِ؟”
“كلوي وينساليت.”
وبعد سماع الاسم المستعار الذي أعطته، اتّخذ تعبير دافني هيئةً غريبة. ثم أشارت إلى طالبة من السنة الثانية واقتربت منها تهمس لها ببضع كلمات، فهزّت الأخيرة رأسها بإصرار.
وبعدما خرج طلاب السنة الثالثة من المخزن، هبط دور الانضباط أخيرًا من السنة الثانية إلى السنة الأولى.
ومع عيونٍ كالكلاب الجائعة، بدأ طلاب السنة الثانية بتجهيز أيديهم.
‘يا ويلي… جئتُ لأداء مهمّة فإذا بي أضرب وأُضرَب من طيورٍ لا يزال ريشهم مبتلًّا. وأنا كنتُ آكل “الصغار” أكثر منهم بسنوات…’
كانت كلوي تتنهّد وهي تضع رأسها على الأرض. لكنها فوجئت بأنّها لم تتلقَّ أيّ ضربة.
كانت تتوقّع أن تتعرّض لكمٍّ مضاعف من الضرب بسبب لون شعرها اللافت… لكن ذلك لم يحدث.
“تجرؤ على ضربي؟ هل تعرف من أيّ عائلةٍ أنا؟ أأخ! آآغ!”
كانت أخرى بجانبها تتلقى ضربًا مضاعفًا كلما تجرّأت وذكرت اسم عائلتها.
ولم ترَ كلوي، التي كانت لا تزال منحنية، أنّ طالبة السنة الثانية التي تلقّت الهمسة من دافني وقفت بجانبها ولوّحت بيأس لزميلاتها كي لا يقتربن من كلوي.
“إن كان هناك من يظن أنّ اسم عائلته سيحميه فليقل الآن. سوف أقتله بيدي.”
وبعد هذا التحذير المخيف، غادر طلاب السنة الثانية المخزن، وأخيرًا لم يبقَ سوى طلاب الدفعة 87.
وفورًا، دون أيّ تردّد، توجّهت جميع النظرات الغاضبة إلى شخصٍ واحد.
“يا هذا! ألم تتعلّم كيف تقرأ الجو؟!”
“لا تستحمّ أبدًا، أيها الوغد! وإن أردتَ فعلًا أن تستحمّ، فاخرج واغتسل في النهر خارج البوابة!”
“كيف بحقّ الجحيم تتسبب في تجمُعٍ بعد يومين فقط من دخولك الأكاديمية؟!”
وبينما كانت الاتهامات تُلقى عليه كالسياط، اختُتمت أول تجربة انضباط لدفعة 87.
خرج الجميع وهم يمسكون بأردافهم وخدودهم المؤلمة، يجرّون أقدامهم خارج المخزن. وكانت حقيقة أنّ أمامهم أربع سنواتٍ أخرى حتى التخرّج مؤلمةً للغاية.
***
في صباح اليوم التالي، ظهر جميع طلاب الدفعة 87 بزيّهم العسكري الكامل في التجمّع الصباحي.
وبسبب النوم في العراء، كان عليهم انتظار خروج طلاب السنوات العليا من الحمّامات المشتركة قبل أن يتمكّنوا من تبديل ملابسهم، لكن ذلك كان أفضل بكثير من النقاط العقابية أو العقوبات الجماعية.
ومع ذلك، لم يستطيعوا الإفلات من العقوبات الجماعية تمامًا. أمّا سبب عقاب اليوم، فكان التأخر عن التجمّع الصباحي، بالإضافة إلى الصفوف غير المرتّبة.
وبعد انتهاء الجري الصباحي، صدر أمرٌ بالاجتماع في ساحة التدريب الخارجية بدلًا من القاعة.
وما إن ظهر المُدرّبون حتى سارع طلاب الدفعة 87 إلى الاصطفاف.
شقّ المُدرّب طريقه بينهم ووضع الصندوق الذي كان يحمله أمام المخزن، ثم نظر إلى الطلاب وقال:
“قبل عدّة أشهر، تعرّض فصيلٌ كامل على الحدود مع دوقية نيهلين للإبادة. وبعد التحقيق، تبيّن أنّ السبب هو ضبابٌ سام تم نشره بصورةٍ اصطناعية.”
وبسبب خطورة الموضوع، كان صوت المُدرّب ثقيلًا وصلبًا.
حادثة تسمّم وحدةٍ قتالية كاملة على الخط الأمامي. وكانت كلوي قد اطّلعت على تفاصيلها عندما كانت تعمل في قسم العمليات الاستخباراتية.
وكان من شبه المؤكّد أنّ أثار الانقلاب كانوا متورّطين فيها.
وعندما سمعت ذلك، لمع بريقٌ بارد في عيني كلوي.
‘اعتقدتُ أنّ هذه القضية مصنّفة ضمن سرّيات جهاز الاستخبارات… كيف يعرف مُدرّبو نورثفورت تفاصيل السبب؟’
كانت تعلم أنّ الأكاديمية مرتبطة بقوّة بالوحدات الحدودية لأنّ معظم خرّيجيها يُرسلون إلى هناك.
لكنها لم تتوقّع أن يصل الأمر لحدّ مشاركة المعلومات السرّية.
ولم يكن مستغربًا أن يكون جهاز الاستخبارات قد أرسلها شخصيًا إلى نوسفورت.
“وبسبب أنّ تدريبكم كان نظريًا فقط دون أيّ تدريبٍ عملي على مواجهة الهجمات الكيميائية والبيولوجية، فقد ضاعت من الفصيل مهلةُ النجاة الذهبية. وقد اعتُبرت هذه الحادثة مثالًا صارخًا على خللٍ خطير في منظومة نقل المعلومات وآليات التعامل مع الطوارئ.”
توقّف المُدرّب قليلًا ومسح الطلاب بنظرة حادّة.
“وعليه، فلا بدّ أن تحرصوا على ألّا يتكرر هذا النوع من المآسي. وكما اختبرتم في تدريبكم العسكري الأساسي، فإنّ الخط الأمامي ليس فقط ساحة قتال، بل امتحان للبقاء.”
ومع إيماءة منه، فتح المُدرّبان اللذان يقفان خلفه الصندوق أمامهم.
“وبناءً على ذلك، تمت إضافة تدريب جديد هذا العام ضمن التدريب العسكري الأساسي: تدريب تجاوز ظروف التلوّث.”
وكان داخل الصندوق عدد كبير من الأقنعة الواقية من الغاز.
التعليقات لهذا الفصل " 11"