بينما كان إيفان يمتصّ السيجارة بقوة، أزاح نظره عن النافذة وألقى نظرة خفيفة على جولييتا.
كانت جولييتا تحدّق إلى الأمام بعينين باهتتين، ويداها المتشابكتان بهدوء بلا أي أثر للدم فيهما.
عند رؤية ذلك المشهد، شعر إيفان بألمٍ غامض ينبض في صدره.
“اللعنة.”
شدّ ربطة عنقه بخشونة وأطبق شفتيه بقوة. كل ما تقع عليه عيناه كان يثير ضيقه.
وبينما كان يحدّق في جولييتا، كانت السيجارة قد احترقت حتى نهايتها، فأطفأ إيفان ما تبقّى منها في منفضة السجائر المحمولة.
بعد قليل، ظهر مبنى براكسيتَر من خلف النافذة، وتوقفت السيارة عند المدخل.
أمسك إيفان معصم جولييتا بقسوة وسحبها صعودًا نحو غرفة النوم.
لم تنطق جولييتا بكلمة، واكتفت بأن تُساق خلفه.
ما إن أُغلِق باب الغرفة، حتى قبض إيفان على ذقنها بعنف، وراح ينهال عليها بقبلٍ محمومة.
شهقت جولييتا بدهشة، لكنه لم يتوقف.
دُفع جسدها إلى الخلف مرارًا، ثم سقطت فوق السرير. وانزاح الحجاب الذي كانت ترتديه مبعثرًا فوقه.
انحنى إيفان مع سقوطها، وافترس شفتيها بعنف.
تلاصقت حرارة جسديهما قسرًا، واقتربا حدّ الألم.
أمسكت جولييتا برقبة إيفان على مضض، ولم تفعل سوى الاستسلام بضعف.
واصل إيفان قبلاته طويلًا، وهو يشعر بقلبه يخفق بجنون.
كان قلقًا.
كان يخشى أن تختفي هذه المرأة من بين ذراعيه في أي لحظة.
هو الذي لم يعرف الخوف في أي حرب، وجد قلبه الآن يضطرب بجنون بسبب امرأة واحدة، ويعتصره القلق حتى الألم.
“هاه… هاه…”
من شدة القبل اللاهثة، بدأت جولييتا تلهث، ومع انقطاع أنفاسها، دفعت صدر إيفان بيديها.
لكنه، بيدين غليظتين، نزع عنها ملابسها، وفرض نفسه عليها في النهاية.
لم تُقال كلمة دافئة واحدة أثناء ذلك.
ما ملأ الفراغ بينهما لم يكن سوى أنينٍ متوتر.
وأثناء امتلاكه لها، كان جسد إيفان يرتجف بقلقٍ لا ينتهي.
ثم وجد أخيرًا طريقة يظن أنها ستُبعد عنه هذا القلق.
“آه… هاه…”
بعد أن انتهى كل شيء، راحت جولييتا تلهث، محاولة طرد بقايا ما حدث.
وفجأة، وكأنه يهيمن عليها بجسده، انحنى إيفان فوقها وهمس عند أذنها.
“احملي، جولييتا.”
كان صوته باردًا، زاحفًا كالأفعى.
ارتجفت جولييتا فزعة، ورفعت نظرها نحو إيفان الملتصق بكتفها.
“…ماذا؟ ماذا قلت؟”
حين سألته بوجهٍ غير مصدّق، اعتدل إيفان ببطء، لتقع عيناها على وجهه مباشرة.
في عينيه، كان هناك جنون لا يُعرَف كنهه.
“…!”
تلوّنت ملامح جولييتا بالصدمة وهي ترى في عينيه تملّكًا وهوسًا واضحين.
“لننجب طفلًا. وكلما كان ذلك أسرع، كان أفضل.”
هيما: لا تعليق حرفياً
ابتسم إيفان ابتسامة قاسية، ومدّ يده يمررها ببطء على خدّها، ثم طبع قبلة قصيرة عليه.
ظلت جولييتا تحدّق به بعينين شاردتين، غير قادرة على استيعاب الصدمة، ثم صرخت فجأة وكأنها تتقيأ كلماتها.
“لا، لا أريد!”
“لماذا؟”
قطّب حاجبيه وهو يسأل، فتنفست جولييتا بعمق ثم قالت بوضوح:
“لأنني لا أريد طفلًا منك.”
“ما هذا الكلام؟ جولييتا، عليكِ أن تنجبي طفلًا مني.”
كانت تعلم أن هذا العصيان لا معنى له، ومع ذلك هزّت رأسها ببطء.
كانت تعرف أنه سيطلب طفلًا يومًا ما، لكنها لم تتوقع أن يكون بهذه السرعة.
عضّت جولييتا شفتها السفلى ونظرت إليه بتحدٍّ، فمدّ إيفان إبهامه ولمس شفتيها المعضوضتين.
“هل نسيتِ بالفعل أنكِ يجب أن تؤدي دور زوجتي؟”
قالها بنبرة لا تفهم كيف يمكنها ألا تدرك ذلك.
أمسكت جولييتا بيده متوسلة.
“لا، إيفان… أرجوك.”
لكن إيفان نفض يدها بقسوة.
نهض من السرير، والتقط القميص الملقى على الأرض.
وحين ابتعد جسده الذي كان يهيمن عليها، سحبت جولييتا الغطاء لتستر نفسها، وهي تحدّق فيه.
كان القميص يُرتدى فوق جسده المثالي.
“عليكِ واجب أن تنجبي طفلي. وأظن أن الوقت الآن هو الأنسب.”
قال ذلك ببرود، وهو يغلق الأزرار واحدًا تلو الآخر.
ثم مدّ يده إلى الطاولة الجانبية والتقط زجاجة دواء.
كانت زجاجة حبوب منع الحمل.
“هذا لم يعد له فائدة، سآخذه معي.”
“…هاه.”
زفرت جولييتا بعمق وهي تنظر إليه، ثم فتحت فمها فجأة.
“إيفان، هل تحبني؟”
كرّرت السؤال الذي طرحته عليه من قبل.
كانت تعلم أن سؤالها يبدو أحمق، لكنها لم تستطع منعه.
كانت تعرف إجابته مسبقًا، ومع ذلك سألته من جديد.
أمام سؤالها الضعيف، التزم إيفان الصمت.
“هاه… الحب؟”
بعد لحظة، أطلق إيفان ضحكة خفيفة ساخرة، ثم حدّق في جولييتا بوجهٍ بارد وصاح بقسوة:
“لا تقولي كلامًا مضحكًا. أنتِ مجرد ابنة مجرم قذر عليه أن يسدّد دينه لي. لا أكثر ولا أقل.”
أمام كلماته القاسية التي لم تحمل ذرة تردّد، خفَضت جولييتا رأسها.
لم تعد تملك أي قوة. وهمست بصوتٍ واهن:
“فهمت، إيفان. أفهم قلبك جيدًا……”
بعد أن أنهت كلامها، رفعت جولييتا رأسها.
نظراتها الخاوية اخترقت إيفان كما لو كانت تنظر من خلاله.
ما إن التقت عيناهما حتى تلوّن وجه إيفان البارد بلحظة ارتباك عابرة، لكنه سرعان ما استعاد هدوءه وعاد إلى قناعه القاسي.
في تلك اللحظة القصيرة من التذبذب، أدركت جولييتا أن شعورًا خافتًا قد تحرّك داخله، لكنها لم تُعنِ نفسها بالتفكير في ماهيته.
مهما كان ما فكّر به، ومهما كان ما يشعر به، فلم يعد له أي علاقة بها.
طالما أنه ينكر ذلك بصوتٍ عالٍ، فإن مشاعره لا تعني لها شيئًا.
أغمضت جولييتا عينيها بعجز.
إلى أي حد…
يجب أن أكرهك؟
كان قلبها يتألم وكأنه يُنتزع من صدرها.
__________
“جولييتا، توقفي عن هذا الاحتجاج واخرجي.”
صوت إيفان، المكبوت بالغضب، تردّد ببرود في أرجاء الممر.
كان يقف مع الخدم أمام إحدى الغرف، تلك الغرفة التي اعتادت جولييتا استخدامها كثيرًا في الماضي.
السبب الذي جعل إيفان والخدم يقفون أمام الباب بوجوه قلقة، هو أن جولييتا دخلت الغرفة ولم تخرج منها طوال يومين كاملين.
منذ أن قال لها إيفان إنه يريد طفلًا، حبست نفسها في هذه الغرفة ولم تطأ قدمها الخارج.
في البداية، ظنّ إيفان أن ما تفعله ليس سوى تمرد بسيط.
لكن حين مرّ يومان كاملان دون أن تأكل أو تشرب شيئًا، أدرك أخيرًا خطورة الوضع.
حاول إيفان قدر الإمكان ألا يجرّها بالقوة، وسعى لإقناعها بأن تخرج بإرادتها، لكن جولييتا لم تُجب على الإطلاق.
وفي النهاية، لم يجد بدًّا من طلب المفتاح الرئيسي من ديبيلو.
وبتنفيذٍ لأمر إيفان، سلّم ديبيلو المفتاح الرئيسي الذي كان بحوزته.
بهدوء، أدخل إيفان المفتاح في مقبض الباب وأداره.
“كريييك.”
انفتح باب الغرفة فورًا.
دفع إيفان الباب بعنف ودخل إلى الداخل.
كان الظلام يخيم على المكان بعد أن أُطفئت جميع الأنوار.
وفي وسط العتمة، لمح جولييتا جالسة على الأرض، تضمّ ساقيها إلى صدرها وتدفن وجهها بينهما.
تقدّم إيفان ببطء وناداها:
“جولييتا.”
يبدو أنها كانت غافية قليلًا، إذ رفعت رأسها فجأة بفزع عند سماع صوته.
التقت عينا جولييتا وإيفان من مسافة بعيدة.
مدّ إيفان يده نحوها بوجهٍ يملؤه الاستخفاف.
“هيا، انتهى هذا الاحتجاج الآن، جولييتا.”
في لحظة، شحب وجه جولييتا بشدة.
نهضت بسرعة، سحبت وسادة من فوق السرير، ثم قذفتها نحوه بقوة.
“لا، لا تقترب!”
طارت الوسادة باتجاه وجه إيفان، لكنه أمسكها في الهواء وتقدّم نحوها دون تردّد.
حاولت جولييتا أن تستدير لتفاديه، لكن سرعته كانت أعلى، فأمسك معصمها بقوة.
“……!”
حاولت جولييتا أن تتلوّى لتفلت من قبضته، لكن قوة يده كانت صلبة إلى حدٍّ مخيف.
الانستغرام: zh_hima14
التعليقات لهذا الفصل " 46"