3
“… همم؟”
يبدو أن أسبين لم يسمع كلامي جيدًا، فقد غُطّي صوتي بموسيقى الرقص.
رفعتُ رأسي بسرعة ونظرتُ إليه مباشرةً، وكان وجهه يحمل تعبيرًا متجهمًا قليلًا.
“لم أكن أعلم أن سموكَ يحب الدمى. رُبمَا يَنبغَي أن أرسلَ لهُ دميةً بحجَم إنسانٍ من القطِن في هذهِ المُناسبةِ. لعلها تؤنَسهُ في لياليَ الوحدةِ.”
“ماذا؟”
“ومن الأفضل أن تكون ذات شعرٍ بلونٍ زهراتِ الكَرز.”
تجمدتَ الابتسامةُ الجميلةُ التي كانت مرسومةً على وجه أسبين، ثم انهار وجههُ فجأةً في تعبيرٍ مشوَّه.
‘لكن لماذا قبلت ليزا بهذا الإهانة كلها فقط لتصبح ولية العهد؟ ما الذي أعجبها في رجل لا يكنّ لها قلبًا، ويفعل ما يشاء خلف ظهرها؟ كيف تقبل ابنة دوق لا ينقصها شيء بهذا الوضع؟’
بالنسبة لي، كان الأمر غير مفهومٍ على الإطلاق.
على الرغم من أن المدة كانت قصيرة، إلا أنني تجسدتُ في جسد ليزا وعشت حياتها.
كنت سعيدة. سعيدة جدًا حقًا.
حياة لا هموم فيها، لا شيء يُقلقك، كل ما عليك هو التمتع بما يُقدَّم لك، هدوء تام.
‘حتى أدركتُ أنني سأموت قريبًا.’
لكن هذه المشاعر الرقيقة غُمرت وأُخمدت تحت وابل غضب أسبين الذي لا يـَرحم.
“ما بكِ؟ هل جُرح كبرياؤكِ الآن؟ وجهكِ الجميل الذي تزيَّنتِ به يتجعد، وهذا لا يُحسِّن منظركِ. والقليل الذي يمكن الافتخار به هو هذا الوجه فقط.”
تجولت عيناه بوقاحة وصراحة على جسدي، من وجهي إلى ما تحتَه.
أعرف هذه النظرة القذرة الرخيصة. عشتُها مرات لا تُحصى في حياتي السابقة أثناء تعاملي مع المجتمع.
غضبٌ حارقٌ تفجَّر في صدري.
لم أعد أريد أن أترك هذا الأمير الوقح الذي لا يعرف الذوق يتمادى.
لم يبقَ لي الكثير من العمر، فلماذا أتحمل هذه الإهانات بهدوء؟ حتى تخصيص هذا الوقت الثمين لهذا المكان يُشعرني بالأسف الشديد.
“إلى أين تنظرُ الآن؟”
تجمع انعكاسي في عينيه الخضراوين المعبِّستين: امرأة جميلة متعالية، مختلفة تمامًا عمَّن كنتُ في حياتي السابقة.
“كفى، أليس هذا كافيًا لتصفية حساباتكَ؟”
“ماذا…؟”
“كلامكَ يليقُ بمن هم أدنى بكثيرٍ من مقامكَ السامي. أم أنكَ تتحدثُ هكذا حتى أمام الآنسة كريستيل التي تُحِبُها؟”
في لحظة، تجمد الهواء من حولنا، ثم جذبني ذراعه التي كانت ملتفة حول خصري بقوة.
“آه!”
“لديَّ حدود لصبري أيضًا، أيتها الدوقة.”
توقف فجأة عن الخطوات الخشنة التي كان يؤديها.
تعثرتُ قليلًا في كاحلي، لكن قبضته القوية على خصري منعتني من السقوط بشكل مخزٍ.
“لقد أدَّينا كلٌّ دوره، فلننهِ الأمر اليوم هنا.”
كأنه لم يغضب أبدًا، قدم لي أسبين يده بأدب ظاهري بعد أن هدأ.
كنتُ أودّ لو أتجاهله تمامًا ، سواءٌ أمير ولي عهد أو غيره ، لكن ألم كاحلي الذي بدأ ينبض منعني، فاضطررتُ مرغمة إلى الإمساك بيده والخروج من وسط الرقص.
بمجرد انتهاء رقصة البطلين، بدأ الحضور يتزاوجون ثنائيات وملأوا القاعةَ راقصينَ معًا.
خرجتُ إلى الجهة الخارجية لقاعة الرقص التي عادت إلى صخبها، فأفلت أسبين يدي وهمس ببرود في أذني:
“تذكَّري جيدًا ما هو دوركِ. هذا تحذير أخير: لا تعكّري مزاجي أكثر من ذلك.”
ثم اختفى وسط الجموع.
بقيتُ وحدي، فاقترب مني بعض الأشخاص يحيونني بلطف، لكنني رددت عليهم بكلمات قليلة وأبعدهم.
تذكرتُ كلام أمي: “إن أنهيتِ هذه الحفلة على خير، فلن أتدخل في برنامجكِ بعد اليوم”. لكن شعورًا بالتمرّد بدأ يتسلل إليَّ.
منذ قليل وأنا أشعر بضيق في التنفس. أردتُ الخروج من هذا المكان الخانق والتنفس هواءً طلقًا.
استدرتُ وفتحت الباب الذي يربط قاعة الرقص بالحديقة، فدخلني هواء منعش مع منظر الليل الهادئ. كانت مصابيح السحر المنتشرة على الممرات تضيء المكان بنور خافت ساحر.
كان كاحلي لا يزال يُؤلمني ربما التواءٌ شديد، لكنه لم يمنعني من المشي.
بدأتُ أسير ببطء وغرقتُ في أفكاري.
‘واجهتُ البطلين أخيرًا، لكن قلبي ازداد تعقيدًا.’
‘لم أكن أتخيل أبدًا أن ليزا كانت تُهان وتُستغل بهذا الشكل من أسبين.’
شعرتُ ببعض الندم لأنني كنتُ ألعنها وأوبخها وأنا أقرأ مفكرتها.
بالطبع هذا لا يمحو الشرور التي ارتكبتها، ولا يقلل من الشتائم التي أتلقاها بسببها.
وبينما أحمل هذا الشعور المُرّ وأبحث عن مكان مناسب لأرتاح فيه بجسدي المنهك، سمعتُ همسات قريبة.
“… يا سيدي، من أجلي… أنتَ تُرهق نفسك…”
هذا الصوت… كريستيل؟
ألم تكن مع أسبين؟
بدافع الفضول، تسللتُ بهدوء نحو مصدر الصوت واختبأتُ في ظل شجرة حديقة كبيرة. كان المكان هادئًا فسمعتُ الكلام متقطعًا.
أطللتُ برأسي قليلًا، فرأيتُ شعر كريستيل الوردي بين الأشجار. أما الشخص المقابل لها فقد كان يعطيني ظهره فلم أتبين ملامحه جيدًا.
“حتى أنا أتألم كثيرًا لأننا نلتقي هكذا. لكن كما تعلمُ، سموّهُ عنيد جدًا…”
“……”
“لكن اليوم تأكدتُ تمامًا. حان الوقت لإنهاء علاقتي بسموِه.”
أمسكت كريستيل بيد الرجل بقوة وهي تظهر تعبيرًا حزينًا.
“لذا أرجوكَ، امنحني القليل من الوقت يا سيد برادفورد. سأتحدثُ مع سموّهُ بنفسي.”
“فهمتُ جيدًا ما تقصدين، يا آنسة كريستيل.”
انحنى الرجل تحية ثم اختفى بين المباني. بدا ظهره، رغم قامته الضخمة، منكسرًا ومُنهكًا بشكلٍ مؤثر.
التصقتُ بالشجرة وكتمتُ أنفاسي خوفًا من أن يراني.
‘برادفورد؟ أليس هو قائد فرسان الإمبراطورية؟ ماذا كان معنى هذا الحديث إذن؟’
مهما فكرت، كان هذا يتناقض تمامًا مع ما قرأتهُ في المفكرة.
في الأصل، كان من المفترض أن يقضي أسبين وكريستيل الوقت معًا في الحديقة، فلماذا يوجد برادفورد هناك؟
بل إن علاقة برادفورد وكريستيل لا تبدأ إلا بعد موت ليزا في يوم الزفاف، وعندما تدخل كريستيل القصر الإمبراطوري. ليسَ الآن.
‘هل تغيّر شيء ما؟ لماذا بحق السماء؟’
وبينما كنت غارقة في تفكير عميق، مزّق صوت كريستيل—التي تُركت وحدها—ذلك الصمت.
“هااه، هذا الرجل وذاك الرجل… لماذا هم جميعًا عديمو الفائدة هكذا؟”
ماذا… قالت؟
“حتى لو كان هذا داخل لعبة، فسيكون الأمر صادمًا إن كان مطابقًا للعبة حقًا. هل هذا يعمل كما ينبغي؟ ما هذا النوع من المكافآت التافهة؟ هيه، هل تسمعني؟ آه، حقًا… الأفضل أن أكفّ عن الكلام….”
أخرجتُ رأسي قليلًا لأتفقد الأمر، فوجدتها تتمتم بتذمّر وهي تلوّح بذراعيها في الهواء. بل بدا أحيانًا وكأنها تضغط شيئًا ما بإصبعها مرارًا.
‘ما الذي تفعله الآن؟’
قبل لحظات فقط بدت كامرأة مسكينة توشكُ أن تسقط لو لمسها أحد بخفة، لكن تلك الهيئة اختفت تمامًا، وحلّ محلها أسلوب فظّ وتصرفات طائشة.
وفوق ذلك، هذا السلوك الغريب يشبه تمامًا…
وبينما كنت مصدومة وذهني شارد، لاح ضوء خافت من مكان ما.
في البداية ظننت أن المصباح السحري الذي يضيء أشجار الحديقة قد تعطل. لكن بعد أن فركت عينيّ وتفقدت الأمر مجددًا، أدركت أن الضوء كان ينبعث من جسدي أنا.
فزعتُ بشدة، فاختبأت عميقًا بين الشجيرات، وسارعت إلى الضغط بيديّ على المكان الذي يتسرب منه الضوء لأحجبه.
‘هناك شيء هنا!’
شعرتُ بشيء في جيب الفستان. مع أنني متأكدة أنه كان فارغًا تمامًا عندما استعددت في وقت سابق.
أخرجته بحذر، وما إن فعلت حتى خفت الضوء المبهر تدريجيًا، كاشفًا عن شكله الحقيقي.
مفكرة قديمة، مليئة بآثار الزمن.
إنها الشيء الذي عبر معي إلى هذا العالم من حياتي السابقة.
‘أنا متأكدة أنني وضعتهُا في عمق الدرج… فلماذا ظهرت فجأةً هنا؟’
لكن تساؤلي ذاك لم يدم طويلًا، إذ رفعت بصري عن الغلاف ونظرت مجددًا إلى كريستيل.
لحسن الحظ، بدا أنها لم تلحظ ما يحدثُ هنا.
كانت ما تزال تتمتم لنفسها وتلوّح بيديها نحو الفراغ، وكأنها غارقة في عالمها الخاص.
استغليتُ تلك اللحظة لأفتح المفكرة التي في يدي، لكن فجأةً غطّى ظل أسود مجال رؤيتي من الخلف، وكمم أحدهم فمي.
“شش.”
من شدة الصدمة أمسكت بذراعه انعكاسيًا، لكن فجأة شدّ خصري بقوة ودار جسدي بي بسرعةٍ.
دارت الدنيا من حولي فجأةً، ثم همس صوت خافت عند أذني.
“اهدئي….”
كان قلبي يخفقُ بجنونٍ. فقد كان الرجل يـُعانقنَي بإحكامٍ من الخلفِ.
وحين بدأت أقاوم محاوِلة نزع ذراعهِ الملتفة حول خصري، عاد صوته العميق يهمس قرب أذني.
“ليزا، ابقي هادئةً. سَيصلُ أسبَين قريبًا.”
ولي العهد؟ إذن… من هو الشخص الذي يُمسَكني الآن؟
شخص يَستطيعُ مناداةَ اسم ولي العهد واسم ابنةِ الدوق بهذه الأريحيةِ.
تجمدت ُفي مكاني تمامًا، غيرُ قادرةٍ حتى على التفكيرِ في الهربِ مَنهُ.
وبينما كان الخوف يبتلع عقلي تدريجيًا، أعادني صوتٌ مألوفٌ إلى الواقعِ.
“كريستيل، اختفيتِ فجأة وأقلقتِني.”
“سمو ولي العهد.”
“قلت لكِ أن تناديني باسمي. ما زلتِ عنيدة كما كنتِ.”
“آسفةٌ. ما زلتُ أشَعرُ براحةٍ أكبرُ بهذه الطريقةِ….”
كان صوت أسبين لطيفًا للغاية. وكريستيل أيضًا لم تعد تبدو كما كانت قبل قليل؛ بل ردّت بصوتٍ رقيق محبب، يناسب صورتها الأصلية.
“على كل حال، لماذا أنتِ هنا وحدكِ؟ لا تقولي إن ليزا فعلتَ شيئًا مجددًا….”
“لا، ليس الأمر كذلك. فقط… شعرتُ بضيقٍ قليلٍ فخرجت لأتمشى.”
“هووه… إذن، ما رأيكِ أن نتمشَى قليلًا معًا؟”
بدأ صوت حديثهما يبتعد تدريجيًا. ولم يُرفع اليد التي تسد فمي إلا بعد أن اختفى أثرهما تمامًا.
“هاه… أنتَ…!”
تراجعت خطوة إلى الوراء لأوبخهُ، لكنني ما إن رأيتَ وجهه حتى عجزتُ عن إكمَال كلامَي.
بشرةٌ شاحبة. وعينان بلون أعماقٍ مظلمةٍ مزرقةٍ، تجعلان من يحدق فَيهما يشعر بقشعريرةٍ في عمودهِ الفقري.
ورغم وسامته اللافتة، فإن انطباعه البارد كان يَخلقُ هالةً يَصعبُ الاقترابُ منها، مما يزيدهُ غموضًا.
كان الناس يقولون عنه:
إنه الحاكم القَاسي لعائلة كويناتن، الذي يلفّهُ ستارَ الليل.
‘لا يمكن…!’
هبط قلبي إلى أعماقي.
فور انتقال روحي إلى هذا الجسد، مرّت في ذهني جملة قرأتها مرارًا في تلكَ المفكرةِ.
لم أسَتطعُ أن أشيح بنظري عن الرجل الذي ملأ مجال رؤيتي، وكأن الزمن قد توقفَ.
‘لماذا هذا الشخص هنا الآن…؟ لم أره في قاعة الرقص قبل قليل. فمنذ متى كان موجودًا؟’
هبّت نسمة الليل، فاهتزت أشجار الحديقة. وكان شعرهُ الأزرق الداكن يلمعُ بخَفوتٍ تحتَ ضوءِ القمرَ الشاحب.
كان كاي كويناتن يقفُ أمامي بهدوءٍ.
إنه هو.
الرجلُ الذي سَيقتلني في حفلِ زفافي بعدَ شهرٍ واحدٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 3"