4
كان الإمبراطور ريشيون، إمبراطور كاتالوس، حاكمًا فاضلًا يُشاد به على نطاقٍ واسع، غير أنّ ملامح وجهه التفصيليّة لم تكن معروفة.
وعلى خلاف سائر الأباطرة، لم يُكثِر من رسم صُوَره ونشرها، كما أنّ ما نُقِش على عُملات إمبراطوريّة كاتالوس لم يكن وجهه، بل شعار العائلة الإمبراطوريّة.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تعجز ديانو أورتينسا، التي بالكاد تشغل أدنى مقعد في طبقة النبلاء، عن التعرّف إلى الإمبراطور من الوهلة الأولى.
وفوق ذلك، كان الإمبراطور يرتدي ثيابًا مريحةً تشبه ما يرتديه فارس أو موظّف في يوم عطلة، ولم يكن يرافقه أيّ خادم.
غير أنّ المشكلة كانت في أنّ كلّ تلك الحقائق لم تُشكّل لديانو أيّ عزاءٍ يُذكَر.
“ديانو أورتينسا تَمثُل أمام جلالة الإمبراطور.”
“لا تركعي، فالمكتبة ضيّقة.”
فمدّت ديانو ركبتها التي كانت قد ثنَتها نصف انثناء.
وقال الإمبراطور، بالملامح الهادئة نفسها كما من قبل:
“ارفعي رأسكِ أيضًا، فأنا أحبّ التحدّث والنظر في العيون.”
عضّت ديانو على شفتيها ورفعت رأسها ببطء.
كان مالك الإمبراطوريّة التي تشغل أكثر من نصف القارّة بقليل ينظر بهدوءٍ إلى عيني ديانو المتّسعتين وشفتيها المرتجفتين.
شعرت ديانو بالارتباك.
كانت تشعر بأنّ عليها أن تقول شيئًا لتكسر الصمت، غير أنّها لم تستطع فتح فمها ما لم يبادِر الإمبراطور بالكلام.
قال الإمبراطور:
“يبدو أنّني أفزعتكِ، أعتذر. لم يكن قصدي أن أخدعكِ.”
ثمّ، على غير المتوقّع، انحنى برأسه انحناءةً خفيفة.
أدارت ديانو عينيها ونظرت إلى السير لويسِن.
فاكتفى بهزّ كتفيه بوجهٍ هادئ، وكأنّ اعتذار الإمبراطور لديانو أمرٌ بديهيّ.
أغمضت ديانو عينيها بإحكام، وقالت بصعوبة:
“جلالتكَ، أرجو منكَ أن تتخلَّ عن التحدّث بصيغة الاحترام.”
فاستمرارُه في استخدام صيغة التوقير بعد انكشاف هويّته، وانحناؤه معتذرًا، كلاهما أمران يفوقان قدرتها على الاحتمال.
قطّب الإمبراطور حاجبيه.
“أليست الآنسة أورتينسا سيّدةً نبيلة؟”
“هاه؟طبعًا، هذا صحيح…….”
استعادت ديانو في ذهنها ما كانت قد قالته حين ظنّت الإمبراطور مجرّد أمين مكتبة.
‘ليس لديّ ما أفعله الآن، أشعر وكأنّني آكل بلا فائدة، وهذا كابوس.’
‘إن عاقبني ربّ العمل… لا، جلالة الإمبراطور، فلن يكون لديّ ما أقول دفاعًا عن نفسي.’
‘لا بدّ أنّك قابلتَ جلالة الإمبراطور من قبل، أليس كذلك يا سيّد أمين المكتبة؟
هل هو شخصٌ متسامح مع الخدم غير الأكفّاء؟’
لم تكن تلك كلماتٍ تستوجب الاتّهام بإهانة العائلة الإمبراطوريّة، لكنّها كانت محرجةً إذا قيلت على لسان سيّدةٍ راقية.
وحين بدا الارتباك على وجه ديانو، تابع الإمبراطور قائلًا:
“وأنا، أَلستُ رجلًا نبيلًا؟”
“بلى، بالطبع، فجلالتكَ أنبل النبلاء…….”
“ومن واجب الرجل النبيل أن يخاطب السيّدة بصيغة الاحترام.”
وكان هذا النصّ بعينه مكتوبًا في أوّل صفحة من جميع كتب الآداب المتداولة في إمبراطوريّة كاتالوس:
“بغضّ النظر عن المنزلة، على الرجل النبيل أن يخاطب السيّدة بصيغة الاحترام.”
نظريًّا، كان على الإمبراطور نفسه أن يعامل امرأةً تحتلّ أدنى مقعد في أفقر أسرةٍ نبيلة معاملةً لائقة.
بل وإذا لم يوجد رجلٌ آخر، فعلى الإمبراطور أن يفتح لها الباب ويُعينها على النزول من العربة.
لكنّ ذلك لم يكن سوى نظريّة.
وأعلى رجلٍ مكانةً كان يخاطب ديانو بصيغة الاحترام هو كونت إيربينجل، زوج الدوقة الكبرى لإيربينجل.
ولم يكن وضع الإمبراطور مماثلًا.
وبدا الضجر على وجه الإمبراطور قبل أن يقول:
“يبدو أنّه سيتعيّن عليّ، من الآن فصاعدًا، أن أتظاهر بكوني أمين مكتبة أمام الآنسة أورتينسا.”
شعرت ديانو بحرارةٍ تصعد إلى وجهها، لكنّها لم تنطق بكلمة اعتذار.
فلم يكن في تعاملها مع الإمبراطور ما يُعاب.
بل لعلّ الخطأ الوحيد كان في تصرّفاتها حين ظنّته أمين مكتبة.
ومع ذلك، لم تفهم لِمَ بدا كلامه وكأنّه يلومها على التزامها بالأدب.
تدخّل السير لويسِن، الذي ظلّ صامتًا حتّى الآن، بحذر:
“جلالتكَ، لم أرَ أيّ حرسٍ في الخارج، أقدِمتُ وحدك إلى هنا؟”
“وكم تبعد هذه المكتبة عن قصري أصلًا؟”
“سيكون قائد الحرس ورئيس الخدم في حالة ذعرٍ الآن.”
“حتى أنتَ تُكثر من اللوم.
بما أنّني تأكّدت من عدم وجود ليرا، فسأعود الآن.”
ثمّ أدار رأسه نحو ديانو، التي ما زالت تحافظ على وقفةٍ محترمةٍ بجهدٍ واضح.
“«الأميرة أوليانا والسير جايلز» هو الكتاب المفضّل لدى أختي.”
حينها فقط أدركت ديانو أنّها كانت تمسك كتابًا بين يديها.
كان بوسعها أن تلوذ بالصمت دون أن يُعدّ ذلك خروجًا عن اللياقة، لكنّها في تلك اللحظة استسلمت لاندفاعٍ غريب.
رفعت رأسها بثبات، ونظرت مباشرةً في عيني الإمبراطور الخضراوين، وسألته:
“وهل تحبّه جلالتكَ أيضًا؟”
ابتسم الإمبراطور ابتسامةً خفيفة.
“لا، أكرهه.”
“…هل يجوز لي أن أسأل عن السبب؟”
“لأنّه يتناول قصّة هروبٍ عاشقٍ بين أميرةٍ وفارسٍ مكلّفٍ بحمايتها.”
كان صوته، كما في السابق، هادئًا ولطيفًا، لكنّ ديانو لم تُخطِئ الإحساس بالشوكة الخفيّة الكامنة فيه.
رفض الإمبراطور مرافقة السير لويسِن له إلى القصر، وغادر المكتبة وحده.
شعرت ديانو وكأنّ إعصارًا قد مرّ من فوقها.
تراخى جسدها المتوتّر فجأة، وكادت تفقد توازنها.
فأسرع السير لويسِن وأمسك بها ليسندها.
ورغم محاولتها منع نفسها، خرج صوتها متوسّلًا دون إرادة:
“سير لويسِن، هل… هل سأُطرَد؟
لم أقابل سموّ الأميرة بعد!”
“لا يمكن أن يكون ذلك، فجلالة الإمبراطور شخصٌ لطيف.”
“لطيف…؟”
كادت ديانو تنفجر بالبكاء دون وعي، بينما بدا الارتباك على وجه السير لويسِن.
“صحيح أنّ لديه جوانب صارمة، لكن…… يبدو أنّه قد أعجب بالآنسة أورتينسا كثيرًا.”
“أُعجِب بي؟”
“نعم، بدا سعيدًا على غير عادته.”
نظرت ديانو إليه بعينين مليئتين بالشكّ، لكنّه، رغم ابتسامته المريرة، لم يتراجع عن رأيه.
مسحت ديانو يديها المتعرّقتين بطرف تنّورتها.
لم يكن من اللائق أن تترك آثار أصابعها على كتابٍ تعتزّ به الأميرة.
“غدًا، علينا أن نذهب إلى ميدان الصيد.”
“إنّه في أقصى أطراف الغابة التابعة للقصر، وستكون رحلةً طويلة.”
“والطقس جميل، فلنعتبرها نزهة.
سأطلب من المطبخ إعداد سلّة طعام.”
من غير قصدٍ منها، وبعد أن صارت على معرفةٍ مباشرةٍ بالإمبراطور، أدركت ديانو أنّه لا بدّ لها من العثور على الأميرة.
وإلّا فستتأكّد بنفسها ممّا إذا كان الإمبراطور حقًّا متسامحًا مع الخدم غير الأكفّاء.
* * *
في اليوم التالي، تشكّل موكبٌ صغير متّجه إلى ميدان الصيد في القصر الإمبراطوريّ.
كان السير لويسِن، الذي تطوّع ليكون دليلًا، ضمنهم، وكذلك الخادمة كورا التي تخدم ديانو، وقد حملت سلّة النزهة وسارت خلفهم.
بدت على كورا علامات قلقٍ خفيف.
“هل يكفي أن أرافقكِ وحدي يا سيّدة ديانو؟
فميدان الصيد بعيد.”
لم يكن هناك بدّ من ذلك، مهما كان غير مريح.
فلو ذهب عددٌ كبير، واكتشفت الأميرة الأمر وفرّت، لكانت المشكلة أكبر.
“أنا بخير، لكنّكِ أنتِ من ستحمل السلّة، وسيكون ذلك متعبًا.”
“لا بأس، هذا محتمل.
لكن ستضطرّين إلى حمل المظلّة بنفسكِ.”
“هذا أيضًا لا بأس به.
وفي الحقيقة، يمكنني الاستغناء عن المظلّة.
وإن تعبتُ، فالسير لويسِن سيحملها، أليس كذلك؟”
ألقت كورا نظرةً جانبيّة على السير بويسِن الواقف بقربها.
فأومأ برأسه كعادته بابتسامةٍ هادئة.
احمرّ وجه كورا وأشاحت بنظرها.
نقرت ديانو لسانها في سرّها.
فقد سمعت أنّ بعض الجدل أُثير عند اختيار الخادمة التي سترافق السير بويسِن إلى ميدان الصيد، وكانت كورا مسرورةً لاختيارها.
كان السير لويسِن محبوبًا بين خادمات قصر شجرة البلوط.
فهو فارسٌ نال ثقة الإمبراطور، حسن الملامح، مهذّب السلوك.
وفوق ذلك، لم يكن نَبيلًا عاطلًا نال لقب الفروسيّة بفضل نفوذ عائلته.
فأسرة لويسِن أنجبت، على مدى أجيال، فرسان حرسٍ إمبراطوريّين، وكان مارِك لويسِن نفسه فارسًا حقيقيًّا ذا خبرةٍ قتاليّة.
لم تكن ديانو تجهل سبب الإعجاب به، لكنّها كانت تأمل ألّا تُعلّق كورا آمالًا تفوق مكانتها.
فالحبّ غير المتكافئ في المنزلة نادرًا ما يُكتَب له النجاح.
ونهايات السعادة مثل تلك التي في «الأميرة أوليانا والسير جايلز» نادرةٌ في الواقع.
‘لحسن الحظّ أنّ السير لويسِن ليس رجلًا طائشًا يعبث بالخادمات.’
علّقت ديانو المظلّة على كتفها ومضت قدمًا.
كان الطقس رائعًا.
ولولا الهدف الواضح، لكانت نزهةً ممتعة بحقّ.
وبعد أن تنفّست هواءً عليلًا منعشًا، أدركت ديانو أنّها لم تغادر حديقة قصر شجرة البلوط منذ أكثر من أسبوع.
بل إنّها قضت معظم ذلك الوقت حبيسة المكتبة، بانتظار الأميرة.
كان دفء شمس أواخر الصيف وزقزقة الطيور باعثَين على السرور.
كان ميدان الصيد غابةً تحيط بالجانب الشماليّ الغربيّ من القصر الإمبراطوريّ.
واستغرق الوصول إليه سيرًا على الأقدام أكثر من ساعة.
وحتّى ديانو، التي كانت واثقةً من صحّتها، شعرت بالإرهاق عند بلوغ المدخل.
على العكس، بدت كورا، التي تحمل السلّة، والسير لويسِن المدرّع، في حالةٍ جيّدة.
فأخرجت ديانو لسانها قائلةً:
“كيف لكما كلّ هذه القوّة؟
لستُ ضعيفة البنية، ومع ذلك…….”
بدت الدهشة على وجه كورا، بينما قال السير لويسِن بابتسامةٍ خفيفة:
“مهما يكن، لا يصحّ أن نتعب قبل سيّدةٍ نبيلة مثل الآنسة أورتينسا، نحن الذين نعمل ونتدرّب على القتال.”
كادت عبارة ‘أنا أعمل أيضًا’ تصل إلى طرف لسانها، لكنّها ابتلعتها.
كانت ديانو فخورةً بعملها وكفاءتها، لكنّ كون السيّدة تعمل لم يكن أمرًا يُعدّ مدعاةً للفخر في العادة.
وفوق ذلك، كان خدم قصر شجرة البلوط والسير لويسِن يعاملونها كابنةٍ نبيلة.
ولم ترَ ضرورةً لكسر تلك الصورة.
أشارت ديانو بالمظلّة، التي بدأت تشعر بثقلها، نحو مدخل ميدان الصيد.
“فلنبحث إذًا عن مكانٍ لتناول الغداء.
نستريح قليلًا، ثمّ نبدأ بالبحث عن سموّ الأميرة.”
“لكن، آنسة أورتينسا، كيف تنوين إجراء البحث؟”
بدت الدهشة على وجه ديانو عند سؤال السير لويسِن.
“كيف؟
ألا يكفي أن تحرس كورا الأمتعة، بينما نطوف أنا وأنتَ بالميدان خطوةً خطوة؟”
مرّر السير لويسِن يده على ذقنه، وقد بدا متحرّجًا.
“آنسة أورتينسا، مساحة هذا الميدان تتجاوز ألفي هكتار.”
“…كم هكتارًا؟”
“حتّى الدوران على امتداد حدوده فقط سيستغرق خمس ساعات.”
فغرَت ديانو فاها.
فحتّى ميدان الصيد في دوقيّة إيربينجل لم يكن بتلك الضخامة.
ومع ذلك، كان ميدان الصيد داخل القصر الإمبراطوريّ في قلب العاصمة يمتدّ على ألفي هكتار.
ابتسم السير لويسِن ابتسامةً مرّة.
“إنّه القصر الإمبراطوريّ.”
“…صحيح، إنّه القصر الإمبراطوريّ.”
“حاول جلالة الإمبراطور تقليص المساحة مرارًا، لكنّ معارضة كبار الوزراء كانت شديدة.
فحين يزورنا ضيوف من دولٍ أخرى، ولا سيّما أراسيس، لا بدّ من إظهار الهيبة.”
كان ذلك مفاجئًا بعض الشيء.
فأليس الملوك بطبيعتهم يميلون إلى الأكبر والأفخم والأفضل في كلّ شيء؟
وفوق ذلك، كان الصيد من أحبّ وسائل الترفيه لدى الأباطرة الشبان.
وبالتفكير في الأمر، بدا مظهر الإمبراطور في اليوم السابق بسيطًا أكثر من اللازم.
قالت ديانو، وقد راودها شعورٌ غريب:
“جلالته… يبدو مختلفًا قليلًا عمّا تخيّلته.”
ابتسم السير لويسِن ابتسامةً هادئة.
“سيّدٌ جديرٌ بأن نُخلص له.”
بدت صراحته غير معتادة، فأحرجت ديانو قليلًا.
لكنّها تابعت السير بخطواتٍ متفائلة نحو الممرّ المؤدّي إلى ميدان الصيد.
“سواء نجحنا أو فشلنا، فلنجرّب مرّةً على الأقلّ.
وإن لم نعثر على سموّ الأميرة، نعتبرها مجرّد نزهة.”
غير أنّ ألفي هكتار…
فحتّى لو كانت الأميرة في مكانٍ ما داخل الميدان، فإنّ العثور عليها لا يختلف عن البحث عن صدفةٍ بعينها على شاطئٍ واسع.
‘وإن لم أعثر عليها هكذا، فسأبيت ليلتي أمام باب مخدعها.’
هكذا عزمت ديانو في سرّها.
التعليقات لهذا الفصل " 4"