استمتعوا
“روزي.”
لم تُدرك خطأها إلّا بعد أن سمعت النداء المشحون بالتحذير، فسارعت متأخّرةً إلى تغطية فمها بيدها.
وحين أدارت رأسها ببطء، كانت علامات الغضب قد استقرّت بالفعل على ملامح ريجينا.
كانت مثل هذه الزلّات اللفظيّة المتكرّرة سببًا معتادًا لتأنيب ريجينا لها.
“كيف تصفين المرتزقة بالدناءة، وأنتِ نفسكِ من أعضاء نقابة بيرسونا؟“
“…أنا آسفة.”
“ألم أقل لكِ مرارًا إنّه يجب أن نفخر بعملنا؟“
“وفوق ذلك، يبدو أنّكِ صرتِ ترين كونكِ مرتزقة مجرّد ذريعةٍ مريحة لا أكثر.”
كانت روزي تعلم أنّ التظاهر بالشفقة لا يجدي نفعًا في مثل هذه اللحظات، فاكتفت بخفض رأسها بصمت.
تنفّسُ ريجينا الثقيل، الذي لم يبدّده حتّى هواء البرد، جعلها تشعر بقدرٍ من الظلم رغم كلّ شيء.
‘من الطبيعيّ أن تكون الأنسة مطمئنّة، فهي تملك قلب غايل الرائع.’
‘وليست مجرّد مرتزقةٍ عاديّة مثلي، بل ابنة غيلين، وفوق ذلك جميلة.’
كانت تعرف أنّ نظرات غايل، حبّها الأوّل، تتّجه دائمًا إلى ريجينا.
ومع ذلك، حاولت ألّا تحمل في قلبها ضغينة، لأنّ ريجينا كانت دائمًا من يعتني بها قبل الجميع.
لكنّ شعور الخذلان كان يتسلّل إليها كلّما حدث مثل هذا.
“لنُسرِع قليلًا.”
“أنتِ أيضًا بحاجة إلى أن تُصفّي ذهنكِ.”
“هيّا!”
وهي ترى ريجينا تسبقها وتحثّ الجواد، فكّرت روزي بأنّه ليت الأنسة تتزوّج وتختفي عن ناظريها لبعض الوقت.
كانت تتمنّى لو أُتيح لها أن تقترب من غايل، ولو قليلًا، بطريقةٍ خاصّة.
لكنّها سرعان ما وبّخت نفسها على هذه الفكرة القبيحة.
فلولا ريجينا، لما استطاعت أصلًا أن تثبّت قدميها في نقابة بيرسونا.
حتّى وإن شعرت بالظلم إلى حدّ امتلاء عينيها بالدموع.
***
قرّرت روزي، تكفيرًا عمّا بدر منها، أن تكتم ما جرى اليوم.
غير أنّ غايل هو من بادر بالسؤال قبل أن تسنح لها الفرصة.
“لقد رفضتِ العرض بشكلٍ قاطع، أليس كذلك؟“
“…اسمع، لقد وصلتُ للتوّ، وأريد أن أستحمّ.”
“كان عليكِ أن تركلي فم من نطق بتلك المهمة اللعينة.”
“إنّه من العائلة الإمبراطوريّة.”
أطلقت ريجينا زفرةً طويلة، ثمّ دفعت غايل من ظهره وأخرجته من الغرفة.
حاول أن يتشبّث بمكانه، لكنّه كان يعلم ما الذي قد يحدث إن أثار غضبها، فخرج مطيعًا.
‘رفضٌ قاطع، إذًا.’
في الحقيقة، لم تكن ريجينا متأكّدة من أنّ رفضها كان حاسمًا إلى هذا الحدّ.
فالمبلغ الذي عرضه فالنتاين كان مغريًا.
بهذا المال، يمكنها تسديد الشرط الجزائيّ، بل وتعويض جزءٍ كبيرٍ من المال الذي هرب به غيلين.
“قال إنّها سنة واحدة.”
لكنّ زواجًا صوريًّا من أحد أفراد العائلة الإمبراطوريّة، يتبعه طلاق بعد عام، كان وصمةً قد ترافقها مدى الحياة.
كانت قد همّت بالاغتسال، لكنّها قبضت على رأسها وسقطت على الأريكة.
مهما كان، فهذا الأمر غير معقول.
‘لا يمكن أن أفعل ذلك… أليس كذلك؟‘
وحين أغمضت عينيها، تراءى لها وجه شانلو، الذي كان مستعدًّا للاندفاع إلى ساحة القتال رغم رقوده في المشفى.
‘ومع ذلك، عليّ أن أحمي عائلتي، المرتزقة.’
كان كلّ فردٍ من أفراد بيرسونا عائلةً لريجينا، وجوهرةً ثمينة.
كان بيتًا صنعته بطفولتها كلّها.
جمعت فيه من لا مأوى لهم، ونصّبت غيلين قائدًا.
لم تتردّد يومًا في تحمّل أقسى المشقّات.
وكان ذلك كافيًا لها، حين ترى المرتزقة، الذين عوملوا طوال حياتهم أسوأ من الخِرَق، يضحكون داخل النقابة.
“لذلك… يجب أن أ…”
لكنّ كلماتها لم تكتمل، إذ انزلقت إلى هوّة النوم.
***
جلس فالنتاين على الأريكة، وراح يحرّك بقدمه قطعة خزف لم تُنظَّف بعد.
كانت تلك المزهرية قد لفتت نظره منذ دخوله الغرفة، لكنّه لم يرَ فيها ما يستحقّ الأسف.
فقد استُخدمت لطرد نظرات فينيت اللزجة عنه.
“لديك جرح في الجبين.”
ما إن غادرت ريجينا، حتّى بدأت الفئران المتطفّلة تقترب بدافع الفضول، فأخذ فالنتاين يتصرّف كالمجنون لطردهم.
ومع ذلك، كانوا يعودون مرارًا، كفئرانٍ غبيّة لا تتعلّم.
أوقف فالنتاين آلين بإشارةٍ خفيفة حين اقترب ليفحص جرحه.
لم يكن الألم يُذكر، ويبدو أنّه مجرّد خدشٍ بسيط.
تنفّس آلين بعمق.
فرغم كونه طبيبه الخاصّ، لم يكن يستطيع معالجة جرحٍ دون إذنه.
لكنّه لم يملك خيارًا، إذ كان مدينًا له بالفضل، وموالِيًا له بإخلاص.
“بحسب ما قاله ويل، سيُفرَض غدًا نوعٌ من الضرائب الخاصّة على القطاع سي.”
“همم؟“
“وهو القطاع الذي تقع فيه نقابة بيرسونا.”
ضحك فالنتاين بخفّة.
“إنّه تواطؤ بين الكونت رينجير وتلك المرأة.”
“يبدو أنّهم قرّروا معاقبة نقابة بيرسونا بطريقتهم الخاصّة بعد إحباط الهجوم.”
“كنت أظنّهم سيتجاوزون الأمر بعد هذا الهدوء، لكن يبدو أنّ مزاجهم تغيّر مرّة أخرى.”
الإمبراطورة، إليربا.
وُلدت الابنة الكبرى لأسرة الكونت رينجير، وصارت إمبراطورة في الثامنة عشرة.
وهي اليوم الوصيّة على العرش، وصاحبة أعظم سلطةٍ نالتها امرأة في تاريخ الإمبراطوريّة.
لم يكن أحدٌ ممّن اقتربوا منها يجهل تقلّباتها العاطفيّة العنيفة.
وكان فالنتاين، الذي سبق أن توسّل إليها بحياته، أدرى الناس بذلك.
وبينما كان يحدّق عبر النافذة وقد أطلّ القمر، كأنّه يسترجع ماضيًا مؤلمًا، سأله آلين بحذر.
“هل فشلت المفاوضات مع تلك المرتزقة؟“
“تلقيتُ رفضًا مبدئيًّا، لكنّه لم يكن قاطعًا تمامًا.”
“كان ذلك واضحًا من تعابيرها.”
“إذًا علينا أن نبحث عن بدائل.”
“سمعتُ أنّ نقابة بيرسونا تعاني أزمةً ماليّة، فظننتُ أنّها ستقبل فورًا.”
مسح آلين نظّارته بطرف معطفه وهو يأسف في نفسه.
لقد بدت امرأةً قويّة حقًّا حين واجهت فينيت.
كان فالنتاين يبتسم وقد صرف نظره عن النافذة.
‘أزمة ماليّة، إذًا.’
بعد رحيل ريجينا، ظلّ يفكّر قليلًا.
لماذا لم تغادر فورًا، رغم سخريتها من مضمون المهمة؟
لعلّ الجواب كان في ذلك البريق الذي لمع في عينيها حين سُمع المبلغ.
وكان ذلك هو الجواب على الأرجح.
“أريدها هي.”
“لكن ينبغي أن نبحث عن غيرها أيضًا.”
“تبدو عنيدة للغاية.”
بل على العكس، كلّما تحدّث معها، ازداد اقتناعًا.
فلم يكن هناك من هو أنسب لطرد تلك الفئران من القصر من مرتزقةٍ جريئة مثلها.
أشار فالنتاين إلى آلين أن يخفض صوته.
وكان من حسن الحظّ أنّ أبواب هذا القصر العتيق سميكة ومتينة.
“لكنّها ستعود.”
هل تدرك الإمبراطورة أنّ الموجة التي أحدثتها بدأت تحرّك السفينة التي تقلّها؟
“إنّها مرتزقة مخلصة.”
“وهي المرأة التي ستنهض لإنقاذ نقابتها حين تهدّدها هذه الضريبة الخاصّة.”
“قد تعود إلى فالمين غدًا حتّى.”
رفع فالنتاين كتفيه تأكيدًا.
وتخيّل آلين وجه توماس المنهار حين يسمع هذا الخبر.
‘سيكون أشدّ يأسًا لو علم.’
فهو فارس لا يعيش إلّا بالسيف والشرف.
وكان منذ البداية معارضًا لأن تحمي امرأةٌ مرتزقة أميرًا إمبراطوريًّا.
لكن لا حيلة في ذلك.
فـفالنتاين لم يكن رجلًا يأبه بآراء مرؤوسيه.
وكما توقّع آلين، لم يكن توماس في حسبانه أصلًا.
كان ينتظر، لا أكثر، الزائرة التي ستعود قريبًا.
***
رغم أنّها غفت على الأريكة وهي ممسكة برأسها، فإنّ ريجينا نالت نومًا عميقًا نسبيًّا.
بل إنّها استيقظت متأخّرة.
‘سأشتري بعض البودينغ اليوم، وأزور المرضى مرّة أخرى.’
فترك أولئك المرتزقة المشاغبين في غرف المرضى تصرّف غير مسؤول بحقّ المعالج.
كانت تخشى أن ينهار المعالج قبلهم.
“ثمّ سأشحذ السيف، وأبحث عن قافلةٍ تحتاج إلى مرافقة.”
تمدّدت، وفتحت النافذة على مصراعيها، واستنشقت الهواء النقيّ.
كان لديها من الأعمال ما يجعل تأخّرها غير مبرّر.
لقد حان وقت الجدّ.
“ريجينا، انزلي بسرعة.”
“يبدو أنّ أمرًا خطيرًا قد حدث.”
لم تكن ترغب في التورّط بمصيبةٍ جديدة.
لكن في بيرسونا، حيث لا تخلو الأيّام من الحوادث، كانت هي الحلّ الأخير دائمًا.
فتحت الباب على عجل دون أن تغلق النافذة.
“ما الأمر هذه المرّة؟“
“لا أعلم، لكنّ ماوت غاضب أيضًا.”
كان ماوت، رغم حدّته، من الأكثر هدوءًا بين المرتزقة.
فهمت ريجينا أنّ الأمر خطير، وتوجّهت إلى الردهة.
وهناك، واجهت إشعارًا ضريبيًّا سابقًا لأوانه بكثير.
أن تصل الضرائب الموسميّة قبل حلول الربيع الكامل كان أمرًا نادرًا ومقلقًا.
“ما هذا؟“
“إشعار بضريبة خاصّة؟“
سألت ريجينا بذهول.
لكن ماوت وروزي كانا قد فقدا نصف وعيهما منذ قراءة الورقة.
“يقولون إنّهم سيجمعون ضريبة إضافيّة من القطاع سي فقط.”
“وسيفرضون مبالغ أكبر على النقابات والقوافل.”
شحبت ملامح ريجينا وهي تقراء التفاصيل.
المبلغ الكلّيّ ألفا ريل.
كان أكثر من ضعفي ضريبة الشتاء السابقة.
كان ظلمًا واضحًا، لكن تجاهله مستحيل.
فضرائب العاصمة تُرفع مباشرة إلى القصر الإمبراطوري.
“لماذا القطاع سي من بين كلّ القطاعات؟“
“من يدري بما يدور في عقول الكبار.”
“قال صاحب قافلة دونمور إنّ أحدًا في القطاع سي قد أغضب أصحاب النفوذ…”
كان رفض الضريبة بمنزلة رفضٍ للأمر الإمبراطوري، بل خيانة.
وخاصةً بالنسبة للنقابات والتجّار الحاصلين على تراخيص.
‘وفي هذا التوقيت بالذات…’
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 8"