“ما بالكِ عابسة إلى هذا الحد؟ أهو القلق من شرط الغرامة؟“
“قلت لك إن شرط الغرامة المضاعفة ثلاث مرات فيه إشكال.”
“على ذكر ذلك، ألم تشتبكي مع ذاك الوغد اشتباكا طويلا؟“
“نعم. ذلك اللعين. لولاه لما وصلتُ إلى هذا الصداع أصلا.”
الملثم الأسود الذي أحرق بضائع قافلة كور التجارية كاملة، ثم فرّ هاربا، بعدما كانت بيرسونا تتولى مهمة حراستها. وحين واجهت ريجينا المرتزقة الراقدين على الأسرة، وقد نالوا ضربا مبرحا بسببه، اشتد صرير أسنانها غيظا وهي تستمع إلى القصة.
كان الرجل طويل القامة، خفيف الحركة، وسيفه حادا لا يرحم. لكن ما أجج غضبها حقا أنه، بعد أن فرغ من شأنه معها، انسحب كأنها لا تعني له شيئا. لم يكن تجاهلا عاديا، بل إهانة صريحة.
“كيف نعثر على ذاك اللعين؟“
“لا يمكن، لا يمكن. كيف تجد شخصا مغطى بالسواد من رأسه حتى قدميه؟ اهدئي قليلا. المال يمكن تعويضه. وإن لزم الأمر، نذهب إلى حرب الشمال.”
“صحيح. منذ زمن لم نشم رائحة الدم.”
قيلت الكلمات على سبيل المزاح، غير أنها أصابت وترا قاتلا عند ريجينا، التي أقسمت ألا تزج بأفراد نقابة بيرسونا في جحيم الحرب، مهما كان الثمن.
فالمرتزقة في الحروب ليسوا سوى دروع بشرية تُدفع إلى المقدمة، يبيعون أرواحهم منذ اللحظة التي يتقاضون فيها الأجر. بل إن أحدهم، الذي كان يساير الحديث، كان على وشك الزواج.
“أيعني هذا أنني يجب أن أدير النقابة بهدوء، معتمدة على الدم الذي أراقه أفرادي؟“
حين رأى شانرو ملامح ريجينا المشوهة من شدة الغضب، أدرك أخيرا طيشه، فحك خده في ارتباك.
“آه، أنا آسف. لن أقول مثل هذا الكلام مجددا.”
“لا تكرر هذا الحديث أبدا. سأغادر الآن.”
غضبت ريجينا من عجزها الذي أوصلها إلى هذا القرار، فغادرت غرفة المرضى على الفور.
وبقي المرتزقة في صمت ثقيل، يطلق كل منهم زفرة طويلة. كانوا قد لمحوا بوضوح ارتجاف زاوية فمها، وهي تحاول ابتلاع دموعها.
“الأنسة… لو أنها استخدمتنا براحة أكثر. لماذا كبرت لتصبح بهذه المسؤولية الثقيلة؟“
“بسبب ذلك القائد اللعين الذي لا يجلب سوى المصائب. حين يعود، سندوسه بالأقدام.”
انشغل الجميع بشتم غيلين، حتى خيّم جو كئيب خانق على الغرفة، فتراجع المعالج الذي كان قد تشجع للدخول، وعاد أدراجه.
خرجت ريجينا من العيادة، تحاول طرد الكآبة عن صدرها.
‘هل استلموا الدفعة الأخيرة كما ينبغي؟‘
ومع تفكيرها في المال المتبقي، أسرعت خطواتها عائدة إلى مقر نقابة فرسونا.
ولو أنها علمت مسبقا أن ما ينتظرها هو طلب أحمق بالحضور شخصيا لاستلام المال، لركضت وهي تخفي إبرة مسمومة في نعل حذائها، لتغرسها فيهم بلا تردد.
“يا للوقاحة.”
“أليس كذلك؟“
وافقها غايل، وحتى روزي، التي كانت تبتسم دائما، بدت عليها علامات الضيق.
“يطلبون مني أن آتي إلى فالمين بنفسي لاستلام المال، بل ويقصدون برسونا تحديدا، ويذكرون اسمي صراحة.”
“انستي، دعيني أذهب أنا. سأستخرج منهم المال كاملا.”
كان نفس روزي يعلو ويهبط بعنف، فتتمايل ضفيرتاها مع كل شهيق.
“لا، سأذهب أنا. لم يكتفوا بتأخير الدفعة، بل أمروني بالمجيء. لن يهدأ لي بال إلا إن أخذت أكثر مما اتفقنا عليه.”
“وأنا أريد الذهاب أيضا.”
“لديك مهمة موكلة إليك.”
هبطت يد غايل، التي كانت تلوح بحماس، بعد توبيخ ريجينا. ثم إن ريجينا لم تكن تنوي اصطحاب حشد معها لأجل تحصيل المال.
“روزي، ستذهبين معي.”
“نعم! سأستعد فورا!”
كانت روزي في السابعة عشرة، ولم تخض مهاما كثيرة بعد، لذا كانت تفرح كلما تم ذكر اسمها.
“إذن، عليّ أن أتحرك أنا أيضا.”
“ريجينا، لا تتراجعي هناك. أولئك الأوغاد ينظرون بازدراء إلى المرتزقة.”
ابتسمت ريجينا ابتسامة خفيفة لقلق غايل.
كم مرة تعرضت لمثل هذا الاحتقار لأنها مرتزقة؟
“متى رأيتني أتراجع؟ ثم إنني لا أُحسن المعاملة إلا مع الزبائن الذين يستعينون بنقابتنا.”
مدّت ريجينا يدها تعبث بشعره الأحمر المجعد، ثم تمددت في كسل. كان عليها أن تقطع الطريق إلى فالمين دون توقف. كان يجب أن تعود بسرعة لتنقذ برسونا من عجزها المالي.
وتركت غايل، الذي طأطأ رأسه وهو يعبث بشعره، واتجهت نحو الإسطبل.
***
خرجت ريجينا وروزي من بيرسونا، واندفعتا بالخيول كأنهما فقدتا صوابهما.
لم تكن هذه مهمة حراسة بطيئة تجر خلفها العربات، فكانتا تمضيان كسمك السلمون عكس التيار. وهكذا اختصرتا مسافة يوم ونصف إلى نصف يوم فقط.
“لا شيء تغير في فالمين منذ آخر مرة جئناها.”
تمتمت ريجينا وهي تنظر من سفح الجبل إلى دوقية يوليوس، فالمين.
“نعم، فهي إقليم انهار مرة.”
أرض قاحلة لم تنل محبة الحكام. كانت فالمين في الماضي تحت حكم أسرة كونت، لكن بتهمة الخيانة أُبيدت العائلة قبل ستين عاما، ومنذ ذلك الحين تولت الإمبراطورية إدارتها، دون أن تسد غياب اللورد. كما أن موقعها لم يكن ذا أهمية كبيرة.
‘لو دخلت إليها قافلة تجارية كبيرة واحدة فقط، لأصبحت نافعة على الأقل.’
راقبت ريجينا المدينة التي تمضي نحو الخراب، ولم تختلف كثيرا عن زيارتها قبل ثلاث سنوات، ثم شدّت اللجام مجددا. لم تكن من أهل الإقليم لتقلق عليه.
بحسب علمها، كان قد مضى أكثر من أسبوع على استقرار الدوق يوليوس في قصره.
ومع ذلك، استقبلتهما بوابة متهدمة، وممرات يغطيها الغبار الكثيف، كأن القصر بلا صاحب.
“هل هذا حقا قصر دوقي؟ إنه أسوأ من قصر ذلك البارون الصغير الذي ذهبتُ إليه سابقا.”
“شش، روزي.”
كان عدد الخدم قليلا، فحتى همس روزي تردد صداه. سارعت إلى تغطية فمها. أما فينيت، التي كانت تقودهما، فأخفت انزعاجها وضحكت بخفة.
أن يبدو القصر فقيرا يعني، في نظرها، كثرة ما يمكن اختلاسه.
‘ثم لماذا يدعو مثل هؤلاء العوام إلى القصر؟‘
تأملت فينيت الفتاتين الصغيرتين، بملابسهما الملطخة بالطين، أو بما يشبهه.
التناقض بين هيئتهما الواثقة وأحذيتهما القذرة أزعجها، وأعاد إلى ذهنها حذاء أبيها حين كان ينظف الإسطبلات.
تجعدت عيناها ضيقا. لقد سُلب وقت راحتها الثمين بسبب إصرار كبير الخدم كونفي على معاملة هؤلاء العوام كضيوف.
ثم إنها سمعت أن هاتين الاثنتين مجرد مرتزقتين تفعلان أي شيء مقابل المال. وجودان لا تلتفت إليهما عادة.
“ما سبب قدومكما إلى القصر؟“
تحولت نبرة فينيت إلى تعالٍ واضح.
“سأتحدث في الأمر مع الدوق شخصيا. يصعب عليّ شرحه لغير المعنيين.”
نظرت ريجينا إليها بلا اكتراث. هذا الصنف من النبلاء اعتادت عليه، مزعج بقدر ما هو أجوف.
“أنا كبيرة خدم القصر.”
“لكنّك لستِ طرفا في ما جرى بيننا.”
نظرات الاحتقار للمرتزقة… كم عرفت ريجينا منها، خصوصا كامرأة تحمل السيف.
أخفت روزي خلفها، شاكرة أن الفتاة أقصر منها بقليل.
“الدوق لا يجيد الحديث مع الغرباء بسهولة. قولي لي، سأساعدك.”
ضيّقت ريجينا عينيها. أهي مساعدة أم تهديد؟ ثم إن فالنتاين، الذي عرفته، كان قادرا على الحديث ما دام يتناول دواءه.
‘أتحتقرني إلى حد الكذب؟‘
بعد نصف يوم من الركض على ظهور الخيل لأجل المال المتبقي، بدأ الغضب يتصاعد في صدرها.
“هل ترفضين إرشادي إلى الدوق؟“
“قلت إنني سأساعد.”
“وأنا قلت إنني لا أحتاج. هل كان يجب أن أكون أكثر صراحة؟“
“تمهّلي! أتظنين هذا الطريق القذر الذي تتجول فيه مرتزقة مثلك؟ هذا قصر دوقي، وأنا كبيرة الخدم!”
ارتفع صوت فينيت أخيرا. لم يسبق أن تجرأ خادم على مجادلتها، فكيف بمرتزقة وضيعة؟
شعرت ريجينا بارتجاف روزي خلفها، فتنهدت بعمق.
فمبادئ بيرسونا واضحة: لا إفشاء لتفاصيل المهمة لغير أطرافها.
‘اهدئي. إنها مجرد امرأة لا تقاتل. اعتبريها كلبا ينبح.’
كانت مثل هذه الإهانات مألوفة، ولا تزال تملك ضبط نفسها.
“ربما لأنكِ مرتزقة وضيعة لا تفهمين….”
وهنا تجاوزت فينيت الحد.
“مرتزقة وضيعة؟ نعم. ما بال امرأة تصبح مرتزقة؟ بل وتدخل القصر وتطالب بالكلام سرا مع الدوق. أو لعل المظهر فقط مرتزقة، والجوهر عاهرات. حتى المجنون يبقى رجلا.”
مرّ بصرها المحتقر على ريجينا ثم روزي، واستقر أخيرا على انحناءات جسد ريجينا الظاهرة من شقوق عباءتها.
كما توقعت. نفخت فينيت بازدراء.
نزعت ريجينا عباءتها خطوة إلى الخلف، وتقدمت خطوة واحدة.
كانت طويلة القامة نسبيا، قادرة على فرض حضورها، والأهم أنها عرفت كيف تملأ نظرتها بالغضب والنية القاتلة.
‘أوه… لقد غضبت الأنسة.’
راقبت روزي، من خلفها، ارتباك فينيت. لم تكن هذه امرأة اعتادت مواجهة ضغط كهذا.
“قوليها مرة أخرى. وسأريكِ بنفسي هل أنا عاهرة أم مرتزقة.”
التعليقات لهذا الفصل " 6"