5 - كيف تتلقّى المرتزقُة مهمة جديدة
استمتعوا
“نعتذر منكِ، السيّدة بايمان. تفضّلي بمغادرة الغرفة.”
“اخرجوا جميعًا! قبل أن أقتلكم!”
حلّق إناءُ زهورٍ في قوسٍ فوق رأس فينِيت المنحني، ثمّ ارتطم بالأرض وتحطّم.
ارتجفت فينِيت وهي تتخيّل أنّها لو انحنت أقلّ قليلًا، لتلقّت الإناء في وجهها مباشرة.
“ما إن تتناول هذا الدواء حتّى أنسحب. إنّه المهدّئ الذي اعتدت عليه، وستغفى فورًا.”
مدّ توماس إلى فالنتاين قارورةً زجاجيّة صغيرة لا تتجاوز حجم الكفّ.
راقبت فينِيت السائل الأصفر داخل القارورة بتمعّن، لكنّها ما إن رأت فالنتاين يرفع إناءً آخر، حتّى فرّت من الغرفة كمن يهرب من حتفٍ محقّق.
‘إنّه مجنون فعلًا.’
كانت فينِيت الوصيّة القانونيّة للأمير، وقد خدمت كونتيسة منزل رينجير، مسقط رأس الإمبراطورة، وجاءت إلى قصر الدوقيّة برسالة توصيةٍ مباشرة لتتولّى منصب كبيرة الخدم.
كان تعيين كبيرة الخدم في قصرٍ جديد يتمّ غالبًا بهذه الطريقة، لذا لم يكن الأمر غريبًا في حدّ ذاته.
غير أنّ مهمّةً إضافيّة أُسندت إلى فينِيت، وهي مراقبة منزل دوق يوليوس.
‘راقبتُه طوال هذه المدّة، ولا شيء يُذكر لرفعه في تقرير. أحيانًا يبدو واعيًا، لكنّه يوميًّا يدخل في نوبات، ثمّ ينام كالمغمى عليه. يجب أن أبلغها بذلك.’
ربّما كان العثور على أشخاص لا يصل إليهم نفوذ الكونت أسهل من محاولة إصلاح هذا القصر.
ارتعش جسد فينيت وهي تنظر إلى الغرفة التي ما زال الضجيج يتسرّب منها.
أمّا سلامة إقليم فالمين، التابع لدوقٍ مجنون، فلم تكن تعنيها في شيء.
ما كان يهمّ فينيت حقًّا أمرٌ واحد فقط.
كم ستجني من المكاسب بحجّة ترميم هذا القصر المهمل، وسط هذا الإهمال الفاضح.
كانت تحاول كتم ضحكةٍ زلِقة تسلّلت إلى شفتيها، فلم تشعر حتّى باقتراب ألين، الطبيب المكلّف بعلاج فالنتاين.
“سيّدة بايمان، ما الخطب؟“
“آه، السيّد روتين. إنّني قلقة على صحّة الدوق…”
أرخت فينِيت طرفي عينيها بسرعة، وأشارت إلى الغرفة.
ابتسم ألين ابتسامةً ودودة، ودفعها بلطف من ظهرها.
“جلبتُ مهدّئًا أقوى. لا داعي للقلق، تابعي أعمالكِ الأخرى. لا بدّ أنّكِ مشغولة.”
“آه… حسنًا. إن احتجت إليّ، فاقرع الجرس. عدد الخدم قليل، لكنّنا سنأتي بأسرع ما نستطيع.”
“نعم، مفهوم.”
انحنى ألين لها انحناءةً مقتضبة، وما إن ابتعدت حتّى عدّل نظّارته وسقطت ابتسامته فورًا.
كان قد سمع ضحكتها الخبيثة قبل قليل.
كان يعلم منذ البداية أنّها من اشخاص الإمبراطورة، لكنّها كانت أكثر جشعًا ممّا توقّع.
دفع العربة التي تحمل المستلزمات الطبيّة، وطرق باب الغرفة.
لو كانت فينيت ما تزال هنا، لقال إنّ الطَرق لا طائل منه، لكنّ ألين كان يعلم أنّهم يسمعون.
“سأدخل.”
“يبدو أنّك في أتمّ العافية اليوم أيضًا، سمو الدوق.”
كانت تلك أوّل جملة يتفوّه بها الطبيب العبقري ألين روتين، في وجه فالنتاين المصاب بداءِ الجنون.
وقد وُضِعت الأدوات الحادّة والعقاقير في الطبقة العلويّة من العربة.
“كُفّ عن السخرية. تعمّدتُ إسقاط نظري، فأرهقني ذلك.”
كان ألين يعلم أنّ هذا الرجل، فالنتاين آل فونت ديتشار يوليوس، في كامل وعيه.
ورغم ذلك، يصعب وصف رجلٍ يتظاهر بالجنون بأنّه ‘عاقل‘.
“أليست هذه مهمّتك منذ ثلاثة عشر عامًا؟ ما الجديد الآن؟“
“هاه، ألين. حتّى أنا أُنهِكتُ من الصراخ معكم.”
أخرج من الطبقة السفليّة للعربة قارورتين بنيّتين، وناول إحداهما لفالنتين والأخرى لتوماس.
كان دواءً فعّالًا لاستعادة النشاط.
“لا أحد يُجيد هذا سواك يا ألين.”
“سيفيد أيضًا في ترطيب الحلق الجافّ من كثرة الصراخ.”
أومأ توماس برأسه سريعًا، وقد بدا عليه الامتنان.
ثمّ تذكّر فينيت، التي بقيت متسمّرة في الغرفة رغم فزعها، فطقطق لسانه بامتعاض.
“العيون التي تراقبنا كثيرة. بعد القتلة، جاء دور الجرذان.”
“لاحظتُ آثار محاولة فتح خزانتي المقفلة ليلة البارحة. وفيها أدوية قد تصبح سمًّا إن أسيء استخدامها.”
“إن أراد أحدهم التسميم، فلن يكون الأمر صعبًا في هذا القصر.”
تراكمت مخاوف توماس وألين أكثر من الغبار على إطار النافذة.
حتّى دون تمثيل نوبات فالنتاين، لم تكن الغرفة نظيفة أصلًا، كأن لا وجود لكبيرة وصيفات.
“سمو الدوق، لا أحد في هذا القصر يقف في صفّك سوانا. لكن لولا تمثيل الجنون، لما كان لي أو للسير توماس سبيلٌ لطردهم دون إثارة الريبة.”
“صحيح. فإدارة القصر تحتاج إلى سيّدة.”
ناول فالنتاين القارورة البنيّة لتوماس، وحرّك عنقه.
كان ألين يعلم أنّه لا يتناول شيئًا بسهولة، حتّى لو كان من يده، فلم يشعر بخيبة.
“أردتُ أن أنال بعض الحرّيّة بعيدًا عن أعين الإمبراطورة،
لكن يبدو أنّ هذا المكان تحوّل هو الآخر إلى سجنٍ صنعته تلك المرأة البغيضة. وهذا سيُربك الخطة.”
أفرغ توماس القارورة كما لو كانت خمرًا، وزفر بضيق.
أمّا فالنتاين، فكان ينظر إلى الخارج، حيث أرخى الليل سدوله تمامًا.
“سموك، لقد وقع ما كنّا نخشاه.”
“إذًا، لا مفرّ من حاجتي إلى زوجة. تدوس هذه الجرذان تحت قدميها.”
“لكن أيّ نبيلة ستقبل بهذا الوضع؟ إن جلبنا فتاةً ساذجة أو ضعيفة، فسيتعقّد الأمر أكثر.”
أخرج ألين قارورته هو الآخر، وقد ضاق صدره.
لعلّهما كانا يفكّران أنّ هذا المقام يحتاج إلى شرابٍ أقوى.
“وهل يجب أن تكون نبيلة أصلًا؟“
“ماذا؟“
عند سؤال توماس، ارتسمت على شفتي فالنتاين ابتسامة امتدّت حتّى وجنتيه.
كانت ابتسامةً صافية، لكنّها أقلقت الاثنين.
إذ لم يكونا يعلمان أيّ حماقةٍ جديدة تختمر في رأسه.
“ما نحتاجه امرأة قويّة وحاسمة. تعرف قيمتها، وتبذل قصارى جهدها لتؤدّي دورها، وذكيّة.”
“هذا… صحيح.”
فجأةً، انفجر فالنتاين ضاحكًا.
وفي كلّ مرّة يحدث هذا، كان ألين وتوماس يعتقدان أنّه مجنون فعلًا.
بل إنّه كان كذلك منذ اللحظة الأولى… ليبقى على قيد الحياة.
“ألين، قلتَ إنّ بيرسونا طالبت بتسديد الأجر، أليس كذلك؟“
“نعم. يبدو أنّ تلك المرتزقة قد استفاقت أخيرًا.”
“استيقظت أسرع ممّا توقّعت.”
“إنّها امرأة قويّة حقًّا.”
مرّر فالنتاين أصابعه على الموضع الذي شقّه بسيفه بنفسه.
عاد الألم ينبض، فالجرح لم يلتئم بعد، وكأنّه قد ينفجر إن شدّه أكثر.
“إذًا، أخبِرهم أن يأتوا بأنفسهم لاستلام المال.”
***
في العادة، كانت ريجينا تمضي وقت الصباح بعد الإفطار في قراءةٍ هادئة أو تدريبٍ خاصّ.
لكنّها اليوم جاءت لتفقّد وجوه أعضاء النقابة المنوّمين في العيادة.
وكان هدفها الحقيقيّ، في الواقع، أن تُسدِي لهم ‘ضربةً تأديبيّة‘،
إذ إنّهم، رغم كسورهم، أقاموا مسابقة ضغطٍ داخل الغرفة.
“آه! هذا يؤلم فعلًا!”
“ألا تعلم أنّه يجب الهدوء في العيادة؟ قلتُ لك أن تبقى ساكنًا.”
تذمّر آخر مرتزقٍ نال نصيبه من قبضتها، شاكِيًا من شدّة يدها.
وفي تلك اللحظة، اقترب المعالج الذي كان يراقب من الخارج مسرعًا.
“عذرًا… هل أنتِ أولياء أمر هؤلاء؟“
“نعم، أنا كذلك.”
“إنّهم مرضى، ولا أفهم لماذا يتصرّفون كالثيران الهائجة. أرجوكِ، أخبريهم أن يلتزموا الراحة التامّة.”
يا إلهي…
كانت شكوى متوقّعة، لكنّ ملامح الإرهاق على وجه المعالج جعلت ريجينا تمسك جبينها.
“في المرّة السابقة، قالوا إنّ أجسادهم ثقيلة، وراحوا يقفزون في الفناء كالقِرَدة. وطبعًا تكون ثقيلة، فالحمّى مرتفعة! إن ارتفعت أكثر، فسيلقون حاكمهم! أرجوكِ… أرجوكِ، الراحة التامّة!”
“…سأنبّههم.”
كم تجاهلوه حتّى تعلّق بها كأنّه وجد منقذًا؟
انحنت ريجينا له، ولم يتوقّف عن ترديد عبارة “الراحة التامّة” حتّى غادر.
“أنتم.”
تجنّب الرجال نظرتها المشتعلة، وقد تصبّب العرق من جباههم.
لعلّ مدّة تنويمهم ستطول اليوم.
“آنستي، قيل إنّكِ أُصبتِ بالسُّمّ، بل وتعرّضتِ لإصابة. أليس من الأفضل ألّا تتجوّلي الآن؟“
“صحيح، صحيح.”
“هل ترغبون بأن أضربكم؟“
لماذا يسعون إلى العقاب بأقدامهم؟
رفعت ريجينا قبضتها مجدّدًا، فتراجعوا فورًا.
وكان ذلك كافيًا.
“انتهى الترياق. ودمي نظيف.”
“لكن… من هم أولئك القتلة الأوغاد؟ ومن أين جاؤوا؟“
لمعت عيون المرتزقة، وتغيّر الجوّ في لحظة.
حتى الذي كان في الزاوية راح يصرّ على أسنانه.
حين اشتدّ التوتّر، انسحب المعالج، الذي كان قد همّ بالعودة للتوبيخ، بهدوء.
“بما أنّهم ديْنوا آنستنا، فلا بدّ من ردّه.”
“جرحٌ على الكتف، أليس كذلك؟ ذراعٌ واحدة قد تُهدّئ غضبي.”
“كفى. على الأقلّ نجونا، وأنهينا المهمّة.”
أمسكت ريجينا بكتف شانرو، قائد الفريق الذي كان يتململ كأنّه على وشك القفز، وأجلسته على السرير.
يا لها من قوّة.
كتفٌ قادر على حمل امرأةٍ بالغة بسهولة، ومع ذلك لم يعد شانرو يقاوم.
“لكن، آنستي… يقولون إنّ القائد سرق الخزنة مرّةً أخرى وفرّ.”
ضحك المرتزقة ساخرين، وكأنّهم توقّعوا ذلك.
عاد الغضب الذي كاد يُنسى، فقبضت ريجينا على كتف شانرو دون وعي.
“آه! يؤلم! يؤلم!”
“آسفة… كنتُ غاضبة.”
رمقها شانرو بنظرةٍ متظلّمة، ثمّ لمح الحزن الغارق في أحد جانبي وجهها.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
Chapters
Comments
- 6 - كيف تتلقّى المرتزقُة مهمة جديدة منذ 24 ساعة
- 5 - كيف تتلقّى المرتزقُة مهمة جديدة منذ 24 ساعة
- 4 - كيف تحمي المرتزقه مَن وُكِّلت بحمايته 2026-01-03
- 3 - كيف تحمي المرتزقه مَن وُكِّلت بحمايته 2026-01-03
- 2 - كيف تحمي المرتزقه مَن وُكِّلت بحمايته 2026-01-03
- 1 - كيف تحمي المرتزقه مَن وُكِّلت بحمايته 2025-12-31
التعليقات لهذا الفصل " 5"