استمتعوا
بدا وكأنّه اختار أن يكون متفرّجًا خالصًا.
لولا أنّه هدف الحراسة، لربّما انتزعت ريجينا منه صدقةً.
فالإحساس الذي تملّكها لم يكن شعور من يؤدّي مهمّة حماية، بل شعور قردٍ يُجبر على أداء الحركات لإمتاع غيره.
شدّت ريجينا أنفاسها اللاهثة، وحدّقت بتهديد في القتلة المقنّعين.
كانت قد أسقطت اثنين لتوّها، ولم يتبقَّ سوى أربعة.
غير أنّ المشكلة أنّها لا تستطيع تركيز أنظار أربعة أزواج من العيون عليها وحدها.
وفي لحظة انشغالها بمواجهة قاتلٍ آخر، اندفع أحدهم نحو فالنتاين.
“كخ!”
لحسن الحظّ، انتبهت ريجينا في الوقت المناسب، فقطعت عليه الطريق.
لكنّها دفعت ثمن هفوتها، إذ تلقّت ضربةً على كتفها.
“مرتزقةٌ امرأة، ومع ذلك مزعجةٌ إلى حدٍّ لا يُطاق.”
“شكرًا على الإطراء، أيّها الأوغاد اللعينون.”
نزعت ريجينا الخنجر من كتفها، وانفلتت من فمها ألفاظٌ خشنة بلا تكلّف.
كانت بارعةً في الشتائم بقدر براعتها في القتال.
ابتسم فالنتاين من خلفها دون قصد، متسلّيًا بلهجتها المرتزقيّة الصريحة.
أجل، كان محقًّا حين ظنّ أنّ تلطيف لسانها مجرّد تكلّف.
“الخنجر مسموم. لن يطول بك الوقت حتّى تفقدي وعيك.”
“إذًا، علينا إنهاء الأمر قبل ذلك.”
لم تتردّد ريجينا عند ذكر السُّمّ، بل رفعت سيفها من جديد.
كانت كوحشٍ لا يعرف الخوف، لا يهدأ له بالٌ حتّى يمزّق فريسته كاملة.
راقبها فالنتاين وهي تُركَل وتُصاب، ثم تبتر ساق عدوّها في اللحظة نفسها، فتمتم بإعجابٍ خافت.
لم يرَ عزيمةً كهذه في حياته قطّ.
وبينما كانت تصدّ هجومًا أمامه، تدحرجت نحوه، فمال عليها هامسًا بنبرةٍ مغوية.
“إن تعبتِ، اتركيني واهربي. بصراحة، من ذا الذي يأسى على حياة أميرٍ مجنون، دوقٍ منبوذ؟“
كان صادقًا.
وفوق ذلك، بعد أن قاتلت إلى حدّ التمزّق من أجله، ظنّ أنّه لن يلومها لو تركته ومضت.
لكنّ ريجينا غرست سيفها في الأرض، ونهضت رغم كلّ شيء.
“أنتَ مهمّ بالنسبة إليّ الآن. لأنّك هدف المهمّة.”
“إلى هذا الحدّ تفعلين لأجل عقدٍ واحد؟ بوسعك قبول أعمالٍ أخرى كثيرة.”
لم يفهم لماذا تتصرّف هذه المرأة على هذا النحو، وقد كانت حياتها على المحكّ.
غير أنّها، لانشغالها بترقّب الأعداء، لم ترَ الابتسامة العالقة على وجه الأمير.
“تبًّا. لو تخلّيتُ عن المهمّة هنا بلا مسؤوليّة، فسيُوصَم جميع المرتزقة بعدم المسؤوليّة. وأنا أكره ذلك… أكثر من الموت.”
زمجرت ريجينا وهي تبصق الدم المتجمّع في فمها.
وُلدت ابنةَ مرتزق، وسلكت طريق المرتزقة كأنّه قدرٌ محتوم.
وكان يؤلمها احتقار النبلاء لهم ومعاملتهم الدونيّة.
لذلك أرادت أن تُثبت قيمتهم بيديها.
حتّى وإن كان طريقًا لا يُطاق على جسد امرأة.
“أيتها اللعينة البغيضة!”
رفعت ريجينا سيفها مرّةً أخرى.
واعترف فالنتاين في قرارة نفسه.
هذه المرأة العاميّة العنيدة كانت، في كبريائها، أسمى من أولئك الذين لا يفعلون سوى تحريك ألسنتهم في القصر الإمبراطوريّ.
كانت عزيمتها وحدها كافيةً لسحق شرف السلالات.
‘مذهلة…’
وبينما أدار فالنتاين معصمه بهدوء، تمكّنت ريجينا من إسقاط قاتلٍ آخر، وبتر ذراع خصمٍ بجانبه.
غير أنّ السُّمّ بدأ يتسلّل إلى جسدها.
ارتجف كتفها ارتجافًا خفيفًا، ولم تعد قادرةً على تفادي لكمات العدوّ.
‘مجالي البصريّ…!’
وفي النهاية، سقطت أرضًا.
“هوو… هوو. أيتها المرتزقة الحقيرة. لن أقتلك الآن، بل سأقتادك معي. ثمن رفاقي الذين قتلتِهم، وثمن ذراعي المقطوعة، سأستوفيه من إذلالك.”
لا… لا تغلقي عينيك.
حاولت ريجينا التمسّك بوعيها المتلاشي، لكنّ الرؤية بدأت تبهت.
حتى برودة الأرض الصاعدة إلى جسدها أصبح بعيد.
تبًّا.
ومع شتيمةٍ مطحونة بالغضب، فقدت وعيها أخيرًا.
***
“أخيرًا سقطت هذه اللعينة. كم من رفاقنا فقدنا بسببها؟“
“هيا، لنتخلّص من الهدف سريعًا. تكبّدنا خسائر فادحة.”
“لكن… أليست هذه ريجينا روفمان؟ إن قتلناها هكذا، ستطاردنا بيرسونا. وسيتحرّك غيلّان لوفمان أيضًا.”
“غيلّان روفمان؟ نمرٌ منزوع الأنياب. أهذا ما يخيفك؟“
“…اصمتوا. أوّلًا نُنهي الهدف. اقتلوا هذا المجنون قبل أن يُصاب بنوبة.”
توجّهت أنظار القتلة الثلاثة الباقين إلى فالنتاين.
كانت أجسادهم منهكةً من ضربات ريجينا وجراحها، لكن قتل أميرٍ أعرج مجنون لم يكن ليشكّل صعوبة.
“أحقًّا نقابة المرتزقة بيرسونا بهذه الخطورة؟“
“يبدو أنّه مجنون فعلًا. في موقفٍ كهذا، يسأل عن أمورٍ كهذه.”
اقترب القتلة منه.
غير أنّ فالنتاين، على نحوٍ غريب، كان يقترب هو الآخر بالقدر نفسه.
وبفارق خطوةٍ واحدة فقط، أصبحوا على مقربةٍ قاتلة.
كانوا يضحكون من الأمير المجنون، قبل أن يدركوا متأخّرين حقيقةً أجمَدت دماءهم.
“لماذا يمشي على مهلٍ… كخ!”
الرجل الذي رُفع عن الأرض من عنقه حدّق في فالنتاين بعينين مذهولتين.
شعر الآخرون بالخطر، فتراجعوا على عجل.
“قيل إنّه لا يستخدم إحدى ساقيه! وقيل إنّ وعيه مضطرب!”
“هو مجنون فعلًا.”
حين أغمض فالنتين عينيه، عاد يسمع أنفاس أمّه اللاهثة، الجائعة المرتجفة من البرد.
وتذكّر وصيّتها بأن يلعق الندى المتجمّع على الجدران الخشبيّة ليبقى حيًّا.
هناك، تظاهر بالجنون ليبقى على قيد الحياة.
والآن، يتظاهر بالجنون ليقتل.
إذًا، لا شكّ أنّه مجنون بحقّ.
لكنّه لم يكن ودودًا إلى حدٍّ يجعله يسرد ماضيه البائس لقتلةٍ سيموتون بعد لحظات.
ألقى فالنتاين بالقاتل الذي كان يرفعه بيدٍ واحدة، ثم التقط السيف الذي كانت ريجينا تقبض عليه بإحكام.
كان الأمر خاطفًا.
الزمن الذي استغرقه فالنتاين للقضاء عليهم لم يكن أطول من اللحظة التي تستغرقها ورقة شجرٍ لتلامس الأرض.
سأل الرجل الوحيد الذي كان لا يزال يتنفّس بصعوبة.
“الترياق؟“
“لِمَ تخفي هذه القوّة…؟“
“في البداية، لأبقى حيًّا. والآن، لأقتل. لكنّي سألت عن الترياق.”
“آآآه!”
داس فالنتاين على كتف الرجل الملقى تحته.
وعلى الجرح المفتوح، اشتعل الألم كالنار، فصرخ صرخةً مدوّية.
“إن أخبرتك… هل تُبقيني حيًّا؟“
“لا. لكن سأمنحك موتًا مريحًا.”
أطلق القاتل ضحكةً جوفاء، وهزّ رأسه.
راوده أن يتوسّل، لكن عيني فالنتاين البنفسجيّتين، الممتلئتين بالبرود والجنون، كانتا خاليتين من أيّ رحمةٍ زهيدة.
لم يكن الموت ما يخيفه، بل موتٌ مُذِلّ تحت التعذيب.
“يجب أن تشرب دمًا نقيًّا. واسقِها الجرعة الزرقاء في جيبي الداخليّ.”
أنهى فالنتاين عذابه بدقّةٍ تشبه الإشفاق، ثم فتّش ملابسه الدافئة بعد موته، وأخرج القارورة.
فتح فم ريجينا بيده، وتردّد لحظة.
هل ينقذها؟ أم يتركها؟
تجوّلت عيناه البنفسجيّتان على جسدها، قبل أن تستقرّا على كتفها الغارق بالدم.
فتح القارورة وسكب السائل بين شفتيها الممتلئتين، ثم أمسك فمها.
“ابتلعي.”
وبانسداد فمها والسائل يملؤه، ابتلعت ريجينا غريزيًّا.
بعدها، فتح فمها مرّةً أخرى، وشقّ فالنتين ذراعه بالسيف.
قطرةً بعد قطرة، سال الدم القاتم إلى فمها.
نظر إليها شاردًا وهي تتلقّى دمه.
ثم أمسك فمها مجددًا، وأجبرها على البلع كما فعل مع الدواء.
‘هل طعم دمي سيّئ إلى هذا الحدّ؟‘
ابتسم فالنتاين ساخرًا حين رأى ريجينا، رغم إغمائها، تعبس ملامحها.
مسح الدم العالق على شفتيها، ولعق إصبعه بدافع فضولٍ لا طائل منه.
كان الطعم كافيًا ليجعله يعبس.
“سمو الدوق!”
قفز توماس عن صهوته، وقد وصل مذعورًا وهو يشهر سيفه.
سخر فالنتاين من هرولته المتأخّرة، وأعاد السيف إلى يد ريجينا، دافعًا إيّاه بين أصابعها واحدًا واحدًا.
كانت راحة يدها مليئةً بالمسامير والجلد القاسي، لكن أصابعها المستقيمة جعلت يدها جميلةً على نحوٍ ما.
حتى لو أمسكت جوهرةً بدل السيف، لبدت ملائمةً لها.
“…هل فعلتَ هذا بنفسك؟ هل تأكّدتَ من القضاء عليهم تمامًا؟“
“نعم. فلنقل إنّ من أنهى الأمر ليس أميرًا أعرج، بل الفارس توماس.”
تمدّد فالنتاين على الأرض مقابل ريجينا.
وحين نظر إلى وجهها عن قرب، لاحظ رموشها الكثيفة أخيرًا.
أنفها مستقيم، وشفاهها ممتلئة.
أمّا لون عينيها… أكان أزرق صافٍ كلون بحيرة؟
“أيمكنني أن أسأل عمّا تفعله؟“
“ألا ترى؟ أمثّل دور رجلٍ أغمي عليه خوفًا من القتلة.”
ما الذي يُفترض أن يُفهَم من هذا المشهد؟
أمسك توماس رأسه.
لن يطيعه إن حاول إيقاظه، ولن يفهمه إن حاول الفهم.
“هل هذه المرأة… ماتت؟“
“لا. إنّها فاقدة الوعي فحسب.”
أغمض فالنتاين عينيه، وشعر باهتزاز الأرض.
كان واضحًا أنّ الفرسان القادمين على ظهور الخيل قد اقتربوا.
تجاهل تنهيدة توماس من خلفه، وتمتم بصوتٍ خافت.
“ريجينا روفمان.”
امرأةٌ كهذه…
لا بدّ أنّها ستكون نافعةً يومًا ما.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 3"