2 - كيف تحمي المرتزقه مَن وُكِّلت بحمايته
استمتعوا
“تبًّا لكِ، ريجينا!”
“سمو الدوق!”
تبعثر الدخان مع الريح، وارتفع صوتُ من قضوا على الخونة جميعًا وهم ينادون الاسمين بصوتٍ جهوريّ.
غير أنّ ما عاد إليهم لم يكن سوى صدى يتردّد في الغابة الكثيفة.
“تبًّا… ريجينا….”
“مهلًا! هل أنت تبحث عن مرتزِقة بدلًا من هدف الحراسة؟!”
“نبحث عن هدف الحراسة أيضًا! ألسنا مطالبين بالبحث عن رفاقنا كذلك؟!”
“هاه! لهذا السبب لا يُؤتَمَن المرتزقة!”
“وهل أنتم إذن بارعون إلى هذا الحدّ حتى تُخانوا؟ ممّا رأيتُ، كنتم أقلّ مهارةً من مرتزقتنا!”
“ماذا قلتَ؟ أتتجرّأ على إهانة فرسان الإمبراطوريّة؟!”
أشهر غايل، عضو نقابة بيرسونا، وسحب توماس، الفارس الإمبراطوريّ، سيفيهما في وجه بعضهما.
كان الغضب التائه، المنبعث من خوف فقدان العزيز، قد انحرف فجأةً ليُوجَّه بعضه إلى بعض.
وبدأً منهما، استلّ المرتزقة وفرسان الإمبراطوريّة سيوفهم تباعًا.
لو وقعت هفوةٌ صغيرة واحدة فقط، لقطع بعضهم رقاب بعض.
“كفى! توقّفوا جميعًا. أليس هذا وقت الاقتتال بيننا؟!”
تقدّمت المرتزقة روزي بشجاعة لتقف بين الطرفين.
كانت عيناها الواسعتان، القلقتان كعيني أرنب، ممتلئتين بالدموع من شدّة القلق على ريجينا.
“أوّلًا، لم نعثر على جثّتَي الآنسة ريجينا ولا سمو الدوق، وتحت الجرف نهرٌ جارٍ. والآنسة كانت ترتدي تعويذةَ حمايةٍ قادرة على تحمّل انفجارٍ كهذا!”
“أتقصدين أنّ تلك المرتزقة قفزت بالدوق إلى الماء لتحميه؟“
ارتعش حاجب غايل عند سؤال توماس.
لم يُعجبه ذلك الفارس منذ البداية، إذ كان ينظر بازدراءٍ لمجرّد كونهم مرتزقة.
وفوق ذلك، ها هو يستخفّ بريجينا، ابنة ملك المرتزقة وركيزة بيرسونا.
راوده شعورٌ جارح بالرغبة في شطره نصفين حالًا.
وبصراحة، بدا الأمر ممكنًا.
“نعم، لو كانت الآنسة ريجينا، لفعلت ذلك دون شكّ.”
ذلك الكبرياء المرتزقيّ، بل وحتى مناداة امرأةٍ ليست نبيلةً بـ‘آنسة‘، بدا لتوماس مثيرًا للسخرية.
أطلق شخيرًا ساخرًا، لكنه لم يستطع التخلّي عن الأمل، فغمد سيفه على مضض.
“سيّد غايل، إن كانت ريجينا، فلا بدّ أنّها نجت وتتّجه نحو المصبّ.
علينا أن نلحق بها.”
“…نعم، علينا أوّلًا اختيار من يستطيع الانطلاق فورًا.”
ألقى غايل نظرةً حوله، ثم لمح مرتزقةً مصابين فتقدّم إليهم.
لم تبدُ إصاباتهم خطيرة، غير أنّ استمرارهم في تسلّق الجبل قد يصبح عبئًا.
“عودوا أنتم أوّلًا. سنتولّى الباقي.”
“لكنّنا ما زلنا ضمن المهمّة.”
“ريجينا شديدة الحساسيّة تجاه إصابة المرتزقة منذ حادثة الهجوم السابقة. أتقدرون على إغضابها وتحمل عواقب ذلك؟ أنا لا أقدر.”
“…ولا نحن.”
هزّ المرتزقة رؤوسهم فورًا، وهم يتخيّلون ملامح غضبها.
بل إنّ التفكير بالعقوبة المحتملة إن علمت أنّ المهمّة فشلت بسبب إصاباتهم كان مخيفًا بحدّ ذاته.
“لدينا عددٌ كافٍ لإتمام المهمّة حتى دونكم. عودوا قليلًا إلى أسفل الجبل، فستجدون قرية. تلقّوا العلاج ثم ارجعوا إلى بيرسونا وانتظروا.”
“نعم. أرجوكم أن تنقذوا الآنسة ريجينا. كما قالت روزي، لا بدّ أنّها على قيد الحياة.”
انحنى المرتزقة وهم يعرجون في مشيتهم.
كان غايل يبتسم متكلّفًا، غير أنّ القلق كان ينهش قلبه.
فقد هرب بعض القتلة مستغلّين الدخان الكثيف، وحالة ريجينا بعد الانفجار والتدحرج من الجرف لا يمكن أن تكون سليمة.
“هيا، فلننطلق بسرعة!”
وبإلحاح غايل، حمل المرتزقة أسلحتهم من جديد.
***
كان فالنتاين، الذي يسير خلف ريجينا، يراقبها بعناية.
ظهر المرأة، وقد رفعت شعرها بلون القمح الناضج إلى أعلى، لم يكن يبدو كبيرًا للناظر.
لكنّ القوّة التي عانقته بها وسط الانفجار كانت صلبة على نحوٍ مفاجئ.
‘هل يمكنني الوثوق بهذه المرأة؟‘
حتى أولئك الذين خانوا فرسان الإمبراطوريّة ليقتلوه كانوا يعجّون في الأرجاء.
ومرتزقةٌ لا تعمل سوى لأجل المال لا يمكن عدّها آمنة تمامًا، خصوصًا في غابةٍ كهذه، حيث يصعب العثور حتى على جثّةٍ متيبّسة.
“مهمّتي هي حراسة سمو الدوق. لا غير.”
قالت ريجينا ذلك فجأةً، وكأنّها قرأت ما يدور في ذهنه.
“ظننتُ أنّك قد تشعر بالقلق. بما أنّك مضطرّ للاعتماد عليّ وحدي، أحببتُ أن أوضّح الأمر.”
إذًا، لم تكن سوى لفتةٍ زائدة عن الحاجة.
ارتخى كتفا فالنتاين بعد أن أدرك أنّها أصابت كبد الحقيقة وأربكته.
كانت امرأةً غريبةً من كلّ وجه.
دخولها العربة وسط الانفجارات المتتالية لتعانقه وتحميه لم يكن تصرّفًا مألوفًا.
“وللعلم فقط، لا أحبّ التفاخر، لكن رتبة المرتزقة لديّ ذهبية، من بين البرونزيّة والفضّيّة والذهبيّة والبلاتينيّة. على الأقلّ، أنا أفضل من العامة.”
“أم تخشين أن أُصاب بنوبة هلع وأبدأ بالصراخ؟“
“…لا أستطيع إنكار ذلك تمامًا.”
انفلتت من فالنتاين ابتسامةٌ خفيفة، كأنّ نسمةً بعثرتها.
كانت صراحتها الغريبة مضحكةً على نحوٍ غير متوقّع، فأثار فضوله ما تكون قد سمعته عنه.
“وما الذي سمعتِه؟“
لا بدّ أنّه يقصد الشائعات عنه.
تردّدت ريجينا.
لم يكن يبدو ممّن ينتفخ كبرياءً بصفته من سلالةٍ إمبراطوريّة، لكنّ التفوّه بما لا يليق ليس أمرًا هيّنًا.
“إنّما أسأل بدافع الفضول. لنقل إنّه حديثُ طريق.”
“إذًا، هل أكون صادقة؟“
رغم أنّها كانت صادقة طوال الوقت، فإنّ تذرّعها الآن باللطف بدا مضحكًا مجددًا.
أدرك فالنتاين أنّ صمته سيُفهَم منها على أنّه موافقة.
“…سمعتُ أنّك إذا شعرتَ بالقلق تصيبك نوبات، وتلقي بالأشياء.
وقيل إنّ كثيرين أُصيبوا بسبب ذلك. وقيل أيضًا إنّك ترى ما لا يراه الآخرون، ولهذا أنت شديد الحساسيّة.”
“يقال إنّ المرتزقة فظّو اللسان، لكن يبدو أنّ الأمر ليس كذلك دائمًا.”
دهشه ذلك اللطف الذي صاغت به ريجينا سمعة كونه غير سويّ، يرى الأوهام ويتصرّف بعنف.
كان يظنّها مجرّد امرأةٍ جامدة الملامح، كقطعة خشب.
“هل سبق لك أن تعاملتِ مع مرتزقة؟“
“على نحوٍ عابر.”
“فلنسترح قليلًا.”
حتى إنّها لاحظت أنّه يجرّ ساقه ويكاد يختنق أنفاسه، فتظاهرت بمسح العرق قبله.
كان زفيرها هادئًا، ولم يكن على جبينها عرق.
ما تساقط لم يكن سوى قطرات ماء من شعرٍ لم يجفّ بعد.
‘حسنًا أنّ الماء كان نقيًّا.’
مدّت ريجينا يدها إلى الجدول الجاري.
بسبب الجذور البارزة، كان الإرهاق شديدًا إلى حدّ يستدعي التفكير بالجفاف.
“أتودّ أن تشرب؟“
غرفت الماء بكفّها وسألت فالنتاين، الذي كان حركته صعبة.
جلس لحظةً متردّدًا، ثم أومأ برأسه.
“إن احتجتَ المزيد، فأخبرني.”
راقبت ريجينا فالنتاين وهو يشرب من كفّها بصمت.
بصراحة، لم ترَ قطّ وسامةً تُضاهي وسامة غايل، لكن هذا الرجل كان في مستوى آخر.
حتى وهو مغطّى بالتراب والغبار، كان يشعّ نورًا، فكرةٌ سخيفة لكنها فرضت نفسها.
ثم إنّ شفتيه اللتين لامستا كفّها كانتا ليّنتين على نحوٍ مدهش، ولسانه الأحمر، الذي لاحق آخر قطرات الماء، بدا… لحظة، لسان؟
“هيه!”
سحبت ريجينا يدها بسرعة، فحدّق بها فالنتاين بنظرةٍ متبرّمة.
أصابها الذهول.
أليس من الطبيعيّ أن يفزع المرء إذا لُعِقَت يده؟
لكنّ فالنتاين ظلّ ينظر إليها ببرود، وكأنّه يتساءل عمّا المشكلة.
كان في عينيه شيءٌ من البراءة الطفوليّة، جعلها تشعر كأنّه فرخٌ خرج لتوّه من البيضة.
مع أنّه كان ضخم الجسد، قويّ البنية، وكأنّ الغطرسة مغروسةٌ فيه غريزةً.
“عذرًا… لقد فُزِعتُ فقط. علينا متابعة السير.”
تنفّس فالنتاين بعمق، ثم نهض مستندًا إلى غمد سيفه.
كان مجرى الماء يضحُل شيئًا فشيئًا.
ولو واصلوا السير قليلًا، لوصلوا إلى المصبّ.
تقدّمت ريجينا تلقائيًّا، واختارت طريقًا يسهل على فالنتاين، رغم إعاقته، أن يطأه.
غير أنّها شعرت بحركةٍ مريبة حين دخلا منطقةً كثيفة الأشجار على نحوٍ خاص.
“سمو الدوق، ألا ترى أنّه من الأفضل أن نتبادل الأسلحة الآن؟“
أخرجت ريجينا خنجرًا من صدرها، وأخذت من فالنتاين السيف الطويل.
كم عدد الذين يترصّدون الآن، يلهثون كضباع؟
ازدادت عينا ريجينا، الشبيهتان بعيني قطّ، حدّةً.
القتال دفاعًا عن شخصٍ آخر أصعب من القتال وحيدًا.
وفوق ذلك، قد يكون الخصم جماعة، ولا يمكنها أن تتركه يفرّ وحده وهو عاجز الحركة.
لكنّها كانت مرتزقةً لا تعرف الاستسلام.
“اخرجوا جميعًا!”
مع صرختها المهدِّدة، ظهر القتلة المختبئون خلف الأشجار، كأنّهم كانوا ينتظرون الإشارة.
ضحك فالنتاين بخفّة وهو يرى القتلة يتساقطون كالمطر.
كان من الواضح من يقف خلف هذه المسرحيّة.
‘يبدو أنّ الإمبراطورة لم تعد تحتمل حتى الأمير المجنون.
أترسل قتلةً إلى أميرٍ أعرج خرج من القصر طوعًا؟‘
مرّر فالنتاين أصابعه على الخنجر البالي الذي سلّمته إيّاه ريجينا، وهو يفكّر.
إلى متى تستطيع تلك المرتزقة الصمود أمام هذا العدد؟
هل عليه أن يتدخّل؟
هل الأمر يستحقّ؟
لمحت ريجينا نظرته وهي تخوض القتال ببسالة.
لم يكن على وجهها خوف ولا دهشة.
“أخ!”
“إن أردتم ما جئتم لأجله، فعليكم قتلي أوّلًا!”
وإذ رأى ريجينا تقاتل أمامه بتلك الشراسة، طوى فالنتاين تردّده.
لسببٍ ما، أراد أن يواصل مشاهدة قتالها.
كانت مهارتها، العنيفة والدقيقة في آنٍ واحد، مشهدًا نادرًا يستحقّ الترقّب.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
Chapters
Comments
- 4 - كيف تحمي المرتزقه مَن وُكِّلت بحمايته 2026-01-03
- 3 - كيف تحمي المرتزقه مَن وُكِّلت بحمايته 2026-01-03
- 2 - كيف تحمي المرتزقه مَن وُكِّلت بحمايته 2026-01-03
- 1 - كيف تحمي المرتزقه مَن وُكِّلت بحمايته 2025-12-31
التعليقات لهذا الفصل " 2"