ما إن بزغ الفجر حتّى كان قصر الدوقيّة يعجّ بحركة تنظيف غرفة السيّدة.
كانت غرفة زوجة الدوق قد أُعدّت إلى جوار غرفة رئيس الأسرة.
في الأصل، كان ينبغي استخدام غرفة الزوجين المتّصلة ببابٍ صغير في المنتصف، غير أنّ تعليمات آلين الطبيّة، التي حذّرت من خطورة نوبات فالنتاين، حالت دون ذلك.
“رئيسة الخدم، هذه الستائر لم تعد صالحة للاستعمال.”
اقتربت وصيفة صغيرة، كانت تلوّح بمنفضة الغبار، من فينيت التي شبكت ذراعيها بإحكام، وأشارت إلى الستائر الممزّقة.
“حسنًا، سأتحمّل الأمر. ابحثي الآن عن ستائر سليمة من غرفة أخرى وبدّليها، أو خيّطي هذا الجزء فحسب.”
رغم رضاها عن عثورها على ذريعة جديدة لاختلاس الأموال، ظلّ قلب فينيت مثقلا بالضيق.
ففي الغد، سيتعيّن عليها أن تنادي تلك المرأة الوضيعة بلقب السيّدة.
‘هناك عائلات تُدخل عاهرةً عشيقة لها. لكنهم، على الأقل، ليسوا حثالة يقتلون الناس وهم ليسوا حتى فرسانًا.’
ومع ذلك، كان ما يخفّف عنها القليل من القلق هو يقينها بأنّ الخبر قد وصل، في هذه الأثناء، إلى منزل الكونت رينجير.
فالكونت شوفيل، رئيس ذلك المنزل النبيل، لن يتأخّر في القدوم إلى فالمن لمعالجة الأمر.
“أوه، يا رئيسة الوصيفات، أرى من النافذة امرأةً تنزل عن صهوة الحصان. يبدو أنها الآنسة التي ستصبح سيدتنا الجديدة.”
صفعت فينيت فم الخادمة بكفّها بقسوة، ثمّ تقدّمت نحو النافذة غير عابئة ببكاء الطفلة.
كانت ترى ريجينا وقد نزلت عن الحصان ووقفت في مواجهة توماس.
جاءت قبل الموعد بيوم، تَشه.
“إيّاكم أن تخدموا تلك المرأة دون إذني!”
تبادلت الخدم الهمس عند صدور الأمر.
ومهما كانت زوجة الدوق القادمة مرتزقةً وضيعة الأصل، فهي المرأة التي جاء بها الدوق بنفسه.
ومع ذلك، لم يجرؤ أحد على مخالفة الأمر، إذ كانت فينيت تتصرّف كأنّها صاحبة السلطة الفعليّة في القصر، وفي مكانٍ يفتقر إلى نظامٍ راسخ، لم تكن بالنسبة للخادمات أقلّ نفوذًا من السيّدة نفسها.
لم تكن ريجينا غافلة عن النظرات المتّقدة الموجّهة إليها، غير أنّ ما استرعى انتباهها أوّلًا هو توماس، الذي بدا وكأنّه يتحيّن الفرصة لافتعال شجار.
“لقد وصلتِ.”
“نعم، أرجو أن تتولّى إرشادي.”
نقر توماس بلسانه في امتعاض، وكان في نظرته نفورٌ واضح.
في كلّ مرّة ذهبت فيها ريجينا إلى القصر، لم يُبدِ لها يومًا حسن استقبال.
منذ البداية، لم يستسغ أن تبقى مرتزقة إلى جوار سيّده، فضلًا عن أن تصبح زوجة الدوق.
ولو كان فالنتاين سيّدًا أقلّ سعة صدر، لعارض الأمر بضراوة أكبر.
“بصراحة، أنتِ لا تروقين لي.”
بل الأسوأ من ذلك، أنّه صار مضطرًّا لاستخدام لغة الاحترام معها كما لو كانت من علية القوم.
كان ذلك إذلالًا.
“لا أتوقّع منك أن تنظر إليّ بعين الرضا. وأنا أيضًا جئت لأداء عملي لا غير.”
والحقّ أنّ نفوره منها لم يكن أحاديّ الجانب.
كانت خدّاه ترتعشان شوقًا لإطلاق الكلمات الجارحة، حتى كادت ترغب في لكمه.
“…لا أدري ما الذي يمكن لمرتزقة مثلكِ أن تُحسنه، لكن إن صرتِ عائقًا، فسأقطعك.”
وضع توماس يده على مقبض سيفه تهديدًا، فكادت ريجينا تسحب سيفها بدورها.
هذا الفارس الذي أمامها قويّ بلا شكّ، فقد قضى على قتلة مأجورين في وقت وجيز.
ومع ذلك، وعلى نحوٍ غريب، سيطر عليها إحساس بأنّها لن تُهزم.
لكنّها في مهمّة الآن، وعليها أن تكبح نفسها.
كان فالنتاين قد أوصى بها آلين وتوماس توصية واضحة.
كلاهما حليف موثوق.
“افعل ما تشاء. لكن إن لم تكن تنوي إرشادي، فتَنحَّ جانبًا. وجودك الآن عائق حقيقي.”
كان تجاهلًا صريحًا.
وبالنسبة لابن بارون فقير، وإن كان أصغرهم، كان ذلك استفزازًا يهزّ كرامته بقوّة.
“الآن…!”
“فكّر جيّدًا. من العائق حقًّا؟ إذا رآنا الجرذان، ورآنا الدوق، ونحن نتبادل الزمجرة هكذا، فما الذي سيخطر ببالهم؟ لا أنوي إهدار عواطفي في ما لا طائل منه.”
وأشارت ريجينا بذقنها إلى مجموعة الخدم الملتصقات بالنافذة، وبينهنّ فينيت.
وهكذا، استطاعت ريجينا أخيرًا أن تدخل القصر تحت الإرشاد.
في نظر ريجينا، ظلّ القصر على حاله من البؤس.
لكنّ وجنتي فينيت، التي التقتها عند منتصف السلّم، كانتا ممتلئتين على نحوٍ لافت.
يكفي النظر إليها لمعرفة أنّها أكثر من ينهش القصر.
“إنّ الدوق الآن…”
“لا بأس.”
تجاوز توماس فينيت، التي بدت في حيرة، ومضى مباشرة إلى غرفة فالنتاين.
كان الضجيج في الداخل شديدًا.
حتى الأصوات الحادّة وصرخات الألم كانت تخترق الباب المغلق.
“اشتعلت النار! اخرجوا جميعًا!”
فتحت ريجينا الباب مذعورة، فإذا بالمشهد جحيم خالص.
كانت خادمة صغيرة قد حُشرت في الزاوية، ترتجف خوفًا، متجنّبة فالنتاين الذي كان في نوبة هياج.
آنذاك فقط أدركت ريجينا سبب الخراب الذي يكسو جدران غرفة رئيس الأسرة.
لقد كانت شظايا الأشياء المحطّمة، بعد ارتطامها بالجدران، قد خدشت ورق الجدران.
“اخرجي. الأمر خطر.”
أخرج توماس الخادمة الصغيرة.
وقفت ريجينا في وسط الغرفة، تتأمّل فالنتاين، حافي القدمين، شعره منكوش، يرتجف بعنف.
بدت عيناه كأنّهما تلتقيان بعينيها، لكنّ نظرته كانت تخترقها إلى ما وراءها.
نظرة تطارد الخوف والكراهية.
“سأجلب الدواء. أبقي هنا في هذه الأثناء. لن تهربي لأنّ الدوق على هذه الحال، أليس كذلك؟“
فهمت ريجينا فورًا ما الذي قصده بالخطر.
إذ بدأ فالنتاين يقذفها بالأشياء.
لحسن الحظّ، لم تكن سوى وسائد ليّنة من فوق السرير.
ولو امتدّت يده إلى شمعدان أو عصا، لتحوّل الأمر إلى كارثة.
“لا أخاف، ولا أنوي الهرب.”
أخفضت ريجينا صوتها كما لو كانت تأمره بالصمت، وبدأت تتحرّك ببطء.
“النار تشتعل في جسدي!”
كان يتخبّط محاولًا إطفاء ألسنة لهب وهميّة.
اقتربت منه ريجينا دون تردّد، متجاهلة يد توماس التي حاولت منعها.
“مـ، مهلاً!”
وفي لحظة، قبضت على ذراعه وطرحت نفسها معه فوق السرير.
انقلب شعره البلاتينيّ الكثيف إلى الخلف، كاشفًا عن عينيه البنفسجيّتين الصافيتين، وقد اتّسعتا قليلًا.
نظرت ريجينا في عينيه مباشرة، وقالت بهدوء.
“لا توجد نار، يا سموّ الدوق.”
“……”
طيلة ثلاثة عشر عامًا من التظاهر بالجنون، لم يحدث قطّ أن اعتلى أحد جسده هكذا.
اكتفى فالنتاين بالنظر إليها، عاجزًا عن الحركة، وقد تجمّد تمامًا.
“هل تسمعني؟“
أومأ برأسه ببطء.
كان عليه أن يدفعها بعيدًا، وأن يعود إلى تمثيل الجنون بإتقان.
جسدها أخفّ بكثير ممّا توقّع، وكان يمكنه إزاحتها بسهولة.
لكنّه لم يفعل.
بل لم يكن يملك صفاء الذهن لذلك.
‘كنت أعلم أنّها لن تهرب، لكن…’
كانت خطّته أن يجعلها، في نظر الجرذان بالخارج، امرأة تتحمّل حتى نوبات جنون رجلٍ مجنون، فتبدو وكأنّها مثال للحبّ المخلص.
فهم لن يعترفوا بشيء بسهولة.
وكان ذلك أيضًا اختبارًا صغيرًا لريجينا.
‘لكنّ هذا الجواب… لم يخطر لي على بال.’
تزاحمت الأفكار في رأسه.
ومع ذلك، لم يستطع أن يصرف نظره عن عينيها الزرقاوين الهادئتين، فبدا له أنّه يتصرّف كالأحمق.
“أحضرت الدواء.”
دخل آلين الغرفة على عجل، وقد سمع الضجيج، واتّجه فورًا نحو ريجينا.
لو اكتشفت حقيقة فالنتاين، لكان الأمر بالغ الخطورة.
تناولت ريجينا الدواء من يده، وفتحت الغطاء، ثمّ قدّمته إلى فالنتاين.
“أعتذر لأنّي اعتليتك دون إذن. خشيتُ أن تُصاب بأذى.”
عندها فقط، لاحظ فالنتاين شظايا الكأس الزجاجي المتناثرة أسفل السرير.
ولاحظ أيضًا أنّ العيون التي كانت تتلصّص من شقّ الباب قد اختفت.
فضحك.
إنّها مرتزقة حقيقيّة، بلا شكّ.
***
بعد أن انقضت نوبة فالنتاين كالعاصفة، أُخذت ريجينا إلى غرفة زوجة الدوق.
وكما توقّعت، كانت الغرفة في حالٍ مزرية.
لم يكن في الموقد حطب يقي من البرد، وكانت الأغطية تفوح منها رائحة العتق.
لكنّ ريجينا لم تشكُ لفينيت.
ليس بعد.
فالبداية لمّا تزل.
“هل الغرفة لا تعجبكِ؟“
كان في نبرة فينيت احتقارٌ فجّ، كأنّها تقول. ‘أتجرئين؟‘
لم تجبها ريجينا، بل اكتفت بابتسامة هادئة.
‘يبدو أنّها تعرف قدرها.’
بالنسبة لتلك المرأة المتزمّتة، لم يكن المرتزقة سوى متسوّلين.
حتى هذه الغرفة البائسة لا بدّ أنّها تبدو لمرتزقة ككنزٍ من الذهب.
وإن تذمّر الدوق المجنون، فسيُعاد التنظيف عندئذٍ.
‘إدخال امرأة كهذه إلى القصر… يكفي لمعرفة مستوى الدوق المجنون.’
لكنّ فينيت كانت ستسخر مهما كان موقف ريجينا.
ولو اشتكت، لقالت. توقّعت ذلك، امرأة لا تعرف قدرها وقد كشفت أخيرًا عن جشعها.
“هذه الغرفة ذات نافذة كبيرة.”
كعادتها، تفحّصت ريجينا المكان فور دخولها.
وعند همسها هذا، هزّت فينيت كتفيها باستخفاف.
بالطبع هي كبيرة.
لكن كم يومًا ستنعم بتلك الراحة، إلى أن يصل شوفيل، رئيس منزل رينجير، بعد تلقّيه الخبر؟
عشرة أيّام؟ عشرون؟
“يمكنكِ الانصراف.”
حتى أمر الطرد بدا متغطرسًا.
خرجت فينيت دون أن تحني رأسها، وصبّت غضبها فورًا على كبير الخدم كونفي، الذي كان يمرّ في الممرّ.
“سيّد كونفي!”
“سيّدة بايمان، أفزعتِني. لِمَ هذا الصراخ؟“
“استقبال الضيوف من مهامّ الخدم، أليس كذلك؟ أيسعدك أن تُلقى هذه الأعباء عليّ؟“
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 11"