أولئك الذين لم يبلغوا رتبة الفارس، غير أنّهم يملكون من المهارة ما يضاهيها.
لا يقيمون للكرامة وزنًا كما يفعل الفرسان، بل إن دُفع لهم الأجر أقدموا على كلّ شيء.
ولهذا قوبلوا بازدراء الناس ونفورهم.
“كما ترين، ليس كلّ الفرسان الإمبراطوريين لامعين كما يُشاع. الجميع يتهامسون بأن الأمير الذي سيغادر القصر هذه المرّة إنما يُلقى به جانبًا. أترين؟ لعلّ هذه الكآبة سببها ذلك.”
“اخفضي صوتك. أغلب الفرسان الإمبراطوريين نبلاء، وحتى إن وُجد فيهم من هو من العامّة، فليسوا من عامّتهم.”
وبتوبيخ ريجينا، أطبقت روزي فمها، غير أنّها لم تستطع أن تمنع نفسها من إلقاء نظرات خاطفة إلى العربة التي يستقلّها الدوق.
وعلى خلاف ريجينا، ابنة ‘غيلين روفمان‘ الملقّب بملك المرتزقة، والتي سارت في دروب الارتزاق طويلًا، كانت روزي مبتدئة ترى في كلّ شيء ما يثير دهشتها.
وبما أنّها ظلّت طيلة المهمّة مشرقة كجروٍ صغير، عقدت ريجينا العزم على أن تُحكم تأديبها ما إن يعودوا إلى بيرسونا.
فالتراخي، مهما بدا الموقف مثيرًا، أمر لا يُغتفر.
‘بل الأغرب من ذلك كلّه، كيف لرجل مصاب بجنونٍ عارض أن يصبح سيّد إقليم؟ بل وكيف يُعوَّض نقص حراسه الإمبراطوريين بمرتزقة؟‘
في هذا اليوم، يخرج الأمير المصاب بالجنون من القصر الإمبراطوري متّجهًا إلى فالمين.
لقد أُلبس لقب دوق يوليوس، وأُلقي به ليحرس أرضًا قاحلة لم تنل رضوان الحكام، فأضحى ككلب حراسةٍ منبوذ. وتقول الشائعات إن حاله لا تختلف كثيرًا عن داء الكَلَب.
‘أهو حقًّا أمير متروك؟‘
بيرسونا، نقابة المرتزقة التي تقبل أيّ تكليف. بمهارة صلبة لا تعرف الشفقة، تولّوا الحراسة وأعقد المهمّات، شرط أن يُدفع لهم الأجر السخي.
ومع ذلك، حتى ريجينا، القائدة الفعلية لبيرسونا، لم يسبق لها أن أوكلت بحماية فرد من العائلة الإمبراطورية نفسها، فضلًا عن أن يتمّ ذلك جنبًا إلى جنب مع فرسان إمبراطوريين متوشّحين عباءات فاخرة.
وفجأة، راودتها فكرة غريبة. بدت لها تلك العربة الضخمة المتلألئة موحشة على نحوٍ مثير للسخرية.
“الجميع انتبه! راقبوا الأمام!”
صرخ أحد الفرسان حين اختلّ صفّ الموكب، وكان صوته المتكرّر يزيد الجوّ ثقلاً وكآبة.
‘لو كان الأمر في غير هذا الظرف، لتردّدتُ في قبول هذه المهمّة.’
لكنّ ضيق حال النقابة المتفاقم دفع ريجينا إلى التقاط أيّ تكليف يُعرض عليها.
وكلّما فكّرت بالأمر، بدا واضحًا أن السبب يعود إلى ذلك الوغد الغامض الذي أفسد عدّة مهمّات لبيرسونا مؤخرًا، بينها أكثرها أجرًا. ومع ذلك، لا يخلو الأمر من نصيبٍ من لوم الأب الطائش.
ابنة غيلين، ملك المرتزقة، نشأت ريجينا منذ ولادتها وسط المرتزقة، وحملت السيف منذ العاشرة، فوسّعت نفوذ بيرسونا بيديها. كانت النقابة صندوق حياتها الثمين، ولهذا بذلت أقصى جهدها في كلّ تكليف.
“كمين!”
“الجميع اسحبوا أسلحتكم! إنهم قتلة!”
“مرتزقة بيرسونا، ارفعوا سيوفكم! احموا الهدف!”
مع صرخة ريجينا، استلّ أعضاء بيرسونا أسلحتهم. خرج القتلة من خلف الأشجار ومن الحفر المعدّة سلفًا، كأنهم خفافيش أو خلود.
“آخ!”
“الهدف أوّلًا!”
صرخت ريجينا مجددًا وهي تجهز على قاتلٍ كان يزحف نحو العربة. فاندفع بعض الفرسان الإمبراطوريين، الذين كانوا يقاتلون القتلة، نحو العربة.
‘ما أبطأ هؤلاء الذين يسمّون أنفسهم فرسانًا إمبراطوريين!’
ظنّت ريجينا أنهم بالطبع حرّاس الأمير، إلى أن استلّوا أسلحتهم وانقضّوا على العربة فجأة.
“تنحّي جانبًا، أيتها المرتزقة، ما دمنا نُحسن القول!”
صرّت ريجينا على أسنانها وهي تصدّ رمحًا. لو كانت قد غفلت لحظة، لاخترق الرمح جدار العربة، ولنفذ إلى جسد الأمير.
“خونة؟“
“ههه، وهل يهمّ هذا الآن؟ ستموتون جميعًا أيها المرتزقة.”
لهذا لا ينبغي قبول المهمّات المشبوهة.
دفعت ريجينا ندمها جانبًا وابتسمت لهم بثقة.
“…أمتأكّدون من ذلك؟“
دفعت الرمح بعيدًا، وانزلقت إلى حضن فارسٍ ضخم، وغرست خنجرها في موضعٍ قاتل. هوى الرجل كالجبل.
وتوجّهت نصال الخونة نحوها.
“أتظنّون أن بيرسونا بلا كرامة؟ هذا مُهين.”
وأشارت بذقنها إلى من حولها.
كان مرتزقة بيرسونا في القتال كالثيران الهائجة، يطرحون الفرسان أرضًا ويذبحونهم بلا رحمة. فوضويون مقارنة بالفرسان المخلصين، لكن وحشيتهم لا تُقارن.
“اللعنة! ارموا! ارموا ذلك!”
وبقيادة أحد الخونة، قذفوا حجارة سوداء نحو العربة. صدّت ريجينا بعضها بسيفها، لكنّ بعضًا منها أصاب العربة.
لم يكن بوسعها وحدها صدّ وابلٍ كهذا، كمن يحاول تفادي المطر في عاصفة.
‘تبًّا!’
دوّى انفجارٌ هائل.
“الأمير فالنتاين!”
“ريجينا!”
تعالت الصرخات، لكنّ الدخان والحرارة ابتلعت الجميع بلا أثر.
***
متى كان ذلك؟
ربما حين أنجزت ريجينا أوّل مهمّة لها، واحتضنها غيلين وماوت، الذي كان بمثابة عمّ لها، وأغرقها بالثناء حتى بعثرا شعرها.
كلّما اعتلّ جسدها، عاد ذلك الذكرى إلى ذهنها. ولعلّها في تلك الفترة عقدت العزم على حماية بيرسونا ومرتزقتها حتى الموت.
لهذا تألّمت حين زُجّوا في الحرب، وحين أُصيبوا في الهجوم الأخير لذلك الوغد المجهول.
وكان أشدّ ما يؤلمها أنها لم تُصب ذلك الرجل بخدشٍ واحد.
تمامًا كما الآن.
“انهضي.”
فتحت ريجينا عينيها على يدٍ تهزّها، وعلى قطرات ماء تتساقط على خدّها. كان فوقها رجل.
كان شعره البلاتيني المبتلّ يقطر ماءً على وجهها.
“أوه…”
“تدحرجنا معًا من الجبل إلى الوادي. يبدو أن عظم كتفك قد تشقّق.”
نظرت إليه بلا تعبير وهي تمسك كتفها.
حينها فقط تفقّدت المكان. خرير ماء قريب. لا بدّ أنه سحبها إلى أسفل الشجرة.
“هل أخرجتني من الماء؟ شكرًا لك.”
“بل أنتِ من تمسّكتِ بي ولم تتركيني. بالكاد خرجنا من قاع النهر.”
التعليقات لهذا الفصل " 1"