4
لذلك، بالنّسبة للكونت و الكونتيسة برو، فإنّ شراء بعض الفساتين لي يُعدّ استثمارًا واضحًا. استثمار صغير يُبذل لرفع قيمة ما يملكونه قبل بيعه بثمن باهظ.
بناءً على حماسهما الواضح، ربّما تكون مفاوضات الزّواج قد بدأت بالفعل في الخفاء. و الحفلة قد تكون مجرّد ذريعة لترتيب لقاء يبدو عفويًّا.
بينما كنتُ أبدي شكري بابتسامة خفيفة، اقتربت منّي الخادمة الصّغيرة التي خُصّصت لي في هذا القصر.
“سأقوم بتجهيز الآنسة للخروج أيضًا.”
“حسنًا. أرجوكِ.”
شعرتُ بشعور غريب و أنا أراها تنحني قليلاً بأدب ثمّ تنسحب.
فمنذ أيّام قليلة فقط، كنتُ أنا في مكانها تمامًا.
* * *
كان الطّابعون يضربون على آلات الكتابة، و شخص يبحث عن آخر و هو يصرخ باسمه، و رجال شرطة يتحدّثون بأصوات جادّة، بينما يمرّ ساعي البريد و الصّحفيّون بخطى سريعة.
وسط هذا الضّجيج، كان آش يقرأ الوثائق التي تلقّاها من لويس بعناية فائقة، كأنّه لا يريد تفويت حرف واحد.
“لقد مات جميع مَنٔ كانوا داخل المبنى، لكنّ هيكل الحادث ليس معقّدًا.”
كان لويس يرى الأمر مجرّد حادث حريق ناتج عن إهمال بسيط. ربّما خطأ من خادمة أحضرتها الآنسة من إقليمها.
لكن بالنّسبة لآش، كان هناك شيء غير سلس في الحادث.
‘يقال إنّ النّار بدأت من غرفة روزالين تيسيس، فلماذا انتشرت بهذه السّرعة الغريبة؟’
ما الذي يمكن أن يكون مادّة قابلة للاشتعال في غرفة آنسة نبيلة؟
لو بدأت النّار من المطبخ مثلاً، لكان هناك تفسير محتمل، لكن في غرفة لا يوجد فيها سوى مصباح زيتيّ على الأكثر، لماذا…؟
ولم يكن هذا الشّيء الوحيد الذي يعلق في ذهنه.
جثتا البارون و البارونة التي عُثر عليهما أمام باب غرفة روزالين، يمكن القول إنّهما ماتا و هما يحاولان إنقاذ ابنتهما.
لكن جثتيّ الخادم و الخادمة اللّذين عُثرا عليهما داخل غرفة الآنسة، و جثة الخادمة التي عُثر عليها في غرفتها الخاصّة، كانت غير مفهومة.
‘لماذا لم يخرج الجميع من غرفهم؟’
خاصّة الخادمة في الطّابق الأوّل. يُعتقد أنّ النّار بدأت في الطّابق الثّاني، لذا كان من الطّبيعي أن تهرب الخادمة التي كانت في غرفتها بالطّابق الأوّل إلى الخارج. لكنّها ماتت داخل غرفتها.
‘الأمور لا تترابط على الإطلاق.’
بعد أن انتهى آش من قراءة الوثائق، توقّفت أنامله عند اسم روزالين تيسيس، الشّخص الوحيد الذي نجا من بين كلّ مَنٔ كان هناك.
هي أيضًا غريبة بنفس القدر.
‘لماذا نجت هذه المرأة وحدها؟’
ربّما كان الأمر صدفة حقيقيّة. كما هو مكتوب هنا، خرجت للتنزّه وحدها، فنجت بمحض الحظّ.
و ربّما أيضًا، لم تكن صدفة.
أوّلاً، نقل آش النّقاط المهمّة إلى دفتر ملاحظاته.
في تلك اللّحظة، اقترب الرّقيب غريك نورمان بوجه محرج.
“المحقّق ماكالين. سمعتُ أنّ حادث حريق منزل برو في المدينة قد أُحيل إليكَ.”
“نعم، لكن ما الأمر؟”
“هناك بعض التّداخل مع قضيّتنا.”
سلّمه ملفّ قضيّة رقيق.
“إيما هامبتون، التي كانت خادمة في عائلة البارون، مفقودة، و يبدو أنّها متورّطة في الحادث.”
“…هل تمّ فصل هذه الخادمة قبل أسبوع من الحادث؟”
في الوثائق، كانت إيما قد غادرت المنزل بالفعل و قضت ستّة أيّام في زنزانة الشّرطة. ثمّ في اليوم الأخير لمهلة التّعويض، والذي صادف يوم اندلاع الحريق في منزل المدينة، قدّمت كفالة بثلاثة ملايين غيلدن و حصلت على يوم حرّية واحد.
“نعم. في يوم الحادث، طلبت الكفالة قائلة إنّها ستحاول جمع التّعويضات، فأطلقنا سراحها لـ24 ساعة، لكنّها لم تعد.”
تابع غريك شرحَه وهو يحكّ خدّه بإحراج.
في البداية، اعتقدوا أنّها هربت خوفًا من عدم قدرتها على الدّفع، لكن بعد اندلاع الحريق في القصر، تذكّروا أنّها قالت إنّها ستحاول اقتراض المال من البارون و زوجته.
“أصبحت مشتبها بها في أنّها أضرمت النار عندما لم تسر الأمور كما أرادت. في الواقع، كانت تدّعي أنّ المسؤولة عن تعويض الفستان ليست هي، بل آنسة ذلك المنزل.”
“هل تقصد أنّها اتُّهمت كذبًا؟”
“ربّما أُلقيت التهمة عليها. إذا استجوبتَ الآنسة هيذر دارتمور الّتي قدّمت الشّكوى، قد نعرف المزيد.”
عبس آش قليلاً و سأل:
“لماذا لم يتمّ استجوابها إلّا الآن؟ مرّ أسبوع منذ اعتقال إيما هامبتون، ما الذي كنتم تفعلونه خلال ذلك؟”
“هـ، هذا، حسنا…”
“هل اعتقلتَ إيما هامبتون بناءً على كلام الآنسة تيسيس فقط؟”
“لكن الظّروف تشير إلى ذلك. و التي قدّمت الشّكوى هي الآنسة هيذر دارتمور أيضًا.”
“و ما سبب الاعتقال؟ إذا كانت مهلة التّعويض أسبوعًا، أليس من غير القانونيّ اعتقالها قبل انتهاء المهلة؟”
“آه، من أين لخادمة جاءت للتوّ من الرّيف أن تملك 50 مليون غيلدن؟ منح أسبوع هو مجرّد كلام فارغ.”
كان غريك يدافع عن النّبلاء فقط. لم يهتمّ أحد بمصير إيما هامبتون الّتي دُمّرت حياتها بسبب صراع بين آنستين نبيلتين.
آش أيضًا لم يكن يشعر بمسؤوليّة مقدّسة لإنقاذ الضّعفاء. فقط كان يحتقر منظّمة الشّرطة الّتي غالبًا ما تفوت جوهر القضيّة بسبب نظرتها المنحازة.
“…اترك الوثائق هنا و اذهب. قد تكون دليلاً في حادث الحريق.”
“حسنًا.”
غادر غريك و هو محرج.
نظر آش إلى ظهره قليلاً، ثمّ عاد إلى الوثائق.
‘اعتقد الجميع أنّ إحدى الجثث في موقع الحريق هي إيما هامبتون. لويس لم يعرف أنّها فُصلت، و غريك اعتقد ذلك لأنّها قالت إنّها ستذهب لاقتراض المال من هناك. لكن بوضوح…’
جالت عيناه بسرعة بين السّطور.
‘لا يوجد دليل قاطع على أنّها فعلاً إيما هامبتون، أليس كذلك؟’
كتب آش هذا الشّكّ في دفتر ملاحظاته.
يبدو أنّه يجب عليه فحص الجثث المستعادة و الموقع بشكل أكبر.
* * *
بعد عشرة أيّام فقط من الحديث عن الحفلة، كنتُ أرتدي فستانًا رائعًا اشترته لي زوجة الكونت برو، بينما كنا نتجه إلى منزل عائلة الكونت ماكالين.
لو رآنا أحد، لظنّ أنّني ابنتهما، و هذا بالضّبط ما يريدانه.
“هل هذا منزل عائلة ماكالين؟”
“نعم. عائلة ماكالين عريقة و مرموقة جدًّا. لن يضرّكِ أبدًا أن تتركي انطباعًا جيّدًا.”
بالتّأكيد. مهما قيل إنّ مكانة النّبلاء ليست كالسابق، فإنّ المناصب المهمّة في البلاد محتلّة بالكامل من قبلهم، و كونت مثل هذا يُعدّ صاحب نفوذ كبير.
مجرد رؤية القصر الشّبيه بالقصر الملكيّ كافٍ ليُشعر المرء بالرهبة.
“هل هناك شيء يجب أن أعرفه مسبقًا؟”
“يكفي أن تبقي إلى جانبي و تحسني التّحيّة. آه! تذكّري هذا جيّدًا.”
أخفض الكونت برو صوته قليلاً و قال:
“في هذا المنزل ثلاثة أبناء، و الصّغير منهم وُلـد خارج إطار الزّواج. لذا، تجنّبي ذكر الابن الأصغر قدر الإمكان أمام السيّدة ماكالين.”
“لن يكون هناك داعٍ للحديث عنه أصلاً.”
“لو كان الأمر كذلك لكان رائعًا، لكن لسوء الحظّ، هذا الابن هو المحقّق المسؤول عن حادث حريق منزلنا في المدينة.”
“ماذا؟ حقًّا؟”
“نعم. بالطّبع، هذا لن يسبّب توتّرًا بيننا.”
شرطيّ…
تذكّرتُ الرّجل الذي رأيته في مقبرة المعبد المشتركة أثناء جنازة البارون تيسيس و زوجته.
في ذلك الوقت، شعرتُ بحدس أنّه المحقّق الجديد الذي سمعتُ عنه فقط.
لا أتذكّر ملامحه بدقّة، لكن شعره البنّيّ الرّماديّ المميّز، و بنيته القويّة، و مشيته العسكريّة، و انطباعي بأنّه وسيم، كلّها محفورة في ذهني بوضوح.
“مهما كان ابنًا غير شرعيّ، فإنّ عيشه هنا يعني أنّ العائلة اعترفت به، أليس كذلك؟ فلماذا أصبح شرطيًّا إذن؟”
“هذا ما أقوله. لو بقي في الجيش، لكان قد ترقّى أكثر بكثير.”
“الجيش؟ هل كان جنديًّا أصلاً؟”
“نعم. لقد تطوّع في سنّ صغيرة، و بشكلٍ غير متوقّع حقّق إنجازات كثيرة فترقّى بسرعة. كان يُعتقد أنّه سيوسّع نفوذ عائلة ماكالين في الجيش أيضًا، لكنّه فجأة ترك الخدمة.”
عند سماع ذلك، أصدرت زوجة الكونت صوتا متذمرا و هي تهزّ رأسها.
“كان وسيمًا، فظننّا أنّه سيرتبط بزواج مع عائلة جيّدة، لكنّه أصبح شرطيًّا! كم كانت سيّدة ماكالين حزينة حينها.”
بالطّبع، في إدارة الشّرطة أيضًا، المناصب العليا محتلّة من النّبلاء، و مع الترقّي يأتي الشّرف و السّلطة، لكنّ النّبلاء ذوي المكانة العالية لا يرون العمل مع العامّة بشكل إيجابيّ. فالقضايا التي يتعامل معها الشّرطة ليست جميلة على الإطلاق.
لذلك كنتُ أنا أيضًا أتساءل.
‘هل انحرف بسبب كونه ابنًا غير شرعيّ؟’
في الوقت نفسه، شعرتُ برضا غريب لأنّ انطباعي عنه كعسكريّ لم يكن خاطئًا.
همس الكونت برو لي مرّة أخرى:
“على أيّ حال، لا تحدّقي فيه كثيرًا. صحيح أنّ مظهره الوسيم سيجذب النّظر، لكن….”
التعليقات لهذا الفصل " 4"