“كانت غريبةً انتقلت من منطقةٍ أُخرى قبل عامين ، و قيل إنّها كانت تعمل خادمةً من قبل ، لذلك تمّ توظيفُها فورًا خادمةً للسيّدة روزالين.”
“و هل أضرت رسالة توصية أو خطاب تعريف من أحدٍ ما؟”
“لم يكن هناك شيءٌ من هذا القبيل. قالت إنّها لا تنوي الاستمرار في العمل خادمةً ، لذلك لم تحصل على رسالة توصية…..”
أوقف آش قلمه الذي كان يدوّن به أقوال غلين.
“هذا يعني أنّ أصلها غير مؤكّد ، أليس كذلك؟ من الغريب قليلًا إدخالُ شخصٍ كهذا ليكون خادمًا ملازمًا لآنسةٍ نبيلة.”
“لم يكن أمامنا خيارٌ آخر! الآنسة روزالين كانت تُبدِّل الخادمات كثيرًا ، و لم يَعُد في تيسيس مَنٔ يمكن توظيفُه.”
و كأنّه شعر بأنّه موضعُ شبهةٍ ، أضاف على عجلٍ ما يشبه التبرير.
“لم تكن هناك رسالة توصية ، لكنّها أرتنا بطاقة دخول أحضرتها من مكان عملها السابق. لا أذكر أين كان تحديدًا ، لكنّها كانت بالتأكيد بطاقةَ دخولٍ تستخدمها الخادمات.”
“لا سبيل للتحقّق من ذلك في الوقت الراهن. لنتجاوز هذه النقطة ، كيف كانت شخصيّتُها؟”
“لبقـة سريعة البديهة. كانت فتاة طيّبة.”
تحدّث غلين عن إيما ، التي كانت تحسن إرضاء روزالين إلى حدّ أنّها تلقّت غيرة رئيسة الخادمات ، و أضاف قصّة عن محاولتها لمواساته مرّات عدّة.
“هل تتذكّر كيف كان مظهرُها؟”
“كانت عاديّةً و بسيطة. أظنّ أنّ شعرَها كان بنّيًّا و عينيها خضراوين ، و حين تقف إلى جانب الآنسة كانت تبدو باهتةً بعض الشيء. لم تكن قصيرة أو ذات قامة مختلفة عن الفتيات اللواتي في سنّها.”
“هل كان لها طبع حادّ أو أظهرت سلوكًا عنيفًا من قبل؟”
“لا! أبدًا.”
دوّن آش شهادةَ إيما دون أن يُغفِل شيئًا.
في الحقيقة ، لم يُعِر السؤال الأخير أهميّةً كبيرة. فلو أُلصِقَت تهمة بشخصٍ ما و أُجبِرَ على تحمّل دينٍ يفوق قدرته ، فقد يُقدِم حتّى أكثر الناس هدوءًا على فعلٍ متطرّف.
و بعد أن سأل عن السائق الميّت أيضًا ، أذِن له بالمغادرة.
ثمّ غرق في التفكير قليلًا قبل أن يبدأ باستجواب الآخرين.
‘يبدو أنّ روزالين تيسيس يتبدّل حالُها بحسب الزمان و المكان.’
تلك التي كانت شيطانةً صغيرةً في هذا المكان بدت و كأنّها حافظت على طبعها ذاك حتّى قبل اندلاع الحريق. و يكفي أن يتذكّر شدّ الأعصاب بينها و بين هيذر دارتمور ليدرك ذلك.
لكن بعد الحادث الذي فقدت فيه والديها ، تبدّلت فجأةً.
أمام الكونت و الكونتيسة برو كانت آنسةً صغيرةً مطيعةً هادئةً ، و في تيسيس بعد عودتها أصبحت سيدة ماكرةً ، و أمامه هو كانت خصم لعبةٍ متعاليًا لا يتراجع عن كلمة.
‘هل فقدان الوالدين حادثة كفيلة بأن تُغيّـر الإنسان إلى هذا الحدّ؟’
هو الذي يبغض كلا والديه ، لم يكن قادرًا على الفهم.
هل يمكن لحادثٍ كهذا أن يُحسِّن حتّى ذهنًا بليدًا؟
خصوصًا أنّ تمثيليّة القضاء على عصابة اللصوص ، رغم ما شابها من سذاجةٍ طفيفة ، كانت عمليّةً ناجحةً إلى حدّ بعيد ، أُنجِزت بأقصى ما تسمح به مواردها المتاحة.
و لولا المعلومات التي تحرّى عنها في هيرونا ، لما أدرك على الفور أنّ الأمر كان مسرحيّةً مفتعلة.
‘قيل إنّها استأجرت أربعين مرتزقًا ، كان عدد فرقة الإبادة ثلاثين ، و اللصوص المحمولين في العربة عشرة. دقّة زائدةٌ جعلت الأمر سلسًا على نحوٍ غريب.’
بعبارةٍ أُخرى ، كانت في وضع ضيق لا يسمح لها بإهدار شخصٍ واحد حتّى.
اتحادُ التجّار عانى و ارتبك دون أن يفهم السبب ، لكن لا يمكن القول إنّ روزالين كانت شريرة. بل على العكس ، لقد حلّت المشكلة دون أن يُصاب أيٌّ من رعايا الإقطاعية بأذى.
‘يبدو أنّني لم ألتقِ بشخصٍ ممتع كهذا منذ زمن طويل.’
ابتسم بسخريةٍ خفيفة ، و قلب صفحةً في مفكّرته الممتلئة بالملاحظات ، ثمّ أشار إلى خادمٍ آخر بالدخول.
* * *
كان لأسرة الفيكونت غوتفريد ولدان.
الأكبر هو نويل غوتفريد ، و لعلّ تدليل الجدّ الراحل له بوصفه الوريث جعله أنانيًّا متسلّطًا.
أمّا الأصغر ، آرثر غوتفريد ، فكان وسيمًا الوجه ، لطيفَ الطبع ، و لم يُتعب والديه قطّ و هو يكبر.
يُقال إنّه لا يوجد إصبعٌ يُعضّ فلا يؤلم ، لكنّ البارون غوتفريد كان يميل سرًّا إلى ابنه الأصغر آرثر.
‘ليت آرثر كان البكر.’
فلو كان كذلك ، لأحسن التعامل مع أبناء الفروع الجانبيّة و أعضاء مجلس المواطنين ، على عكس نويل الذي كان شديد التكبر.
لكن لا يمكن قلب ترتيب الميلاد ، و لذا رأى الفيكونت غوتفريد أنّ عليه أن يجعل من آرثر فرعًا جانبيًّا قويًّا يعتمد عليه.
و لهذا السّبب اقترب متودّدًا من الكونت ويل برو ، رغمَ اختلاف ميوله السياسيّ عنه.
“إذا تزوّجتَ تلك الآنسة التي يرعاها الكونت برو ، فستنال لقبًا قبل أخيك.”
لو تزوّج آرثر قبل أخيه و نال لقبًا ، لأمكن للفيكونت غوتفريد أن يُقسّم ثروتَه براحةٍ أكبر. و بدا له أنّه لا توجد طريقة أكثر سلمية من هذه لتوزيع الميراث.
لكنّ وجه آرثر الذي كان يستمع إليه لم يكن مشرقًا.
“سمعتُ شائعاتٍ عن تلك الآنسة. لا تُقال عنها الكثير من الأمور الجيدة.”
يُقال إنّ ما لديها هو اللقب فحسب. و صحيح أنّ مظهرها لا بأس به كما يزعمون ، لكنّ لا يمكن معرفة ذلك قبل رؤيتها مباشرةً ، أليس كذلك؟
غير أنّ الفيكونت غوتفريد لم يسمع في كلام ابنه سوى تذمّرٍ طائش.
“أنت لا تعرف. الآن في هيرونا لا توجد أسرةٌ لا تطمع بها. و ما المهم إن كانت فقيرة بعض الشيء و من الريف؟ ستنال لقبًا منها”
فقيرة؟ يمكن إغداق مال أسرة غوتفريد عليها.
إقطاعيتها في الريف؟ يمكن تعيين نائب ليديرها و عدم الذهاب إلى هناك.
هذه المشكلات قابلةٌ للحلّ كما تشاء ، أمّا اللقب فلا يمكن الحصول عليه من مكانٍ ما فجأةً.
لذلك يتنافس الجميع على تلك الآنسة الريفيّة التي تبدو عديمة شأن.
و كونُ وليّ أمرها هو الكونت برو عاملٌ شديد الأهميّة أيضًا. فالحصول على مثل هذه الصلة ليس بالأمر الهيّن.
“وصل ردّ إيجابيّ من الكونت برو. سيُرتَّب لقاءٌ قريبًا ، فحاول أن تأسر قلبَها قدر استطاعتك. و آمل ألّا تتفوّه بترّهاتٍ طفوليّةٍ عن الحبّ و ما شابه ، آرثر.”
ربّت الفيكونت غوتفريد على كتف ابنه و غادر الغرفة.
لكن آرثر ، الذي تُرِكَ وحيدًا ، غرق في حيرةٍ إزاء مشروع الزواج الذي داهمه فجأةً. إذ كان لا يزال يؤمن بالحبّ و القدر.
‘الزواج السياسيّ كان أمرًا طبيعيًّا في جيل والدَيّ. أمّا الآن فقد تغيّر الزمن….’
كان يحلم دائمًا بـ “أسرة يملؤها الحبّ الخالص و الثقة” ، و لذلك لم يكن مرتاحًا لهذه المسألة.
و مع ذلك ، لم يستطع أن يرفض بضربةٍ قاطعةٍ الفرصة التي صنعها له والده بجهد.
فذهب ليزور صديقة طفولته بريانا ليهدّئ اضطرابه.
كانت أصغر منه بعامٍ ، لكنّها دائمًا ما كانت تحلّ المشكلات بحكمةٍ ، و يعتمد عليها.
“لماذا تبدو كئيبًا هكذا ، آرثر؟”
عند سؤالها البريء ، تنفّس آرثر بعمقٍ و أجاب.
“أبي يريدني أن أتزوّج. من امرأةٍ جاءت من الريف.”
“ماذا؟ ما هذا الكلام؟ لماذا يريدون تزويجكَ من امرأة ريفيّة؟”
“روزالين تيسيس. سمعتِ بهذا الاسم ، أليس كذلك؟”
عند سماع اسم المرأة من فم صديقها القديم ، ارتعش ما بين حاجبي بريانا لحظةً.
“هل هي تلك التي فقدت والديها في الحريق…؟”
“نعم. يُقال إنّ كلّ بيتٍ لديه أكثر من ابنٍ هذه الأيّام يطمع بها.”
كان آرثر يفهم السّبب جيّدًا.
فمن دون لقب ، و بمجرّد كونه “فرعًا جانبيًّا لأسرة الفيكونت غوتفريد” ، سيصعب أن يُعامَل كنبيل. و بعد جيلٍ واحدٍ قد يُعامل كعاميّ.
لكنّ ، رغم أن إقطاعية البارون تيسيس في الريف و ثروتها ليست طائلةً ، إلا أنها تملك لقبًا وراثيًّا.
“و يُقال إنّ عدم بروز توجّهها السياسيّ ميزةٌ أيضًا. أبي يريدني أن أصبح بارون تيسيس و أشغل مقعدًا في ‘فصيل المواطنين’.”
“هذا طموح الفيكونت! ماذا عنكَ أنتَ؟ هل تستطيع أن ترضى بحياةٍ تعيش فيها كملحقٍ بالعائلة؟”
“لا أدري. أقوم أحيانًا بالتمرد ، ثمّ حين أفكّر في أقاربنا من النبلاء العاديّين و كيف يعيشون ، أرى أنّ كلام أبي قد يكون صحيحًا…..”
و بينما كان آرثر يطلق تنهدًا ، كانت بريانا تمسك بطرف تنّورتها بإحكام و هي تحاول بصعوبة الحفاظ على تعابيرها.
‘آرثر سيتزوّج؟ من امرأةٍ أُخرى لا منّي؟’
لم يعترف لها بحبّـه ، و لم يعدها بمستقبلٍ ، لكنّها كانت تؤمن بشكل مؤكد أنّها ستتزوّجه.
فالعائلتان مقرّبتان ، و تجمع بينها و بين والديّ آرثر بل و بآرثر نفسه صداقة طويلة تبادلا فيها أعمق الأسرار.
بفضل آرثر استطاعت تجاوز أوقاتٍ عصيبة ، و هو أيضًا استمدّ القوّة منها.
أليست هذه العلاقة المثاليّة بين زوجين؟
‘و الآن ، بسبب لقبٍ فحسب ، عليه أن يتزوّج امرأةً ريفيّة؟ هذا غير معقول!’
لكن مهما فكّرت ، لم تجد ذريعةً تُفسد بها مشروع الزواج. و في الوقت نفسه ، شعرت بمرارة حالها ، إذ لم يكن بوسعها أن تمنح آرثر شيئًا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 15"