‘حضورُه لوحده مذهل.’
لم تكن الأجواء المتدفّقة من عينيه الذهبيّتين و ملامحه المستقيمة و هيئته التي لا يعتريها اضطراب من النوع الذي يمكن الاعتياد عليه. مجرّد وجوده في المساحة نفسها كان كافيًا ليجذب كلّ حواسي إليه.
يُقال إنّ والدته ممثّلة مشهورة؟ صحيح أنّ ملامحه الخارجيّة تشبه والده كثيرًا ، لكن ذلك الجوّ الآسر للقلوب لا بدّ أنّه ورثه من جهة والدته.
عضضتُ على أسناني و تماسكتُ ، ثمّ ابتسمتُ بلطف.
“مرحبًا بك ، أيّها المفتّش مكالين. لم أتوقّع أن أراك في تيسيس ، لكن لا أدري لماذا أشعر بالسعادة لرؤيتك.”
“أشكركِ على حفاوة الاستقبال رغم زيارتي المفاجئة.”
دعوتُه للجلوس و أمرتُ الخادمة أن تُحضِر الشاي.
“بالمناسبة ، ما الذي جاء بكَ إلى تيسيس؟ هل أتيتَ خصيصًا للقائي؟”
“نعم و لا في الوقت نفسه.”
“كلّما التقيتُ بكَ أشعر أنّني أخوض لعبة العشرين سؤالًا. هاهاها.”
‘قُل ما تريده باختصار فحسب’
إلى أيّ حدٍّ يمكن أن يكون المرء معقّدًا حتّى لا يُفصح عن شيءٍ بوضوح مهما قال؟
لكن كأنّه كان ينتظر لحظة غفلتي ، إذ باغتني فجأةً.
“حملةُ القضاء على عصابة قُطّاع الطّرق التي قدتِها يا آنسة روزالين…… كانت مثيرةً للإعجاب.”
“ماذا؟ هل كنتَ تُشاهد؟”
“بدا الأمر كحدثٍ كبير في الإقليم ، فكيف لي أن أفوّته؟”
غريب. لا أستطيع أن أعرف إن كان يقول ذلك لأنه على علمٍ بشيء ما، أم أنّه مجرّد كلامٌ عابر.
“أرى أنّها كانت عمليّةً جريئة للغاية لسيّدةٍ شابّة لم يمضِ وقتٌ طويل على فقدانها لوالديها. كنتُ معجبًا طوال متابعتي.”
لحظة. هذا يبعث على الريبة.
كلّ كلمةٍ منه تبدو كأنّها سخرية مبطّنة.
لا أعرف شيئًا عن أساليب حديث النبلاء ، لكن حدسي يحذّرني أن أنتبه.
“أشكركَ على تقييمك العالي. لكن بما أنّك تذكر الأمر بنفسك ، فلا بدّ أنّ خطّتي كانت مليئة بالثغرات.”
“لا أفهم قصدك.”
“هيّا ، لا تتظاهر. أنتَ تعرف ، أليس كذلك؟ أنّها مسرحيّة مُدبَّرة.”
حين اعترفتُ أنا أوّلًا ، رفع نظره بدهشة. ثمّ قال دون أن يُنكر.
“صادف أنّني علمتُ باستئجاركِ للمرتزقة. و لحسن الحظّ ، لا يبدو أنّ أحدًا من سكّان الإقليم قد لاحظ.”
معلومة جيّدة تتضمّن اعترافًا منه بأنّه تحرّى عنّي ، شكرًا لك.
“هل تعرف أيضًا لماذا كلّفتُ نفسي عناء هذا العرض؟”
“يبدو أنّ هناك مشكلاتٍ كثيرة في اتّحاد التّجّار.”
“عصابةٌ غير موجودة تدّعي أنّها سلبت البضائع لتتهرّب من الضرائب ، و فرقةُ حراسة غير موجودة تقتطع دعمًا باسم الحفاظ عليها. يمكن أن يُخدَع المرء مرّةً أو مرّتين ، لا أكثر.”
أومأ برأسه ببطء.
“استغللتِ الفرصة لفرض الانضباط على اتّحاد التّجّار و ترسيخ سلطتكِ بصفتكِ السيدة الجديدة. رائع.”
“لو كنتَ أنت السيد لما احتجتَ إلى مثل هذه المسرحيّات. لم يكن هناك أحد سيستخفّ بك.”
“أنا رجلٌ لا يمكنه أن يصبح سيّدًا أصلًا.”
في تلك اللحظة جاءت الخادمة بالشاي و بعض الحلوى الخفيفة ، فتنفّستُ تنهيدةً خفيفة حين رأيتُها.
بعد أن عشتُ شهرين تقريبًا في بيت الكونت برو ، أدركتُ أنّ الكعكات التي قدّمتها الخادمة ليست ممّا قد يعتبره هذا الرجل لذيذًا.
آش الذي اعتاد على كعكاتٍ فاخرة تحتوي من الزبدة و السكر بقدر ما تحتويه من الدقيق لن يلمس تلك بطرف إصبعه.
همف! إن تركها فسآكلها أنا. مَنٔ يجهل قيمة الطعام فليهبط إلى جحيم الجوع.
على أيّ حال ، بما أنّه سمع كلّ ما قلته بوقاحة أمام الناس ، لم يعد هناك معنى للتظاهر أمامه باللطف و الطاعة.
بل شعرتُ أنّ الأمر أفضل هكذا و بدأتُ أتحدّث براحة.
“لنترك هذا الحديث جانبًا…. لماذا جئتَ حقًّا؟ هل وجدتَ دليلًا مهمًّا بشأن حادثة الحريق؟”
“أتيتُ للبحث عن دليل. أظنّ أنّ أهل تيسيس هنا أدرى بتفاصيل البارون الراحل و زوجته و الخادمة إيما هامبتون و السائق.”
يبدو أنّه تعمّد استثناء اسمٍ واحد من بين مَنٔ يريد التحري عنهم.
‘روزالين تيسيس.’
لكنّي لم أشِر إلى ذلك.
“إذًا ، مَن تريد أن أعرّفك به؟”
“أودّ أن أُجري مقابلاتٍ مع الخدم الذين عملوا هنا واحدًا تلو الآخر.”
حسنًا ، لو كنتُ أنا شرطيّة لفعلتُ الشيء نفسه.
“لكنّني سرّحتُ عددًا كبيرًا من الخدم قبل فترة. كما ترى ، حتّى نفقات الأجور باتت عبئًا.”
“و هل كان قرار التسريح بيدكِ يا آنسة؟”
“اقترحه كبير الخدم الذي كان يدير القصر بالنيابة ، و أنا وافقتُ. هل ترغب أن تبدأ بلقاء كبير الخدم غلين؟”
“ممتاز. أشكركِ على تعاونك.”
اكتفيتُ بابتسامةٍ عريضة بدل الردّ ، ثمّ استدعيتُ غلين الذي عاد لتوّه من الخارج. و خلال ذلك رأيتُ آش يحتسي رشفةً من الشاي و يضع قطعةً من الكعك في فمه.
أثناء مضغه بصمت لم يعبس لحظةً واحدة و لم يُظهر أيّ امتعاض.
مع أنّه لم يكن ليميز الناس بالطعام في بيت كونت مكالين الثريّ ، فلا بدّ أنّه لم يعتد على مثل هذا.
يبدو أنّه ليس فظًّا كما اعتقدتُ.
* * *
جلس غلين أمام آش و هو لا يعرف ما الأمر، كان يبدو متوتّرًا لكنّه أجاب بهدوء.
من غير قصد ، بينما كان يُجيب ، أصبح فحوى حديثه أنّ البارون تيسيس لم يكن سيّدًا حكيمًا إلى حدٍّ بعيد.
“إذًا من المحتمل وجود شخصٍ يحمل ضغينةً تجاه البارون و زوجته.”
“يصعب عليّ الجزم بذلك. صحيح أنّهما لم يكونا سيّدين بارعين ، لكنّهما أيضًا لم يرتكبا من الأخطاء ما يستوجب عداوةً كبيرة….”
دوّن آش الإجابات بسرعة.
“و ماذا عن آنسة روزالين؟ سمعتها و علاقاتها مثلًا.”
“ذلك……”
كان غلين يُجيب بسلاسة حين يتعلّق الأمر بالبارون و زوجته ، لكنّه أطال النهاية هذه المرّة و بدا محرجًا.
استنتج آش أنّ هناك أمرًا ما.
“حديثي معكَ لن يتسرّب. و لن تؤذيكَ آنسة روزالين ، لذا أرجوك قل الحقيقة. و إلّا قد تقع أنت أيضًا في ورطة بتهمة شهادة الزور.”
أمام هذا المزيج من الاستمالة و التهديد ، فزع غلين و فتح فمه.
“الآنسة…. لم تكن ذات شعبيّةٍ كبيرة. فهي الابنة الوحيدة و قد تربّت في دلالٍ شديد ، و كان لديها جانبٌ متعجرف. كانت تغيّر الخادمات كثيرًا ، و أحيانًا…… كانت تضربهنّ ، لكن مثل هذه الأمور يحدث في أيّ مكان.”
كان من الصعب عليه أن يبدأ ، لكن ما إن بدأ حتّى انهالت الاتهامات بشأن روزالين. و مع ذلك بدا أنّ غلين يحاول التلطيف قدر الإمكان.
“و ما سبب تبديل الخادمات أو ممارسة العنف؟”
“حسنًا ، لأنّهنّ أجمل منها ، أو لأنّ شعرهنّ بنفس لون شعرها ، أو لأنّهنّ محبوبات لدى الخدم الذكور….أظنّ أنّ هذه كانت الأسباب.”
“همم….”
“الفتيات في تلكَ السن حسّاسات جدًّا تجاه المظهر ، أليس كذلك؟ آنستنا ، أعني ، بارونتنا لم تكن سيّئة إلى هذا الحدّ.”
شعر آش أنّ روزالين التي رآها حتّى الآن لا تتطابق مع الصورة التي يرسمها غلين.
صحيح أنّ فقدان الوالدين فجأةً و تحمّل مسؤوليّة العائلة أمرٌ كفيلٌ بتغيير الحياة……
‘لكن من كلام كبير الخدم تبدو كفتاةٍ طائشة لا أمل فيها ، و لم أشعر بهذا قطّ من روزالين تيسيس التي التقيتُها.’
أمثال هؤلاء مهما تظاهروا بالرقيّ تظهر شخصيّاتهم في العادات الصغيرة.
فجأةً تذكّر حديثه مع لويس.
“كيف تأكّدتَ أنّها روزالين تيسيس؟”
“عندما أخذناها إلى موقع الحريق ، كان السائق لا يزال في وعيه ، و ناداها بوضوح ‘آنسة روزالين’. يبدو أنّه كان يخدمها منذ زمنٍ طويل ، فقد ودّعته حتّى اللّحظة الأخيرة.”
“كيف ذلك؟”
“كان السائق متفحّمًا بالسواد ، و جلست بجانبه غير آبهةٍ باتّساخ ثيابها و بكت من أجله و هو يحتضر. بل و وعدته بأن تعتني بعائلته جيّدًا.”
و هذه هي نفسها التي كانت تعاقب خدمها بدافعٍ شخصيّ و تعاملهم كأدوات؟ هل يصدر مثل هذا السلوك من الشخص نفسه؟
‘لكن من غير المعقول أن يعجز خادمٌ عمل طويلًا هنا عن التعرّف على سيّدته…..’
دوّن ذلك الشكّ في مذكّرته و تابع الأسئلة.
“و أخيرًا أودّ أن أسأل عن الخادمة إيما هامبتون. كيف كانت شخصيّتها؟”
“هاه…. إيما….”
فتح غلين فمه و على وجهه حزنٌ ظاهر ، على عكس ما كان عليه حين تحدّث عن روزالين.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"