1
“……سيرقد آدم تيسيس و ماري تيسيس بسلام. لنتّخذ لحظة صمت على أرواح الفقيدين.”
عندما تحدّث الكاهن المسؤول عن الجنازة بصوتٍ منخفضٍ و هادئ، أخفض الواقفون حوله رؤوسهم بهدوء.
“تلك هي المرأة. ذات الشعر الأحمر.”
أزاح آش ماكالين بصره ليتبع طرف إصبع الرقيب لويس فيديلو، الذي جاء لتسليم القضيّة.
كان الضّباب كثيفًا بشكل خاص اليوم في مقبرة المعبد حيث تُقام الجنازة، و لكن لم يكن من الصّعب العثور على الشّابة التي أشار إليها وسط عدد قليل من المعزّين.
شعرها الأحمر المرفوع بدقّة تحت قبعتها السّوداء و بشرتها البيضاء الصّافية و شفتيها المائلتين للحمرة، التي لم يغطّها الحجاب بالكامل، لفتت الأنظار بشدّة.
“أنتَ تعلم، و لكنّني سأكرّر مجدّدًا، اسمها هو روزالين تيسيس. هي الابنة الوحيدة للبارون و البارونة تيسيس المتوفّيين و النّاجية الوحيدة من حادث حريق قصر برو الرّيفيّ”
“قيل إنّ الحريق اندلع أثناء خروجها في نزهة بمفردها.”
“لقد كانت محظوظة. رؤية شيء كهذا يجعل المرء يتساءل عمّا إذا كان هناك قدر.”
“كانت محظوظة ….”
لوّح لويس بكتفيه تعبيرًا عن إحراجه بسبب كلمات آش التي قالها لنفسه.
“في الواقع، قد يكون وصفها بالمحظوظة غير لائق، فقد فقدت كلا والديها.”
لكنّ إجابته لم تتوافق مع نيّة القائل.
إذ قصد آش ما إذا كان حظّها “جيدًا جدًّا” و أنّ شيئًا كهذا لا يمكن أن يكون مجرّد صدفة.
“هل استجوبتها؟”
“بالطّبع. لم يكن هناك أيّ فائدة تُذكر رغم ذلك.”
“هل هناك احتمال أن تكون هي مَنٔ أشعلت النّار؟”
“ليس لديها سبب لذلك. لقد أتت عائلة تيسيس إلى العاصمة تحديدًا لإتمام خطبة الآنسة روزالين، فأيّ مصلحة ستجنيها بقتل والديها؟”
على الرّغمِ من أنّها ورثت لقب البارون بوفاة والديها، فإنّ وضعها لم يتغيّر كثيرًا لكونها الابنة الوحيدة، بل قد يصبح غياب والديها عقبة في طريق زواجها.
لو كان ما يظهر في العلن هو كلّ شيء، لكان آش قد وافق على كلام الرقيب فيديلو.
لكن عند التّحقيق في الجرائم، غالبًا ما تقع الجريمة لأسباب لم تخطر على البال أبدًا.
لذلك، كان عليه أن يدقّق بحذر ليتأكّد أنّه لم يفته شيء. بالأخصّ بعد اكتشاف بعض النّقاط المُحيّرة أثناء التّحقيق في الموقع.
“سمعت أنّ الكونت ويل برو أصبح وصيًّا عليها.”
“ليس وصيا قانونيًّا ،إنما يقال عنه هكذا فقط. لقد مات قريب له كان يقيم في منزل البلدة التّابع له. لم يستطع أن يتخلّى ببرود عن الابنة اليتيمة المتبقيّة.”
لم يكن لدى ويل برو، ابن عم والد روزالين تيسيس، سبب لإشعال النّار.
بل على العكس، فقد تدمّرت إحدى ممتلكاته و اضطرّ إلى رعاية قريبته الصّغيرة التي أصبحت بلا مأوى، لذلك يمكن اعتباره أكبر ضحيّة لهذه الحادثة إلى جانب روزالين تيسيس.
قلّب آش دفتر ملاحظاته الذي لخّص حادث الحريق هذا و تفحّصه بدقّة.
و لكنّ لويس، الذي كان يراقبه، قال بحذر:
“بصراحة، هذه القضيّة لا تثير الشّكوك كثيرًا. على الرّغم من صعوبة العثور على سبب الحريق بسبب احتراق المبنى بالكامل، لا يوجد أحد يحمل ضغينة ضدّ البارون و زوجته اللّذين وصلا للتوّ إلى العاصمة قبل 20 يومًا فحسب، و لا يوجد مَنٔ يستفيد من موتهما.”
كان يقصد أنّ هذا مجرّد حادث مؤسف، ولا داعي لتعقيد الأمور.
“حسنًا، ربّما لهذا السّبب تمّ تكليفي بهذه القضيّة السّّهلة.”
عند إجابة آش، عضّ لويس لسانه و هو يلوم نفسه على زلّة لسانه.
كانت هناك شائعة منتشرة مفادها أنّ ابن شقيق رئيس الشّرطة، جايكوب، الذي يستميت من أجل الترقية إلى مفتّش أوّل، قد كُلّف بقضيّة أكثر أهمّيّة، في حين تمّ تكليف منافسه آش بقضيّة تافهة.
في الواقع، لو لا خلفيّة آش ، لما كان مبالغًا فيه أن يحصل على رتبة قائد الشّرطة بدلًا من مفتّش أوّل.
“أنا آسف، أيها المحقق.”
“لا داعي للاعتذار. أنت أيضًا ضحيّة تقريبًا لاضطرارك إلى تسليم القضيّة التي كنتَ تتولاها في منتصف الطّريق.”
واساه آش بوجهٍ غير مُبالٍ.
“على أيّ حال، شكرًا لك على تخصيص وقتك، يا لويس، على الرّغم من انشغالكَ بمهامك الجديدة.”
“آه، لا مشكلة! إذا احتجت لأيّ شيء آخر، فلا تتردّد في الاتّصال بي في أيّ وقت، أيّها المحقق ماكالين!”
أدّى لويس التّحيّة سريعًا ثمّ انصرف بهدوء.
لكنّ آش ظلّ في مكانه، يحدّق في روزالين. كان إمعانُه شديدًا.
بدت و كأنّها تكافح لكي لا تستسلم للحزن الذي يثقل كاهلها. كانت تمسح عينيها بمنديلها المشدود بين الحين والآخر وترتجف كتفاها أحيانًا، لكنّها كانت تُنهي جنازة والديها بهدوء نسبيّ.
‘من الغريب أن تكون ابنة البارون الرّيفيّة التي فقدت والديها فجأة بهذه القوّة… همم؟’
في تلك اللّحظة التي كاد فيها آش أن يعطي تقييمًا متساهلًا إلى حدٍّ ما لروزالين تيسيس، لفت مشهد غريب نظره عبر الضّباب الذي انقشع قليلًا.
كان الكونت برو الواقف بجانبها يحيط كتفها بخفّة و يهدّئها، فنظرت روزالين إلى المكان الذي لامسته يده و رفعت زاوية واحدة من فمها قليلًا.
‘هل ابتسمت؟’
عبس و حاول التدقيق فيها بوضوح، لكنّها دفنت وجهها في منديلها، و كأنّها غمرت بالعاطفة.
‘هل رأيتُ خطأً؟’
قد يكون قد أخطأ. ربّما كانت تعبيرًا فاشلًا عن محاولة الابتسام للكونت الذي يواسيها.
لكنّه دوّن تصرّفها في دفتر ملاحظاته الذي في يده.
لأنّ دليلًا بسيطًا واحدًا يمكن أن يصبح أحيانًا رابطًا مهمًّا للغاية.
في تلك اللّحظة، أعلن الكاهن انتهاء الجنازة.
“نختتم الجنازة المشتركة للبارون و البارونة تيسيس. سيرقدان في سلام في جوار الرّب. نرجو منكم تقديم العزاء للآنسة تيسيس قبل المغادرة.”
نظر آش إلى روزالين مرّة أخيرة قبل أن يستدير مغادرًا.
كان يتساءل عمّا إذا كان مفرط الحساسيّة في شعوره بأنّ عينيهما التقتا عبر الحجاب.
*****
هل ينتصر الخير على الشّرّ دائمًا؟
لا أعرف الإجابة، و لكن يبدو أنّ الحظ قد أيّدني هذه المرّة.
إيما هامبتون.
الخادمة الخاصّة التي تحمّلت العيش إلى جانب روزالين تيسيس سيّئة الطّبع لمدّة عامين.
تلك كانت أنا.
“روزالين. في موسم الحفلات لهذا العام، سنذهب إلى العاصمة لنجد لكِ زوجًا. ابدئي بالتّحضير لذلك.”
كم شعرتُ بالحماس عندما علمتُ أنّ “التّحضير” الذي ذكره البارون تيسيس يشملني أنا أيضًا.
لكنني لم أكن أعلم أنّها بداية اليأس.
في اليوم الثّالث لوصولنا إلى العاصمة هيرونا، كان لروزالين أوّل خروج لها. و كان جدولها يتضمّنني أنا أيضًا.
“إنّها حفلة كبيرة نوعًا ما، لذا كوني حذرة.”
“بالطّبع! ستكون سيّدتي الأجمل اليوم أيضًا.”
قمتُ بإعادة تشكيل وجهها كالمعتاد، و ألقت لي روزالين قطعة نقدية فضيّة قائلةً إنّني قمتُ بعمل جيّد.
حتّى تلك اللّحظة، بدا كلّ شيء يسير بسلاسة.
لكن.
“لقد أحضرتْ خادمتها بالفعل!”
“ليست مرافقة، بل خادمة؟”
“يبدو أنّ الجميع يتوقون لدخول مجتمع هيرونا هذه الأيّام. يا له مستوى متدنٍ حقًّا.”
“مكياجها قرويّ أيضًا. هل تعتقد أنّ هذا جميل؟”
لم تستطع روزالين الرّدّ على سيل السّخرية. لأنّ هذا المكان لم يكن إقطاعية تيسيس.
في هذه المدينة الفاخرة، لم تكن سوى فتاة ريفية من عائلة لم يسمع بها أحد.
عادت روزالين إلى المنزل و أثارت ضجّة كبيرة. و كنتُ أنا مَنٔ اضطرّ لتحمّل ذلك بصمت.
“لقد جعلتِني أتعرّض للإهانة!”
اندلع ضوء ساطع أمام عينيّ مع صوت صفع قويّ، و شعرتُ بألم في فكّي، لكنّني لم أستطع سوى التّوسّل إليها و الاعتذار. و وجب عليّ الاستماع إلى الشّتائم لفترة طويلة بعد ذلك.
و لكن في اليوم التّالي، أصبحت روزالين سليمة وكأنّ شيئًا لم يحدث أبدًا. بصراحة، بدت في مزاج أفضل من ذي قبل، و استمرّت هذه الحالة لعدّة أيّام.
لذلك، اعتقدتُ أنّها نسيت إهانة ذلك اليوم كلّيًا.
و لكن مرّة أخرى، كانت طباع روزالين تيسيس ليست عاديّة.
“إيما. إذا وضعتِ مكياجًا سيّئًا اليوم أيضًا، أقسم أنّني لن أترككِ و شأنكِ.”
بعد أسبوع من تلك الحفلة المروّعة، كانت روزالين تستعدّ للذّهاب إلى حفلة جديدة.
شعرتُ حينها بإحساس سيّئ للغاية.
قمتُ بوضع مكياجها بعناية أكبر من ذي قبل لتجنّب العقاب. ربّما بفضل محاولتي تطبيق مكياج فتيات العاصمة الذي لاحظته في الحفلة السّابقة، كانت روزالين جميلة جدًّا في ذلك اليوم. لدرجة أنّني أعجبتُ بمهارتي الخاصّة.
لكنّ الأمر الأهمّ لم يكن المكياج.
“يا إلهي، لم أكن أعتقد أنّنا سنلتقي مرّة أخرى؟”
ذلك لأنّ الفتاة التي قادت موجة السخرية في الحفلة السّابقة، اقتربت من روزالين بابتسامة ساخرة بمجرّد رؤيتها.
هل كان اسمها هيذر دارتمور؟
على حدّ تعبير روزالين، كانت “عاهرة بغيضة وليست جميلة و لكنّها تظنّ أنّها عظيمة”.
لكنّ روزالين، التي توقّعتُ أن تنفجر غضبًا، ابتسمت بشكل غير متوقّع و أجابت:
“مرحبًا بكِ؟ التقينا في المرّة السّابقة، أليس كذلك؟ أنا روزالين تيسيس.”
على الرّغم من أنّ نبرة صوتها كانت توحي بالمقاومة، إلّا أنّ هذا كان تطوّرًا هائلًا.
‘يا للعجب! كما يقولون، الذّهاب إلى مدينة كبيرة يجعل النّاس عظماء، فها هي هذه المتهورة الطائشة أصبحت أخيرًا راشدة!’
بينما كنتُ أحدق بإعجاب، بدا أنّ الشّخص الآخر فقـدَ الرّغبة في السّخرية منها و اكتفى بالشّخير مبتعدًا.
تمنّيتُ أن تنتهي الأمور بسلام هكذا، لكن هل كان ذلك طمعًا؟
بدأت روزالين تتسلّل ببطء نحو هيذر.
‘لديّ شعور سيّئ.’
التعليقات لهذا الفصل " 1"