استمتعوا
كان العشب مفروشًا حول البحيرة، وكان الطلّاب يتجمّعون كلٌّ على حدة، فيتمدّدون على العشب، أو يتبادل العشّاق القُبَل، أو يجتمعون فيما بينهم يتناولون أطايب الطعام وتتفجّر بينهم أزهار الضحك في أجواءٍ وادّة.
وفي تلك الأجواء الحرّة، بحث إيدن عن أفضل مكان.
وكان ذلك الموضع، بخلاف سائر الأماكن، يُطلّ على البحيرة كاملةً بنظرةٍ واحدة، ولم يكن حوله إلا قليل من الناس، كأنّه مكانٌ أُخلي خصّيصًا لأحدٍ ما.
جلس إيدن هناك من غير تردّد.
ولمّا همّت سونيت بالجلوس، أخرج إيدن من جيبه منديلًا وصنع لها به موضعًا تجلس عليه.
ارتجف قلب سونيت قليلًا إزاء تلك اللّفتة التي لم تكن في الحسبان.
فجلست فوق المنديل الحريريّ الأسود.
ولا ريب أنّ لإيدن مقصدًا ما، غير أنّ سونيت، كي لا تنجرف إليه أكثر، أقنعت نفسها بأنّها مجرّد لفتةٍ عاديّة، وتناولت منه الشطيرة.
“هل هناك شيءٌ لا تأكلينه؟“
“لا.”
“وما الذي تحبّينه؟“
كانت سونيت قد قضمت لقمةً من الشطيرة، ثمّ نظرت إلى إيدن.
وكانت زاوية فمه التي تعلوها ابتسامةٌ خفيفة، وعيناه المتألّقتان بالحياة، ثابتتين عليها كأنّهما لا تنتظران سوى جوابها.
شعرت سونيت بخفقان قلبها وقالت.
“الجزر.”
وما إن نطقت بالكلمة حتّى برزت قطعة الجزر التي كانت قد قضمتها، ومعها صلصة الذرة، من بين شفتيها.
وقبل أن تنزلق الصلصة على الأرض، تلقّاها إيدن بيده.
هل سبق لأحدٍ أن سألني عمّا أحبّه؟
ارتبكت سونيت لهذا السؤال الذي تسمعه للمرّة الأولى، غير أنّها، بهدوء، وضعت قطعة الجزر التي سقطت في يده في فمها وأكملت أكلها.
كان من المفترض أن يكون الأمر مقزّزًا إذ خرجت من فمها، لكنّ إيدن لم يقطّب حاجبًا واحدًا، بل اكتفى بابتسامةٍ خفيفة.
“يبدو أنّك تحبّينه حقًّا.”
أومأت سونيت برأسها.
ثمّ خطر لها أنّ هذه الشطيرة ألذّ ممّا توقّعت.
فهي أغنى نكهةً من شطيرة الجزر التي تشتريها كلّ يوم أمام المدرسة، وحبّات الذرة الطريّة المنسجمة معها تمنحها مذاقًا متوازنًا.
كانت في العادة لا ترتاد مقصف الطلّاب، حتّى وإن قيل إنّ فيه طعامًا شهيًّا، لكثرة الطلّاب ولأنّ مجرّد الذهاب إليه كان مرهقًا، لكنّه بدا أفضل ممّا ظنّت.
“هل تستسيغينها؟“
أومأت سونيت بصدق.
ولم تنتبه إلّا الآن إلى أنّ إيدن لم يكن يأكل شطيرته، بل كان يحدّق فيها وحدها.
كانت على وشك أن تفتح فمها لتسأله مجاملةً، إذ اشترى لها شطيرةً لذيذة.
غير أنّ يد إيدن لامست بخفّةٍ زاوية فمها.
لقد مسح بإبهامه الصلصة التي علقت بها، ثمّ أخذها إلى فمه ووضعها فيه.
ثمّ عضّ من شطيرته وكأنّ شيئًا لم يكن.
حدّقت سونيت فيه شاردة.
‘ألا يشعر بالاشمئزاز؟ لماذا يبدو الأمر طبيعيًّا لديه إلى هذا الحدّ؟‘
لم تستطع سونيت أن تفهم سلوكه. إن لم يكن يحبّها حقًّا، فكيف يبلغ به الأمر هذا الحدّ……
ولمّا رآها لا تأكل شطيرتها، التفت إليها إيدن.
وما إن التقت عيناهما حتّى ارتفعت زاوية فمه بابتسامةٍ خفيفة.
“هل عَلِقَ شيءٌ على وجهي أيضًا؟“
ومع اقتراب وجهه تدريجيًا، بدأ قلب سونيت، بشكلٍ غريب، يخفق أسرع من قبل.
فقالت سونِت على عجل.
“لم يَعْلَق شيء.”
ابتسم إيدن بخفّة، ثم أدار ذراعه خلفه وهو يطلّ على البحيرة، فنظرت سونيت إلى ما ينظر إليه.
هبّت نسمة خفيفة. كان الهواء الآتي من جهة البحيرة عليلًا لا يملؤه الحرّ، منعشًا.
ومع مرور الهواء الرقيق بينهما، وصلت إلى سمعهما أصوات ضحكٍ مكتومة من بعيد.
كان الطقس جميلًا على نحو استثنائي، والعشب الأخضر والسطح المتلألئ للبحيرة يلمع كأنّ الجواهر نُثرت عليه.
بشكلٍ غريب، لم يكن الجو حارًا، ولعلّ ذلك جعل سونيت تشعر وكأنها تحلم، صيفٌ لطيفٌ بلا لهيب.
نشأت في قلبها إحساسٌ بالحرية والحياة.
لطالما اعتبرت سونيت، وهي تمرّ هنا عادةً، كل من يجلس على هذا المكان ‘شخصًا غريبًا يضيّع وقته بلا تفكير‘ .
ولكن حين جلست هنا، كانت المشاهد النضرة والجو الحرّ يفوقان كلّ توقعاتها.
شعرت سونيت بارتياح غريب، فنظرت إلى إيدن، وفي اللحظة نفسها التقت أعينهما.
وبدا أنّ إيدن كان يودّ النظر إليها أيضًا.
“أليس هذا المكان جميلًا؟“
أومأت سونيت برأسها بصدق.
“يقال إنّ هذه المدرسة حين بُنيت لأول مرة، نظروا إلى هذه البحيرة قبل أن يضعوا المباني.”
مال إيدن بجذعه نحو سونيت وأكمل كلامه.
“ظنّوا أنّ وجود هذه البحيرة سيجعل الطلاب يأتون إلى المدرسة بقلوب أكثر سرورًا.”
ثم ابتسم، وكان وجهه يتلألأ بشكلٍ خاص، ربما بسبب ضوء الشمس الذي انعكس عليه.
في تلك اللحظة، ارتفعت أصوات صاخبة وعالية. كان بعض الأشخاص يلعبون في الماء على طرف البحيرة.
“أتحبين الماء؟“
“نعم.”
رفع إيدن زاوية فمه مبتسمًا وسأل.
“هل سبق وأن سبحتِ؟“
“لا.”
ارتفعت حاجبا إيدن قليلًا.
“لم تسبحي أبدًا؟“
“قليلون هم من يشبهونني ويجدون مكانًا للسباحة.”
كانت هناك أنهار بالجوار، لكنها قوية التيار، وأملاك الأثرياء غالبًا ما تضم فلل خاصة تطلّ على البحيرة أو البحر وحدها.
“سأعلّمك فيما بعد، في مكان مناسب.”
لم تجب سونيت، فهي لم ترغب باللعب بالماء مع إيدن، إذ بدا الأمر وكأنّها مع حبيبها بالفعل.
هبّت نسمة صيفية دافئة وخفيفة.
استدار إيدن نحو سونيت، وكان خصل شعره الأسود يتمايل قليلًا على جبهته.
“أيّ فصول السنة تحبين؟“
كانت عينيه الزرقاوان مليئتين بالفضول.
وبخلاف الآخرين، الذين لم يكن لديهم فضول لمعرفة شيءٍ عنها، كان إيدن يطرح العديد من الأسئلة منذ قليل.
لم تكن تعرف إن كان حقًا فضوليًا، فأجابت بصدق.
“الربيع والصيف.”
ابتسم إيدن ابتسامةً عريضة. وفجأة، شعرت سونيت أن ابتسامته تشبه الصيف المشرّع بأشعة الشمس.
“تمامًا مثلي. أنا أيضًا أحب الصيف.”
بدا سعيدًا حقًا، وأومأت سونيت فقط برأسها. لم يكن هذا التوافق يثيرها بالسرور كثيرًا.
أما سبب حبها للربيع والصيف، فكان بسيطًا. لأن نتائج الاختبارات الشاملة تصدر في هذين الفصلين.
تأمل إيدن السماء وقال.
“الجميع يكرهون الصيف لأنه حار جدًا.”
“بالرغم من ذلك، الحرارة محتملة.”
في الظلّ، لم يكن الجو حارًا، والنسيم كان منعشًا، أما تحت الشمس المباشرة فكانت الحرارة شديدة.
“بالضبط، في الصيف يمكن أن نخوض سباقات المادُو ونسبح، كما أنّ الأمطار تهطل كثيرًا.”
ساد صمتٌ قصير، ثم التفت إيدن إلى سونيت.
“هل تحبين أيضًا الأيام الممطرة؟“
كانت سونيت تحبّ أيام المطر أكثر من غيرها، لكن الغريب أنّ المطر لم ينزل حيث هي، وإذا هطلت الأمطار، سرعان ما توقفت وصفا الجو، كأنّ الغيوم تتجنّبها.
شعرت بنظرة إيدن المتوقعة لإجابتها.
كانت على وشك أن تقول “نعم“، لكنها توقفت، إذ تزامن ما تحبه مع ما يحبه إيدن. نسيم النعناع الخفيف، الصيف، والمطر.
“أحبّ المطر، لكنني أفضل الأيام الصافية أثناء سباقات المادُو. الغريب أنّه كل مرة كنت أخوض السباق، يهطل المطر، ومنذ مجيئك أصبح الجو صافيًا.”
“… “
“وبفضل ذلك فزت بالسباق أيضًا.”
حين التقت أعينهما، ارتسمت ابتسامة مشرقة على وجهه.
لم تستطع سونيت الرد. فالمطر لم ينزل أبدًا حيث هي، ومع ذلك كان إيدن سعيدًا بردّة الفعل تلك.
ابتسم إيدن بخفّة، وواصل النظر إلى البحيرة.
في تلك اللحظة، طارت نحلة، تدور حول صدر سونيت، فارتدت إلى الوراء.
اصطدمت بشيء صلب، ينبعث منه عبير نعناع لطيف؛ كان صدر إيدن.
ولما حاولت سونيت الابتعاد، أمسك إيدن بكتفها وأبعد النحلة بعيدًا.
وبعد أن ابتعدت النحلة، وضع إيدن ذراعه حول كتف سونيت، وأمال رأسه قليلًا ليطلّ عليها بقلق.
“هل أنتِ بخير؟“
كان صوته منخفضًا وجميلًا، يلاعب أذنها.
ومنذ قليل كانت كلمات مماثلة تصلها، لكنها لم تشعر بهذا الخفقان من قبل.
والوضع الحالي كان أنّها مستندة إلى إيدن.
عندما حاولت سونيت التحرك للأمام، أمسكها إيدن برفق من كتفها.
تسلّل عبير نفسه إلى أذنها وعنقها من تنفّس إيدن.
“ألا يمكنكِ البقاء هكذا؟“
لم تجب سونيت المذهولة، فمال إيدن برأسه إلى كتفها قليلًا.
“لك عبير رائع.”
اتسعت عينا سونيت بدهشة.
“عبير؟“
“نعم.”
وفي ذلك الجواب القصير المترسّخ بالنعومة، أسرعت سونيت بالسؤال.
“أيّ عبير هذا؟“
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"