استمتعوا
في الحقيقة، كان هذا السؤال يراودها منذ زمن.
وكان أيضًا السؤال الذي ملأ قلب سونيت طوال الطريق إلى هذه القاعة.
التقت عينا إيدن بعينيها، ثم قال بلطف.
“لأنكِ أنانية.”
اتّسعت عينا سونيت دهشةً من جوابٍ لم يخطر لها على بال.
ورسم إيدن ابتسامةً غامضة وهو ينظر إليها.
وغدا بريق عينيه أكثر حدّةً على نحوٍ غريب.
“ولأنكِ لا تكترثين بالناس.”
ارتبكت سونيت فلم يخرج الكلام من فمها فورًا.
ففي نظر الناس عادةً، كانت هذه الصفات مدعاةً للنفور.
ولهذا لم يجرؤ أحد على الاقتراب منها.
ولشدّة عدم تصديقها، سألت مرةً أخرى.
“حقًّا تحبّني لأنني لا أبالي بالناس وأنانية؟“
“نعم.”
ارتفعت زاوية فم إيدن الوسيم.
ظلّت سونيت تحدّق فيه بذهول.
كان قبوله لاعترافها على الفور أمرًا غريبًا، وسبب إعجابه بها أغرب.
‘أمِن كثرة ما يملك لا تجذبه الأشياء المألوفة من حوله، فينجذب إلى ما هو غير مألوف؟‘
ساورها شعور بأنها قد لفتت انتباه شخصٍ غريب الأطوار على نحوٍ خطير.
ومع ذلك، لم يكن في استطاعتها أن تنفصل عنه فورًا؛ إذ إن الخطة التي أحكمت رسمها لم تبدأ بعد، وكان في التراجع الآن جرحٌ لكرامتها.
كما أن الاعتراف بخطئها بعد أن انسكب الماء لم يعد ممكنًا.
لم تكتشف بعد سرّ استمرار إيدن في احتلال المرتبة الأولى، ولم تفعل شيئًا يعرقله، بل شعرت أنها أهدرت وقتًا ثمينًا، ولذلك لم يكن بوسعها الانسحاب هكذا.
ثبتت سونيت نظرها على الصور المعروضة أمامها، مفكّرةً في المرتبة الأولى وحدها.
كانت تشعر بنظرات إيدن إليها من جانبها، لكنها هذه المرة لم تتزعزع.
وبينما كانت تتأمل ترتيب الحروف في الوثيقة القديمة المكتشفة في المعبد، أخذ الهمس الذي كان يدور من حولها يعلو شيئًا فشيئًا حتى بلغ مسامعها.
“ألا تخجل تلك؟ وهي عاميّة الأصل.”
“بما أنها تُهزم أمام إيدن في الدراسة، فلا بدّ أنها تلتصق به لتنتفع منه بأي طريقة.”
استدارت سونيت بعينين تقدحان شررًا.
كانت جماعة ديلر تنظر إليها بازدراءٍ دائم، وديلر على وجه الخصوص لم تُخفِ يومًا كراهيتها لها.
غير أن سونيت لم تكن لتسكت.
وما إن همّت أن تردّ بكلمة، حتى اندفع قلمٌ طويل نحو كتف ديلر.
اتّسعت عينا ديلر من المفاجأة، وأدارت رأسها نحو مصدر القلم، ثم تجمّدت في مكانها من شدّة الدهشة.
فلم يكن من ألقاه سوى إيدن.
قال إيدن بصوتٍ منخفض، ووجهه خالٍ من أي ابتسام.
“يبدو أن القلم انطلق نحوكِ خطأً.”
“…….”
“التقطي القلم من فضلك.”
لم تكن نبرته مشدَّدة، غير أن في صوته مسحةً غامضة من التعالي.
كان صوته باردًا على نحوٍ يختلف تمامًا عن صوته حين كان يخاطبها قبل قليل.
نظرت سونيت إليه بغرابة، إذ بدا مختلفًا كلّ الاختلاف عمّا يكونه معها.
وظلّت ديلر تحدّق فيه مذهولة، فأعاد إيدن النظر إليها وقال.
“ألن تلتقطيه؟“
ارتجفت ديلر عند صوته البارد، وانحنت على عجل تبحث عن القلم.
ظلّت تتحسّس الأرض وتتفحّص المكان طويلًا، لكنها لم تعثر عليه بسهولة.
وكان إيدن يراقبها دون أن يفوته شيء.
ومضى بعض الوقت، حتى قالت ديلر بصوتٍ مرتجف.
“سأعيده لاحقًا…….”
“دعيه. لا أطيق أن تمسّه يدٌ من أمثالك.”
“أما ما قلته آنفًا…….”
ضحك إيدن ضحكةً قصيرة.
“تعلمين أننا نتواعد، ومع ذلك تتكلمين بذلك الأسلوب؟“
“…….”
“بل وكأنكِ تتعمدين أن نسمع.”
تلاشت بقايا الابتسام من وجهه، وغدت عيناه باردتين كالصقيع، فسارعت ديلر تقول.
“أعتذر، أنا…….”
“عليكِ أن تعتذري لسونيت أيضًا. لا بدّ أن أذنيها تلوّثتا بصوتكِ.”
التفتت ديلر إلى سونيت على عجل وقالت.
“سونيت، أنا آسفة. ما قلته قبل قليل كان بغير تفكير. أعتذر.”
أدارت سونيت رأسها ونظرت إلى الأمام.
انحنى إيدن ووضع شفتيه عند أذنها.
“هل أنتِ بخير؟“
امتزجت رائحة النعناع العطرة بأنفاسه التي لامست عنقها.
ارتجفت سونيت في سرّها، لكنها أومأت برأسها وكأن شيئًا لم يكن، ناظرةً إليه بجهد.
ابتسم إيدن ابتسامةً خفيفة ثم نظر إلى الأمام.
شعرت سونيت بإحساسٍ غريب يتسلّل إلى قلبها.
ففي مثل هذه المواقف، كانت دائمًا تقاتل وحدها.
صحيحٌ أنها لم تشعر بالوحدة وهي تعيش على ذلك النحو، لكن أن يقف إلى جوارها أحدٌ ويقاتل عنها كان شعورًا مريحًا ومطمئنًا في آنٍ واحد.
‘ألهذا السبب يرتبط الناس ببعضهم؟‘
اختلست سونيت نظرةً إلى جانبها.
كان إيدن، رغم العتمة، يقرأ كتابًا عن الأسلحة.
وقد امتلأت صفحاته المفتوحة بشفراتٍ فضيةٍ حادّة.
في السابق كانت ستسخر منه، أمّا الآن فلم تخرج منها سخرية.
بل بدا لها إيدن مدهشًا قليلًا.
فهو متفوّق دراسيًّا، ومع ذلك يطالع مثل هذه الكتب أيضًا.
وما إن خطرت لها الفكرة حتى أدارت رأسها سريعًا نحو الأمام، وانعقد حاجباها لحظةً.
‘إن استمرّ الأمر هكذا، فسأُفتن بإيدن قبل أن أصبح الأولى.’
حصرَت سونيت تفكيرها في المرتبة الأولى وحدها، ولم تعد تمنحه أيّ التفات.
وحين احتقنت عيناها وبدأتا تؤلمانها، أضاءت القاعة من حولها.
تنفّست سونيت الصعداء ونهضت من مقعدها.
انتهت محاضرة الوسائط السمعية البصرية، وبعد الغداء لن يبقى لهذا اليوم درسٌ آخر.
أي إنّه لم يعد عليها أن تبقى ملتصقةً بإيدن.
نهضت مسرعة، وما إن حملت حقيبتها حتى قال.
“أين سنأكل الغداء؟“
“ماذا؟“
“يجب أن نتناول الغداء.”
تساءلت سونيت وهي تحمل حقيبتها عمّا يجري.
أهكذا يكون الأمر حين يرتبط شابٌّ وفتاة؟ يتناولان الغداء معًا ويمكثان معًا طوال الوقت؟
وبينما كانت غارقةً في أفكارها، قال إيدن.
“لن تأكلي؟“
“بل، يجب أن آكل.”
وكأنها مسحورة، تبعت سونيت إيدن.
وما إن خرج من القاعة حتى استدار ووقف أمامها.
“يقولون إن شطيرة الجزر المشوي في مطعم الطلاب لذيذة، هل جرّبتِها؟“
“لا.”
ابتسم إيدن وأمسك يدها.
بات الأمر طبيعيًّا الآن إلى حدّ ما.
“إذن فلنذهب لنجربها.”
لم تستطع سونيت أن ترفض، فاتجهت معه إلى مطعم الطلاب، الذي كان يعجّ بالطلبة منذ الآن.
“انتظري قليلًا.”
ناولها حقيبته، ثم ذهب ليطلب الطعام.
نظرت حولها، فلم تجد مقعدًا شاغرًا.
في العادة، لم تكن سونيت تأكل في مطعم الطلاب.
كانت تشتري شطيرة جزر من متجر السندويشات أمام المدرسة، ثم تجلس على مقعدٍ قريب وتأكلها.
فمطعم الطلاب كان دائمًا مزدحمًا صاخبًا وقت الغداء، كأنه عالمٌ خاصٌّ بهم وحدهم.
وبينما كان إيدن ينتظر طلبه، التقى بأصدقاء يعرفهم، فتجمّعوا حوله وتبادلوا الحديث.
كان يستند إلى الجدار، عاقدًا ذراعيه، يتحدّث معهم، ويبدو في غاية الهدوء رغم الفوضى المحيطة.
وحين خرج الطلب، ودّعهم وأخذ الشطيرتين وعاد.
وما إن وصل إليها حتى قال.
“لنأكل أمام بحيرة دالينت.”
“البحيرة؟“
“أم تفضّلين أن نأكل هنا؟“
“أليس المكان ممتلئًا؟“
“لي مقعدٌ خاصّ أجلس فيه.”
أشار بعينيه إلى بابٍ قريب من منصة الطلبات.
أكان هناك غرفةٌ خاصّة للأكل؟
لم يخطر ذلك ببالها قط، فبدا لها إيدن غريبًا، ثم كأن الأمر طبيعيّ.
“نذهب إلى هناك؟“
تفرّس إيدن في ردّ فعلها.
هزّت سونيت رأسها نافية.
فأن تكون مع إيدن وحدهما في غرفةٍ مغلقة أسوأ من الجلوس أمام بحيرةٍ واسعة.
لأنها حين تنفرد به، تشعر وكأنها تُسحَر دون وعي.
مدّ إيدن ذراعًا واحدة.
“أعطيني الحقيبة.”
ناولته إيّاها، فتسلّمها بخفّة، وفي يده الأخرى ما تزال الشطيرتان.
وحين حاولت أن تأخذ إحداهما، رفع ذراعه قليلًا.
“سأحملها أنا.”
ابتسم لها بعينيه، ثم خرج من مطعم الطلاب.
وفي طريقهما إلى بحيرة دالينت، حيّاه كثيرون بتحيّاتٍ ودودة.
كان يعامل الناس بما يوافق سمعته الطيبة، على خلاف بروده الذي أبداه تجاه ديلر في قاعة المحاضرة.
ضيّقت سونيت عينيها وهي تسير خلفه.
‘أهو صادق حقًّا؟‘
مهما قال إنه يحبّ من لا تكترث بالناس وتكون أنانية، لم تستطع أن تفهم لماذا يحبّها.
‘لابدّ أن وراء الأمر غايةً خفيّة.’
وهكذا تبعته، وهي تظنّ أن له مقصدًا مستترًا.
كانت بحيرة دالينت من معالم روسفيلد الشهيرة.
حتى إن الزوّار الذين يقصدون المنطقة للسياحة يأتون خصيصًا لرؤية هذه البحيرة، لما فيها من جمالٍ وسحرٍ رومانسي.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"