استمتعوا
‘ما الذي ينبغي أن أقوله لأتجاوز هذا الموقف؟‘
لم يكن القول إنها تكره تبادل القبل أمام الناس جوابًا حسنًا أيضًا. فهي أصلًا كانت قد ألقت بذلك الاعتراف المشؤوم أمام الجميع.
“أعني أنني……”
ترددت سونيت لحظة، ثم تمتمت بصوت خافت.
“أنت مشهور جدًّا، فشعرتُ بالغيرة.”
وما إن أتمّت كلامها حتى غمرها شعور بالازدراء الذاتي. أكان هذا، بعد كل ذلك التفكير، أفضل ما استطاعت أن تخرجه؟ أن تقول إنها غارت؟
أكان هذا حقًّا الخيار الأمثل؟
ومع ذلك، وقد خرج الكلام من فمها، أضافت لتؤكّد قولها.
“كل ما نفعله يعرفه الناس جميعًا ويحظى بالاهتمام، وذلك يثير غضبي أيضًا.”
أقام إيدن جذعه معتدلًا كأنما زال عنه التوتر، وابتسم ابتسامة منفرجة تمامًا.
“لذلك غادرتِ أولًا؟“
“نعم، أريدك لي وحدي حين لا يرانا أحد.”
ولعلها بعدما نطقت بكلام غريب، لم يعد الغريب يثقل على لسانها.
لم يقل إيدن شيئًا.
اكتفى بأن يحدّق فيها طويلًا.
كانت عيناه متقدتين بإلحاح، كأنهما تنفذان إلى أعمق موضع في قلبها.
أحمرّ وجه سونيت من وطأة تلك النظرة، فأسرعت تصرف بصرها، وتعمّدت أن تغيّر مسارها مبتعدة عنه.
لكن إيدن وسّع خطاه في لحظات ولحق بها.
“هل لديكِ أمرٌ عاجل؟“
قالت سونيت دون أن تتوقف.
“محاضرة الوسائط السمعية والبصرية يجب أن نحجز مقاعدها باكرًا.”
أمسك إيدن يدها برفق.
توقفت سونيت فجأةً، وانتفضت حين نظرت إليه، فابتسم وهو ينظر إليها نظرة مائلة.
“إن ذهبتِ معي فلن تحتاجي إلى الاستعجال.”
“لماذا؟“
“لأن لي مقعدًا.”
وبتلك الجملة الواحدة، كأن الأمر قد حُسم كلّه، شدّ إيدن على يدها بلا اكتراث.
كانت تلك أول مرة تمسك فيها يد رجل، فغمرها شعور بالغربة.
بل إنها لم تمسك يد صديقة من قبل؛ إذ نادرًا ما نسجت رابطة مع أحد.
خطرت ببالها فكرة أن تسحب يدها، لكنها عدلت عن ذلك. فهي التي اعترفت أولًا، وعليها على أي حال أن تتصرّف كحبيبة. عندئذٍ لن يبقى لإيدن ما يثير شكّه.
وهي تسير ممسكة بيده، لم تدرِ أكانت يده كبيرةً على وجه الخصوص أم أن أيدي الرجال كذلك، لكنها كانت عريضة متينة، ورغم قبضته اللطيفة، كان في يده قوّة محسوسة.
‘ما هذا الشعور الذي لا أكرهه؟‘
قبل لحظات كان الأمر يربكها، أما الآن فلم يعد مزعجًا إلى ذلك الحد.
ومهما فكّرت، بدا الأمر غريبًا.
فالسير ويدها في يده جعلهما كأنهما حقًّا حبيبان.
وكان الأجمل من ذلك رائحة النعناع الخفيفة المنبعثة منه.
‘إنها رائحة نعناعٍ من إقليم إيتار، لا شك.’
غير أن نعناع إقليم إيتار لم يكن من الفخامة والغلاء بحيث يتلذذ به إيدن، وريث عائلة روسفيلد.
نبيلٌ رفيع الشأن، يرتاد حلبات القتال بالأيدي العارية، وتفوح منه رائحة نعناع قد تعجبها……
‘يا ترى، أيّ نوعٍ من الفتيان هو؟‘
رفعت سونيت نظرها إليه بلا شعور.
كانت عيناه، وهما تتطلعان إلى الأمام ببرود، وأنفه المستقيم، يمنحانه مسحة قاسية لا ريب فيها.
كأن حوله جدارًا غير مرئي يمنع الآخرين من الاقتراب.
وكأنه أحسّ بنظرتها، فخفض رأسه طبيعيًّا ونظر إليها.
انفرجت عيناه اللتان كانتا جامدتين، وانحنتا بلينٍ عفوي.
“ماذا؟“
رفعت سونيت زاوية شفتيها ابتسامةً متكلّفة، ثم أشاحت بوجهها.
“لا شيء.”
لم تكن في الأصل تهتم بالناس، لكن إيدن، على نحوٍ غريب، أيقظ فضولها.
وربما لأن حدسها أخطئ مرارًا، استبدّ بها العناد.
وفي أثناء ذلك، لم تكفّ الأنظار من حولهما عن التسلل نحوهما.
كان ذلك الاهتمام قد بدأ منذ الاعتراف العلني، حين تصدّرت صورتهما الصفحة الأولى من نشرة المدرسة.
وعلى ذكر ذلك، كان إيدن عادةً يسير محاطًا بأصدقائه، غير أن أحدًا منهم لم يكن معه اليوم.
“وأين أصدقاؤك؟“
نظر إليها إيدن بتمعّن، فأكملت سونيت حديثها على سجيّتها.
“كان حولك دائمًا كثير من الأصدقاء.”
“وأنتِ معي، فما حاجتي إلى أصدقاء؟“
ومع كلماته شدّ على يدها أكثر.
رفعت سونيت نظرها إليه وقد فاجأها الجواب.
“ألن يحزنوا؟“
“لا شأن لي. أنا أواعدكِ، ولا أريد أن ألتفت إلى ردود أفعالهم.”
قالها إيدن بلهجة عادية، لكن سونيت لم تستطع أن تفهمه.
مع أنّه أصبح له حبيبة، أمن المعقول له أن يُهمِل أصدقاءه هكذا فورًا، ومن غير اكتراث؟
‘أهو جادّ؟‘
أم لعلّه يمازحني بكلامٍ يراد به السخرية؟ ساورها الشكّ. غير أنّ ملامح إيدن بدت جادّة إلى حدّ بعيد.
‘متى كان يسير محاطًا بالجماعات، ثم لأجلي أنا وحدي يتركهم؟ لماذا؟‘
ظلّت حيرة سونيت ترافقها حتى وصلت إلى قاعة المحاضرات السمعية البصرية.
جلس إيدن في الصفّ الأمامي، مستوليًا على المقعد.
كان ذلك المقعد يظلّ شاغرًا دائمًا، إذ كان يجلس فيه مع أحد أصدقائه. أمّا الآن، فلم يكن في الصفّ الأمامي سواهما.
ويبدو أنهما قد وصلا باكرًا، إذ كانت القاعة هادئة.
وما إن جلس إيدن إلى جوار سونيت حتى أخذ يحدّق فيها مبتسمًا ابتسامةً خفيّة.
حاولت سونيت أن تصرف انتباهها عنه، فأخذت تعبث بحقيبتها عبثًا مفتعلًا.
غير أنّه، طوال ذلك، لم يرفع عينيه عنها لحظة واحدة.
‘أهكذا تكون العلاقة؟‘
كانت نظرته ملحاحة إلى حدّ لا يُحتمل. ولم يبقَ في الحقيبة ما تُخرجه.
وبينما كانت تفتّش في الفراغ، مدّ إيدن ذراعه وأحاط بظهر مقعدها.
“ليس هنا سوانا.”
اتّسعت عينا سونيت من قرب المسافة المفاجئ.
خفض إيدن رأسه قليلًا، ونظر إلى عينيها نظرةً مائلة.
“تحبّين مثل هذا الجوّ، أليس كذلك؟“
كان صوته منخفضًا هامسًا، ينساب بخفاء، فشعرت بدغدغةٍ عند أذنها.
واهتزّ قلبها مرةً أخرى على نحوٍ لم تتوقّعه.
كان إيدن بارعًا، طبيعيًّا إلى حدّ مريب.
أشاحت سونيت بنظرها عنه، وقالت متظاهرةً بالهدوء.
“هناك أناسٌ في الخلف.”
ضحك إيدن بخفّة.
“لا تكترثي لهم.”
شعرت بأنفاسه قريبةً من شفتيها.
وعبرت رائحة النعناع التي تحبّها أنفها بقوّة، حتى خُيّل إليها أن جسدها قد شُلّ.
أنفاسه، ورائحة النعناع، ونظرته… جعلت عقلها يبيضّ فراغًا.
لقد انصرفت إلى الدراسة وحدها، ولم تُحسن قطّ بناء العلاقات أو التصرّف بطبيعية مع الناس، فبدت الآن في غاية الارتباك.
‘كيف يُفترض أن أقول وأفعل في مثل هذا الموقف؟‘
عندها رفع إيدن زاوية فمه وهو يحدّق في عينيها.
“حين اعترفتِ لي أولًا، بدوتِ واثقةً إلى أقصى حدّ، فلماذا حين تكونين معي لا تستطيعين فعل شيء؟“
كان على وجهه أثر ابتسام، غير أن عينيه كانتا حادّتين.
حقًّا، لم يكن إيدن خصمًا هيّنًا.
لابدّ أن له غايةً خفيّة؛ وإلا فما الذي يدعوه إلى أن يُمسك بزمام الأمور هكذا ويحرّكها كما يشاء؟
شدّت سونيت نظرها، وكأنها عقدت عزمها، وتكلّمت بحزم.
“لأنني حين أكون معك أرتجف كثيرًا وأتوتر.”
“…….”
“كنتُ أفكّر بك دائمًا في ذهني فحسب، لكن حين أكون معك هكذا، يبدو الأمر كأنه حلم.”
لان بريق عينيه الذي كان كالجليد، وارتسمت ابتسامة عند شفتيه.
“أحقًّا؟“
قالها بلطف، ثم أرخى ذراعه عن مقعدها وضمّها إليه.
وفي لحظة، وجدت سونيت نفسها غارقةً في حضنه، فتجمّدت مكانها.
‘ليس هكذا كان ينبغي أن يكون.’
وبينما كان عقلها شاردًا، شدّد إيدن عناقه وهمس بصوت منخفض.
“سأعانقك كثيرًا.”
“…….”
“حتى لا يبدو الأمر كالحلم.”
حبست سونيت أنفاسها.
لامست أنفاسه أذنها برفق، وكان في ذلك شعور غريب، وكذلك تماسّ جسديهما الوثيق.
ولم يكن الأمر مقزّزًا أو ممقوتًا كما توقّعت. مع أنه، بلا ريب، نبيلٌ متعالٍ يفيض إحساسًا بالتفوّق. فلماذا إذًا……؟
وبينما كانت غارقةً في حيرتها، ابتعد عنها إيدن ببطء.
نظر إليها مبتسمًا، ثم أخرج كتابًا من حقيبته.
أطلقت سونيت الزفير الذي كانت تحبسه. لم يكن إيدن بالخصم السهل كما ظنّت.
فمنذ اللحظة التي قبّل فيها اعترافها، الذي بدا كأن روحًا شريرةً ألهمته، دفعةً واحدة، كان الأمر غير عادي.
نظرت إليه متجاهلةً قلبها الذي لم يكفّ عن الخفقان منذ قليل. لا ينبغي لها أن تنجرف معه أكثر من ذلك.
شدّت عينيها نحوه، فإذا به يفتح كتابًا يتحدّث عن الأسلحة. فسألته على الفور.
“لماذا تحبّني؟“
كان عليها أن تدرك الحقيقة أولًا. فلا بدّ أن وراء الأمر قصدًا خفيًّا.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"