استمتعوا
تابعت سونيت ما تبقّى من المباراة.
كانت تظنها صاخبةً ومعقّدةً ومملّة، غير أنّ قوانينها كانت أبسط مما توقّعت، وفيها قدرٌ خفيّ من التوتّر والإثارة.
وفوق ذلك، كان مقعدها قريبًا من الملعب إلى حدٍّ جعل المشهد حيًّا نابضًا أمام عينيها.
في تلك اللحظة، اندفعت الخيول لتحيط بإيدن.
هذه المرّة بدا كأن لا منفذ له إطلاقًا، إذ أُحكم الطوق حوله بإحكام.
مهما بلغت براعته في امتطاء الخيل ولعب المادو، بدا أن الكرة ستُنتزع منه هذه المرّة.
ومع ذلك، لم تستطع سونيت أن تصرف بصرها عنه، فقد أرادت أن ترى ماذا سيفعل.
كانت الخيول المحيطة به على مسافة تكاد تلامسه.
وفجأة، أدار إيدن رأس حصانه جانبًا وتوقّف.
ارتبك الملاحقون وأوقفوا خيولهم.
تعالت صفّارات التحكيم من حولهم.
من غير تردّد، لوّح إيدن بعصاه بقوّة، فانطلقت الكرة مسافةً بعيدة ودخلت المرمى.
انفجرت الهتافات من جديد.
امتزج قرع الطبول بصفير المزامير، فارتفع الصوت عاصفًا.
كان صخبًا عظيمًا، لكنه لم يؤلم أذنيها، أهو لاتساع الملعب أم لأن سمعها اعتاد الضجيج؟
أدار إيدن حصانه ببطء، ثم التفت برأسه.
وفجأة، التقت عيناه بعيني سونيت.
شعرت وكأن أنفاسها توقّفت.
ولمّا بقيت جامدةً في مكانها، ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ رقيقة.
تعالت من حولها صيحات الفتيات مع دويّ الطبول.
ارتبكت سونيت ونظرت إلى جانبيها.
لم يكن ثمة أحد يجلس بجوارها.
وحين أعادت نظرها إلى الأمام، كان إيدن قد ابتسم ابتسامةً خاطفة، ثم اندفع بفرسه من جديد.
‘أهو صادق؟‘
راودها فضولٌ حقيقي.
لماذا يعاملها هكذا؟
الجميع يكرهونها، فلماذا هو وحده يُظهر لها الودّ؟
حدّقت فيه مليًّا.
لم يخطئ قطّ.
كان يضرب الكرة بإتقانٍ كامل، ويقود حصانه بمهارةٍ لا يعثر معها أو يسقط.
وبينما تنظر إليه الآن، كادت تنسى أنه ضرب إنسانًا حتى كاد يقتله.
بل بدأت تفهم لماذا تهتف الفتيات له بجنون، بل وحتى الفتيان يحبّونه.
تردّد اسمه في الأرجاء وسط هتافاتٍ تكاد تمزّق الآذان.
انتهت المباراة.
لم تكن بحاجة إلى النظر إلى لوحة النتائج لتدرك أن روسفيلد قد فازت.
ضحك إيدن مع زملائه وضرب بعصاه عصيّهم بخفّة، ثم اتجه بحصانه نحو المدرّجات.
تعاظم الهتاف أكثر.
توقّف أمام سونيت مباشرةً.
نزع قبعته في الحال.
كان شعره مبتلًّا بالعرق، وعيناه حيّتين نابضتين، كأنما يريد أن يقول شيئًا.
وقفت سونيت كالمسحورة.
وبما أنها اعترفت له من قبل، فقد رأت أنه ينبغي أن تُظهر بعض المودّة، فتقدّمت نحوه حتى صارت قريبةً منه.
وما إن التقت عيناها بعينيه الزرقاوين الصافيتين حتى انحنى برأسه.
وفي اللحظة التي لامس فيها نَفَسه خدّها، انبعث ضوءٌ في الأرجاء.
كان الأمر خاطفًا.
وسّعت سونيت عينيها وهي تنظر إليه.
ابتسم إيدن بارتياح، ثم أدار حصانه عائدًا إلى حيث يقف فريقه.
وقد خلّف وراءه أثرًا من رائحة النعناع.
ظلّت سونيت تحدّق فيه بذهول.
كان الضوء يومض من حولها مرارًا.
وعندها لاحظت كثرة من يحملون آلات التصوير بالقرب منها.
حتى إن بعضهم أطلق صرخات.
كأنهم شهدوا أمرًا لا يُصدَّق.
أو كأنهم رأوا مشهدًا غريبًا لم يشهدوه في حياتهم قطّ.
شحب وجه سونيت، فسارعت إلى جمع حقيبتها.
وشقّت طريقها بعنفٍ بين حاملي الكاميرات، لا تكاد تعي ما حولها.
كان في خدّها أثرٌ باقٍ كأن نَفَس إيدن ما يزال عالقًا هناك.
وضعت يدها على خدّها وأسرعت في خطاها.
‘إيدن، كفطيرة التفاح.’
تمتمت في سرّها بأقسى شتيمةٍ تعرفها.
فطيرة التفاح كانت أكثر ما تمقته؛ إذ سبق أن أكلت فطيرةً ساخنةً فأحرقت سقف حلقها ولسانها، وأصابها بعدها عسرُ هضمٍ شديد.
وبدا لها أن عبير النعناع يلاحقها كلما ابتعدت.
فأسرعت أكثر.
ولم تستعد أنفاسها إلا بعد أن خرجت من الملعب.
زفرت بصعوبة، كأنها ركضت حتى تذوّقت طعم الدم في حلقها.
وكلما أغمضت عينيها، تذكّرت لحظة انحنائه، ونَفَسه القريب، ورائحة النعناع.
اتّسعت عيناها مجددًا، فأسرعت في السير وعضّت شفتها السفلى بقوة.
‘أليس هذا تحرّشًا؟‘
لكن حين فكّرت في الأمر، لم يكن كذلك من وجهة نظر إيدن.
فهي التي بادرت بالاعتراف أولًا.
وهي التي أكّدت أن اعترافها لم يكن مزاحًا.
ولو كان بالنسبة لها كذبةً فحسب.
كادت تبكي.
أطرقت رأسها وهرولت نحو السكن.
ما إن دخلت غرفتها حتى أغلقت الباب بإحكام، وألقت حقيبتها أرضًا، وارتمت على سريرها.
كانت تضرب الفراش بذراعيها بقوّة.
‘لم يكن هذا ما أردته.’
وخاصةً أن يُظهر ذلك أمام الجميع على هذا النحو.
فالضوء الذي لمع من حولها لا بدّ أنه…
‘التُقطت صور.’
كانت تخبط قدميها وهي عاجزة عن رفع وجهها.
إيدن، كفطيرة التفاح!
تدفّقت الشتيمة من أعماقها، فازدادت قوة حركتها، وراح السرير يهتزّ واهنًا تحت اضطرابها.
***
في اليوم التالي.
فتحت سونيت باب غرفتها كعادتها.
وفجأةً، تناثر عند قدميها شيءٌ بغتةً.
كانت صورًا لها، التُقطت دون إذن، وقد كُتبت فوقها بمدادٍ أحمر عبارات مثل “أهذا معقول؟” وسُطّرت عليها شتائم، بل رُسم على وجهها في بعضها علامة X كبيرة.
قطّبت سونيت جبينها والتقطت ما سقط أرضًا.
وكان من بينها صحيفة.
إنها صحيفةٌ مدرسية.
تصدّرت الصفحةَ الأولى صورةٌ ضخمة لسونيت وإيدن.
ولم تكن صورةً عادية، بل لقطةً للحظةٍ كانا فيها يتبادلان قبلة.
وكان المشهد في حدّ ذاته مُحرِجًا، غير أنّ العنوان تجاوزه إحراجًا، إذ تزيّن بعبارة. “سونيت هي جنّيّة انتصاري!” وما شابهها من كلمات.
قبضت سونيت على الصحيفة المدرسية وجعّدتها كما هي.
ولم يَكْفِها ذلك، فمزّقتها تمزيقًا عنيفًا، ثم جمعت القصاصات والصحيفة وألقتها بعيدًا، وغادرت السكن.
وما إن خرجت حتى علا همسٌ مضطرب.
رفعت سونيت رأسها، فهبّت إليها رائحة النعناع بغتةً.
كان إيدن ينظر إليها مبتسمًا ابتسامةً لطيفة.
وكان يبدو في غاية السلامة وطيب المزاج، حتى إن الغضب غلا في صدرها، لكنها كتمته.
ففي النهاية، كانت هذه الفوضى كلّها نتيجة ما أقدمت عليه هي.
‘لم أكن أتصوّر أن اعترافي لإيدن سيعود عليّ بهذا الشكل.’
عندئذٍ قال إيدن.
“هل تناولتِ الفطور؟“
أجابت سونيت دون أن تنظر إليه.
“أنا لا أتناول الفطور عادةً.”
كان صوتها صلبًا كحجرٍ خالٍ من المشاعر.
“ستذهبين إلى المحاضرة السمعية البصرية للأستاذ سيريلد اليوم، أليس كذلك؟“
كان صوته منخفضًا، غير أن فيه حيويةً خفيّة تجعل الاستماع إليه مستساغًا.
أطرقت سونيت رأسها ومضت متجاوزةً إيّاه.
ولمحت عابرًا في يده غلافًا أحمر.
بدا كأنه لحمٌ مجفف يُباع قرب سكن الطالبات.
ظلّ إيدن يبتسم وهو يسايرها في الخطو.
“لماذا غادرتِ أمس أولًا؟“
“…….”
“ألم تقولي إنك تحبينني؟“
لامس ذراعُ إيدن كتفَ سونيت.
توقّفت فجأةً عند ذلك التماس غير المتوقع.
وحين التفتت إليه، رفع زاوية شفتيه كأنما كان ينتظر ردّها.
“أكان كذبًا؟“
وعلى الرغم من لطف نبرته، كان في عينيه بريقٌ حادّ كأنهما تفحصانها تفحّصًا دقيقًا.
تماسكت سونيت بصعوبة وقالت.
“ليس كذبًا… إنما ارتبكتُ أمس فحسب.”
“ظننتُ أنني فزتُ بفضلكِ أمس. حتى الطقس كان رائعًا.”
حدّق فيها إيدن طويلًا.
كان في وجهه ابتسامٌ خفيف، وعيناه الزرقاوان الصافيتان تسلبان اللبّ على نحوٍ غريب.
كان يمتلك سحرًا يجعلك ترغبين في أن تقولي أمامه الصدق وحده.
‘كنتُ متأكّدةً أنّني وعدتُ نفسي ألّا أنجذبَ إلى إيدن.’
استفاقت سونيت سريعًا.
ولم يكن غريبًا، من وجهة نظر إيدن، أن تبدو تصرّفاتها غير مفهومة.
فهي التي اعترفت بحبّها، ثم بدأت فجأةً تتصرّف كأنها تبتعد.
وقف إيدن أمامها طبيعيًّا فسدّ طريقها.
تردّدت سونيت لحظةً، فارتسم على وجهه مسحةُ حزن.
“منذ أن اعترفتِ لي، أشعر كأنني أحبّك وحدي.”
انعقد لسان سونيت.
كان ينظر إليها نظرةً نافذة، وخفق قلبها سريعًا.
قال وهو يحدّق فيها.
“كأنني قبّلتك لأنني أنا وحدي المعنيّ بالأمر.”
بدت سونيت كأنها تجمّدت في مكانها، فانفرج وجهه فجأةً وابتسم.
وأمال رأسه برفق مستندًا إلى كتفها.
“لستُ وحدي من يحبّ، أليس كذلك؟“
كانت النظرة التي التفت بها إليها غريبةً في إلحاحها.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"