استمتعوا
“هل أنتِ بكامل وعيكِ؟“
“أتيتُ إلى هنا ولم العب أبدا، بل لم أفعل سوى الدراسة، ثم جاء هو فجأة، فأصبحتُ أنا في المرتبة الثانية.”
“إن كان هدفكِ أن تصبحي باحثة، فليس من الضروري أن تحرزي المركز الأول. أنتِ كافية تمامًا…….”
“أشعر وكأن وجودي قد دِيسَ تحت الأقدام في لحظة.”
“…….”
“بسبب إيدن.”
كانت سونيت دائمًا الأولى.
وفي هذا المكان المفعم بالاستخفاف والازدراء، كان ذلك وحده كافيًا ليمنحها شعورًا بأنها المنتصرة، وأن وجودها مُعترفٌ به.
مهما نظروا إليها نظراتٍ سلبية أو عاملوها باحتقار، كان يساورها إحساسٌ بأنها أعلى منهم درجةً. وكانت الأموال تأتي تبعًا لذلك بطبيعة الحال.
أما الآن، فقد انهار حتى هذا. واستحضرت سونيت في ذهنها المهانة التي عاشتها وهي في المرتبة الثانية طوال هذا الوقت، وحدّقت في تيستر.
“لولا إيدن لكنتُ أنا الأولى.”
قطّب تيستر حاجبيه وكأنه يختنق ضيقًا.
“منذ البداية، إيدن مختلفٌ عنا.”
“…….”
“هو من أولئك الذين لا يمكننا أن نغلبهم أبدًا.”
ما إن سمعت ذلك حتى اشتدّت قبضتها. ولأن كلامه صائب، ازداد غضبها اشتعالًا.
“ومع ذلك، سأغلبه.”
نظر تيستر في عيني سونيت ثم هزّ رأسه. وابتعد عن الشجرة رافعًا يديه.
“كنت أعلم أن تعلّقكِ بالمركز الأول يصل إلى حدّ الهوس، لكن الآن لم أعد أفهمك.”
تجاوزها ثم توقّف لحظةً واستدار إليها.
“إياكِ أن تحبّيه بصدق.”
“ولِمَ؟“
“لأنني لا أظن أن إيدن سيحبّكِ بصدق.”
كان كلامه صحيحًا. فسونيت نفسها كانت تظن أن لإيدن نوايا خفية.
“لا تقلق. اعترافي كان زائفًا، ولن أنغمس بصدق.”
تأملها تيستر لحظة، ثم غادر المكان دون أن يزيد حرفًا.
بقيت سونيت واقفةً طويلًا في قيظ الحرّ.
كانت الأوراق المتدلّية من الشجرة تحجب وهج الشمس فتمنح بعض البرودة، لكن وجهها ظلّ متّقدًا بحرارته.
انساب العرق على جبينها، فمسحته على عجلٍ بضيق.
وسارت بخطواتٍ حادّة فوق الطريق المرصوف بالحجارة.
مهما كان نسب إيدن عريقًا ودرجاته مرتفعة، فلا بدّ أن هناك طريقةً للتغلّب عليه.
كأن تواعده فتشغله عن الدراسة مثلًا.
صحيح أن إيدن لم يُلحق بها أذى مباشرًا، لكنه كان زعيم الجماعة التي تتعمد تجاهلها. وإن كان يردعهم حين يكون حاضرًا.
‘إنه ذلك الشعور النبيل بالتفوّق الفطري.’
يتظاهر بأنه إنسانٌ حسنٌ بدافع السمعة، وينظر إليها بعين الشفقة.
ومنذ أن التحقت بهذه المدرسة، عرفت سونيت معرفةً يقينية مدى ازدراء النبلاء لعامة الناس.
وظنّت أن إيدن ليس استثناءً من ذلك.
توجّهت بخطواتٍ سريعة نحو الإدارة، ثابتة العزم.
إن لم تُعتمد شهادة الخدمة هذه المرة، فهي عازمةٌ على أن تُعالج الأمر مهما كلّفها.
فتحت باب الإدارة.
ما إن رنّ الجرس حتى التفتت الأنظار إليها جميعًا.
بل إن أحدهم نهض من مقعده مرحّبًا بها بابتسامةٍ عريضة.
“هل أنتِ الطالبة سونيت؟“
بنبرةٍ في غاية اللطف، هزّت سونيت رأسها على استحياء.
اقترب الموظف منها مبتسمًا إشراقًا.
“ما الذي جاء بكِ اليوم؟“
وقفت سونيت مذهولة، فلم تخرج الكلمات من فمها فورًا.
فالأجواء والمعاملة هنا تختلفان اختلافًا تامًا عما اعتادته في الإدارة. بل إنهم يعرفون اسمها أيضًا.
ولما بقيت صامتةً تحدّق به، أمسك بذراعها برفق.
“هل تودّين الجلوس هنا قليلًا؟“
جلست سونيت على غير وعي، فسألها الموظف.
“أتفضلين القهوة أم الشاي؟“
في تلك اللحظة، قطّبت سونيت جبينها وهزّت رأسها نفيًا.
لم تكن ترغب الآن في احتساء شيءٍ بهدوء.
“هل تمّت معالجة شهادة خدمتي؟“
عندئذٍ فقط بدا الموظف وكأنه وجد ما ينبغي عليه فعله، فأسرع إلى مكتبه، ثم عاد يحمل ملفًا وقدّمه إليها بحذر.
“لقد أُنجزت المعاملة على أكمل وجه.”
تحقّقت سونيت من المستند لتتأكد من صحة كلامه.
وكما قال الموظف، فقد استوفت شروط التخرّج كاملة. ولم يبقَ لها سوى حضور المحاضرات وأداء الاختبارات، ثم تتخرّج فورًا.
تذكّرت كلمات أحد الطلاب التي سمعتها سابقًا.
“لماذا هذه المدرسة بطيئة إلى هذا الحد في إنجاز الأعمال؟ لقد قدّمنا شهادات الخدمة كلها، ومع ذلك يطلبون الإسراع. كل ما عليهم هو الموافقة فحسب.”
كانت شهادة سونيت قد تأخر البتّ فيها طويلًا أيضًا.
غير أن المستند الذي بين يديها الآن يُثبت أن جميع الإجراءات الإدارية، بما فيها ما يتعلق بالخدمة، قد أُنجزت بالفعل على نحوٍ كامل.
أمرٌ ظلّ يتعثر رغم مطالبتها المستمرة، يُحلّ دفعةً واحدة.
لم تستطع سونيت أن تتأقلم مع هذا التبدّل المفاجئ في الأجواء.
بل إن موظف الإدارة عاملها بمنتهى الاحترام.
على خلاف السابق، حين كان يبدو متضجّرًا منها أشدّ الضجر.
“هل تحتاجين إلى شيءٍ آخر؟“
كان صوته سلسًا كقطرة ماءٍ تنزلق فوق ورقةٍ خضراء.
نهضت سونيت وهي تمسك بالمستند.
“لا بأس.”
وغادرت الإدارة.
وفي الممر، أعادت التحقق من الأوراق، فوجدت شهادة الخدمة مُنجزةً تمامًا.
ظلّت تحدّق في المستند طويلًا. تصرّف الموظف، وسرعة الإنجاز.
‘أيعقل أن يكون السبب… إيدن؟‘
لم تجد تفسيرًا سواه.
أرخَت يدها التي تحمل المستند بفتور.
‘أبهذه السهولة؟‘
كانت عزيمة القتال التي تغلي في صدرها عند دخولها الإدارة قد انطفأت فجأة.
‘أهو أمرٌ حسن أم سيئ؟‘
على أي حال، فقد تمّت الموافقة على شهادة الخدمة، وزال القلق الذي كان يؤرقها.
‘يكفيني أن أجني الفائدة. على هذا النحو.’
قرّرت سونيت أن تنظر إلى الأمر من زاويةٍ إيجابية قدر الإمكان.
فالنتيجة لم تكن سيئة، مهما يكن.
بعد ثلاثة أيام، ضجّت المدرسة صخبًا.
لم تكن هناك دروس تُذكر.
إذ كان يوم إقامة مباراة المادو.
وقد انتهت الاختبارات قبل فترة قصيرة، فغدا اليوم أشبه بمهرجانٍ كامل.
كان السماء توحي بأنها ستمطر في أية لحظة، ومع ذلك دوّى قرع الطبول وصفير المزامير منذ الصباح.
وعلى الرغم من سوء الطقس، تجمّع الطلاب في أزيائهم التشجيعية، وقد رسموا نجومًا زرقاء على وجوههم، يتنقّلون جماعاتٍ وسط الضحكات.
وقفت سونيت في غرفتها بالسكن تراقب الضجيج، ثم نظرت إلى التذكرة التي منحها إياها إيدن.
‘بعد أن اعترفت له، لا يليق بي ألا أذهب، أليس كذلك؟‘
لقد أعلنت أنها واقعةٌ له تمامًا، فكيف لا تحضر مباراة المادو التي يشارك فيها قائدًا؟
وفوق ذلك، لم يكن لديها أي درسٍ اليوم.
‘إن لم أذهب، سيشكّ إيدن.’
تذكّرت نظرته حين سألها إن كان اعترافها مزاحًا.
تلك العينان اللتان تلتمعان بحدّةٍ غريبة، كأنهما تحاولان استكناه ما في داخلها.
كان عليها أن تجعله ينغمس في العلاقة انغماسًا كاملًا حتى تتمكن من التشويش على دراسته. لذا كان من الأفضل إزالة مثل هذه الشكوك منذ البداية.
وسونيت ذات تركيزٍ عالٍ؛ ربما تستطيع متابعة دراستها حتى في ملعب المادو.
خيرٌ لها أن تتحمّل قليلًا من الإزعاج في سبيل الدراسة، من أن تدع خطتها التي شرعت فيها تتلاشى بلا طائل.
وهكذا، حملت كتبها على مضض وغادرت السكن.
***
كان ملعب المادو أكثر صخبًا مما توقعت.
ولحسن الحظ، لم تكن المقاعد من حولها مكتظة.
كان المكان فسيحًا إلى حدٍّ كبير، وحين وضعت حقيبتها إلى جوارها ونظرت أمامها، بدا لها المشهد واضحًا على نحوٍ يكاد يربكها.
والأعجب أنه ما إن جلست حتى أخذت السماء الملبّدة تنقشع شيئًا فشيئًا.
حتى من في الملعب رفعوا أبصارهم نحو السماء بدهشة.
ومن بينهم، لم تحتج سونيت إلى البحث عن إيدن؛ فقد كان بارزًا من تلقاء نفسه.
كان حصانه أسود لامعًا، يختلف عن سائر الخيول، وكان يرتدي زيّ المباراة على غير عادته، وقد لاق به على نحوٍ لافت.
قبعته السوداء قصيرة الحافة، وقميصه المزيّن بنجمةٍ زرقاء، لم يبدوا صبيانيين، بل انسجما مع جسده المشدود العضلات.
وسرواله الأبيض الضيّق الذي يعانق فخذيه القويتين، مع حذائه البني اللامع، زادا من إبراز نُبله.
كانت قامته مستقيمةً مهذّبة، فاسترعت النظر أكثر.
اندفع إيدن بفرسه بقوة، متقدّمًا الجميع.
كان الآخرون يلاحقونه ليعوقوه، لكنه كان أسرع منهم بفارقٍ واضح.
الكرة الصغيرة كانت تلتصق بعصاه الطويلة كأنها ممغنطة، ثم تنساب بسلاسةٍ إلى المرمى.
انفجر الهتاف حتى طَنَّت الآذان.
كان المشهد، بحجمه وأجوائه النابضة، ساحقًا.
جاءت سونيت بنية الدراسة، لكن فكرة الدراسة لم تخطر ببالها.
حدّقت في المباراة وكأنها مسحورة.
كان إيدن يبتسم وهو يتبادل الضربات الخفيفة بعصاه مع زملائه في الفريق.
وتحت أشعة الشمس الحارقة، بدا متلألئًا على نحوٍ خاص.
وجدت سونيت نفسها تحدّق فيه دون وعي.
‘أهذا هو من ضرب إنسانًا حتى كاد يقتله؟‘
لم يكن يبدو كذلك مطلقًا.
بل إن سمعته بين الناس كانت طيبةً للغاية.
على عكسها هي.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"