1
الفصل 1
< عودةُ نجمة المجتمع الراقي ، ميري بلين! ولكن……؟ >
[ في مطلع هذا العام، اختفت ميري بلين.
وبعد وقتٍ غير طويل، كُشف عبر إفادة أحد الخدم أنّها انفصلت عن حبيبها رانسل أرفينتي.
غير أنّ الآنسة ميري عادت إلى العاصمة في الخامس من الشهر الماضي وهي تحمل طفلًا بين ذراعيها.
حملُ آنسةٍ من أسرةٍ كونتيّة قبل الزواج! لقد انقلب المجتمع الراقي رأسًا على عقب.
ووفقًا لبيان أسرة الكونت، فإنّ الطفل ابنٌ غير شرعيّ للآنسة ميري.
وقد أُبلغ أنّ هويّة الأب الحقيقي لن تُكشف، وطُلب الامتناع عن إطلاق تكهّناتٍ في هذا الشأن.
غير أنّ ما يثير فضول العامّة أكثر من أيّ شيءٍ آخر أمرٌ مختلف.
إلى أيّ حدٍّ ستهبط سمعةُ العقيد الذي ترك حبيبته السابقة تلد الطفل وحدها؟
ومع إحضار الآنسة ميري لطفلٍ غير شرعي، يتلقّى العقيد رانسل أرفينتي من القاعدة البحريّة اهتمامًا واسعًا.
إلا أنّ العقيد، الذي غادر العاصمة في الفترة نفسها تقريبًا التي غادرتها فيها الآنسة ميري، لم يعد بعد، لذلك لا يُعرَف موقفه بدقّة.
ويُخمّن بعضهم أنّ الآنسة ميري انفصلت عن العقيد لحماية الطفل الذي كان في أحشائها.
رانسل أرفينتي. أهو رجلٌ عديم القلب نبذ ابنه لأنّ في عروقه دمًا من أسرةٍ وضيعة؟
وتزداد الشائعات التي تصفه بأنّه يقتل مخلوقات البحر الشيطانيّة بوحشيّة، حتى لُقّب في عالم الشياطين بضابطٍ كالجحيم، مصداقيّةً على خلاف صورته العلنيّة.
كما أنّه بعد صدور بيان أسرة الكونت، سجّلَت الرواية <ليس طفلَنا> مبيعاتٍ هائلة، ويُتوقّع أن تبقى في المرتبة الأولى لعدّة أشهر.
(حُذِف جزءٌ من مقابلة الكاتب…….)
وفي سياقٍ آخر، كانت الآنسة ماري، شقيقة ميري التوأم، وزوجها من ضحايا حادثة القتل المتسلسل المعروفة بحادثة “النسر” التي وقعت في الرابع من الشهر الماضي.
صحيفة أنبِليفِبُل تايمز، المراسل ألن. ]
“…….”
هل جُنّوا؟
كان المقال الذي حوّلني فجأةً إلى بطلةٍ مأساويّة، وجعل حبيبي السابق أسوأ نفايةٍ في التاريخ، مثيرًا للذهول حقًّا.
‘وذلك الطفل في الحقيقة…….’
إنّه ابنُ أختي.
ابتلعتُ الحقيقة التي لا أستطيع البوح بها.
إذًا، كيف انتهى بي الأمر إلى هذا……؟
—
يقول الناس عادةً إنّ الفراق يأتي حين تُوضَع ورقةٌ واحدة فوق صبرٍ تراكم طويلًا.
تجمّدتُ في مكاني حين عثرتُ على الرسالة التي ظننتُ أنّني تخلّصتُ منها.
[ حسنًا، لِنفترق. ]
لم تمرّ سوى لحظةٍ على أن برد رأسي لرؤيتي العبارة بعد شهرٍ كامل، حتى اندفعت خادمةٌ من مكانٍ ما، مارشا، وانتزعت الرسالة بسرعة.
“سـ، سأحرقها فورًا!”
ثمّ مزّقتها إربًا ونثرتها في الموقد.
لم أشعر بشيءٍ يُذكر وأنا أرى آخر رسالةٍ وصلتني من حبيبي السابق تحترق.
‘كيف انتهى بنا الحال إلى هذا؟’
ينبغي أن أبدأ بالحديث عن نفسي أوّلًا.
ميري بلين. مالكةُ بوتيكٍ شهير، وسِلِبريتي تتصدّر أخبار حياتها الخاصّة العناوين يوميًّا. تلك أنا.
‘كانت البداية حين افتتحتُ البوتيك لإنقاذ عائلتي التي انهارت بعد أن تعرّضت للاحتيال.’
باستخدام ذكريات حياتي السابقة، أي ذكريات العصر الحديث التي استعدتُها في السادسة من عمري، أسّستُ بوتيك “فِياتشي لوكس” ونجح نجاحًا باهرًا.
‘بالطبع، كان السبب الحاسم في نجاحه أنّني عملتُ بجدّ.’
منذ بدايات العمل، بل وحتى بعد نجاحه، لم أعرف يوم عطلةٍ واحدًا.
وظننتُ أنّ مكافأتي على هذا العيش المجتهد كانت حبيبًا وسيمًا…… لكن.
“مرّ عامٌ كامل منذ جئنا إلى هنا.”
قالت مارشا وهي تجلس قبالتي بعدما أعدّت شاي الليمون.
“حقًّا.”
ارتشفتُ الشاي وألقيتُ نظرةً على الغرفة الصغيرة.
لماذا تعيش تلك نجمة المجتمع الراقي في فيلا متواضعة كهذه؟
للإجابة، عليّ أن أعود عامًا إلى الوراء.
رانسل إيديز أرفينتي.
ضابطٌ يقود خطّ ويستبورت، رمز الدولة البحريّة العظمى، ووريثُ دوقٍ. وكان حبيبي.
‘هل استمرّت علاقتنا قرابة عامين؟’
منذ وقتٍ ما، بدأتُ ألحظ أنّ رانسل لم يعد يحبّني.
لم تعد عيناه تحملان ذلك الدفء، ووقعت حوادث أكّدت لي شكوكي.
مثلًا، كان آخر حديثٍ دار بيننا……
“أنتِ عبءٌ ثقيل عليّ.”
“…….”
“أنا أتعب بسببكِ.”
ما إن سمعتُ ذلك حتى نهضتُ من مكاني.
‘كنتُ أنوي أن أهدأ قليلًا ثم ألتقيه مجدّدًا…….’
لكن حين عاد إليّ رشدي، كان رانسل قد أبحر على عجلٍ بعد إعلان الحرب من عالم الشياطين.
وعندما سمعتُ الخبر، ارتكبتُ فعلًا اندفاعيًّا.
قرّرتُ أن أبتعد أنا أيضًا إلى مكانٍ هادئٍ لأرتّب أفكاري.
‘في البداية، أردتُ فقط أن أصفّي ذهني.’
وهكذا وصلتُ إلى لانغِهيلدن، قريةٍ صغيرة تملك عمّتي فيها فيلا.
وهنا……
‘انفصلنا قبل أن نلتقي مجدّدًا.’
بسبب رسالتين فقط وصلتا إليّ هنا.
‘مع أنّني أنا من طلبتُ الفراق أوّلًا.’
لكن لا بدّ أنّ رانسل كان ينتظر ذلك.
فالفراق كان محدّدًا منذ زمن.
استعدتُ تلك الذكريات حتى هذا الحدّ، ثم أغمضتُ عينيّ بقوّة لأطردها.
“آه يا آنستي…….”
يبدو أنّ مارشا ظنّت أنّني أحبس دموعي.
“لم تتعافَي بعد من ألم الفراق……. لم يهدأ تورّم عينيكِ قطّ.”
“إنّه فقط لأنّني نمتُ طوال اليوم.”
بالطبع، بكيتُ كثيرًا في البداية.
لم يكن لأنّني نادمة. لو جاءني ردٌّ من نوع ‘لن تفلتي منّي أبدًا’ لاشمأززتُ منه.
إنّما شعرتُ بالبؤس لأنّ أوّل حبٍّ في حياتي، في حياتي السابقة والحاضرة، لم يكن جميلًا كما توقّعت.
أمّا الآن……
“حسنًا، مزاجي ليس رائعًا بعد. يؤلمني فقط أنّني أهدرتُ وقتي الثمين على شخصٍ غريب الأطوار.”
“الوقت الذي تُهدرينه هنا أثمن!”
نهضت مارشا فجأة.
“تبقين في غرفتكِ طوال اليوم، ولا تأكلين جيّدًا!”
“ما بكِ فجأة؟”
“لأنّني قلقة! لقد مرّ عامٌ كامل!”
طرقت صدرها بضيق.
“ما رأيكِ أن تُربّي شيئًا لتغيير الجو؟ في العاصمة هذه الأيّام موضة تربية الأحجار الأليفة.”
“حتى الحجارة صارت تُربّى.”
“أو اخرجي للتمشية، أو اذهبي لمشاهدة مسرحية!”
“مارشا، أأبدو لكِ عجوزًا؟”
عبستْ بشفتيها.
“أنا فقط قلقة.”
“قلقة على ماذا؟ لم أفعل هنا سوى الأكل والنوم، لعلّ صحّتي تحسّنت أكثر.”
لم أكن أعيش بخمول كما تظنّ.
صنعتُ مع مارشا دمى محبوكة متشابهة. (هي صنعت لي دمية هامستر تبدو شريرة الطباع.)
وجرّبتُ إعداد قهوة تُحرّك ألف مرّة كما هو رائج في العاصمة.
ثم تعلّمتُ الطبخ، حتى أثنت عليّ مارشا قائلة إنّني تطوّرتُ كثيرًا مقارنةً بمن كانت تظنّ أنّ 20 دقيقة على نارٍ هادئة و5 دقائق على نارٍ قويّة أمرٌ واحد.
“……حقًّا؟”
“بالطبع. أصبحتُ قويّة لدرجة أنّني أفكّر في الانضمام إلى بحريّة أوبِرن.”
“تِش…….”
حين شوّشتُ الحديث بكلامٍ سخيف، خفّت حدّتها.
اغتنمتُ الفرصة وأقمتُها من مكانها.
“على أيّ حال، كنتُ أفكّر في العودة إلى العاصمة قريبًا. لا تقلقي واذهبي للنوم.”
تردّدت قليلًا عند الباب.
“ستعودين حقًّا، أليس كذلك؟ سأبدأ بحزم الأمتعة تدريجيًّا، حسنًا؟”
ثم أغلقت الباب بهدوء بعد نظرةٍ متشكّكة.
تنفّستُ بعمقٍ واستلقيتُ على السرير.
‘بما أنّ الموضوع طُرح، عليّ حقًّا أن أعود.’
ما دمتُ قد انفصلتُ عن رانسل، فلا حاجة لترتيب أفكارٍ أخرى.
فركتُ عينيّ المتعبتين ثم ضغطتُ شفتيّ.
‘أودّ حقًّا أن ألكمه مرّة واحدة. بقوّةٍ تكفي لقتله.’
وضربتُ الوسادة كما لو كانت رانسل نفسه.
‘سأعيش بقيّة حياتي وحدي، فلتواعد أنت البحر إن شئت. تصرّف كما يحلو لك.’
وهكذا بدّدتُ آخر ما تبقّى من مشاعر قبل أن أغفو.
—
والذي أيقظني من ثقل النعاس كان……
……دويًّا هائلًا!
نهضتُ فزعة.
‘ما الذي يحدث……؟’
فجرٌ بارد.
وخلف النافذة يهطل المطر بعنف.
دقٌّ متتابعٌ على الباب.
ارتديتُ نعليّ ونزلتُ الدرج.
في البداية، كنتُ أنوي فقط التأكّد ممّن الطارق وإعادته أدراجه……
لكن حين وصلتُ إلى الطابق الأوّل.
ضربةٌ أخرى عنيفة.
“…….”
تجمّد جسدي أمام الباب الذي يهتزّ بخطر.
‘لا يبدو الأمر مطمئنًا.’
بدل أن أفتح، وضعتُ عيني بحذر على عين الباب.
والشخص الواقف في الخارج……
‘……أختي؟’
كانت شقيقتي التوأم، ماري.