الفصل 92
لَمْ يَكُنِ المَوْقِفُ عِنْدَ مَدْخَلِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ يَخْتَلِفُ عَمَّا رَآهُ فِي دُورْكَان.
كَانَ المَصَابُونَ بِجُرُوحٍ خَطِيرَةٍ يُنْقَلُونَ عَلَى المَحَفَّاتِ، وَكَانَ الدُّخَانُ الكَثِيفُ يَتَصَاعَدُ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ.
وَبَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ، كَانَتِ النِّيرَانُ تَنْفَجِرُ مَعَ صَوْتِ
فَانْغ!
صَرَخَاتُ الوُحُوشِ المُرْعِبَةِ، وَصِيَاحُ البَشَرِ، وَرَائِحَةُ الأَجْسَادِ المَحْتَرِقَةِ… لَقَدْ كَانَ جَحِيماً حَقِيقِيّاً.
تَنَهَّدَ لُويْد وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى قَائِدِ الفُرْسَانِ الَّذِي كَانَ يُؤَدِّي لَهُ التَّحِيَّةَ.
“طَابَ يَوْمُكَ. أَنَا نِيسْتُو، قَائِدُ فُرْسَانِ مَمْلَكَةِ رُوفْمُوار!”
أَوْمَأَ لُويْد بِرَأْسِهِ، فَأَنْزَلَ القَائِدُ يَدَهُ وَبَدَأَ بِتَعْرِيفِ مَنْ حَوْلَهُ.
“هَذَا السَّيِّدُ إِيدِيُو، مُمَثِّلُ سَحَرَةِ رُوفْمُوار الَّذِي سَيُشَارِكُ فِي الحَمْلَةِ، وَهَذِهِ الآنِسَةُ بُورِي، المُعَالِجَةُ الَّتِي جَاءَتْ لِلدَّعْمِ مِنْ مَقَرِّ المُعَالِجِينَ الإمْبَرَاطُورِيِّ.”
أَحْنَى رَجُلٌ مُسِنٌّ ذُو شَعْرٍ أَشْيَبَ يَرْتَدِي زِيَّ السَّحَرَةِ البَنَفْسَجِيَّ، وَمُعَالِجَةٌ ذَاتُ شَعْرٍ رَمَادِيٍّ رَأْسَيْهِمَا تَحِيَّةً لَهُ.
“نُحَيِّي الصَّفِيَّ الشَّابَّ لِعَائِلَةِ هِيلْدِيرِيُوس.”
تَفَرَّسَ لُويْد فِي وُجُوهِهِمْ، ثُمَّ رَدَّ التَّحِيَّةَ بِإِيمَاءَةٍ صَغِيرَةٍ وَأَعَادَ نَظَرَهُ إِلَى نِيسْتُو.
“هَلْ يُمْكِنُكَ شَرْحُ الوَضْعِ الحَالِيِّ؟”
فَتَحَ قَائِدُ الفُرْسَانِ خَرِيطَةً كَانَتْ مَعَهُ، وَبَدَأَ بِتَقْدِيمِ تَقْرِيرٍ سَرِيعٍ عَمَّا يَحْدُثُ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ.
رُغْمَ أَنَّهُ جَاءَ بِسُرْعَةٍ، إِلَّا أَنَّ الوَضْعَ كَانَ قَدْ صَارَ أَسْوَأَ بِكَثِيرٍ مِمَّا سَمِعَهُ مِنْ يُوهَانِيس قَبْلَ قَلِيلٍ.
بَدَأَتْ مَوْجَاتُ الوُحُوشِ تَظْهَرُ بِشَكْلٍ مُتَقَطِّعٍ دَاخِلَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، وَوُحُوشُ دِيُورَاهَان الَّتِي كَانَتْ تَمْلِكُ وَاحِداً أَوْ اثْنَيْنِ فَقَطْ، صَارَتْ تَظْهَرُ الآنَ فِي مَجْمُوعَاتٍ.
وَالأَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الحَاجِزَ كَانَ يَنْكَسِرُ بِسُرْعَةٍ نَتِيجَةً لِذَلِكَ.
“… وَلَكِنْ لِحُسْنِ الحَظِّ، وَافَقَ بُرْجُ السَّحَرَةِ عَلَى إِرْسَالِ قُوَّاتٍ إِضَافِيَّةٍ.”
أَنْهَى نِيسْتُو تَقْرِيرَهُ وَانْتَظَرَ أَوَامِرَ لُويْد.
نَظَرَ لُويْد إِلَى مَنْ حَوْلَهُ بِهُدُوءٍ، ثُمَّ أَدَارَ رَأْسَهُ فَجْأَةً.
وَدُونَ أَنْ يَنْبِسَ بِبِنْتِ شَفَةٍ، تَوَجَّهَ نَحْوَ مَدْخَلِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ.
“أوه، السَّيِّدُ لُويْد. إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟”
ظَنَّ نِيسْتُو أَنَّهُ سَيَبْدَأُ اجْتِمَاعاً لِوَضْعِ الخُطَّةِ أَوْ يُصْدِرُ بَعْضَ الأَوامِرِ، فَوَقَفَ مَذْهُولاً لِلَحْظَةٍ ثُمَّ لَحِقَ بِهِ بِسُرْعَةٍ.
رَكِبَ لُويْد الخَيْلَ القَرِيبَةَ مِنْهُ، وَقَالَ لَهُ بِوَجْهٍ بَارِدٍ:
“سَأَتَوَلَّى الأَمْرَ بِمُفْرَدِي.”
رُغْمَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ النُّخْبَةِ فِي القُوَّةِ القِتَالِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ الدُّخُولَ إِلَى ذَلِكَ المَكَانِ الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ الوُحُوشُ دُونَ تَوَقُّفٍ بِمُفْرَدِهِ كَانَ يَعْنِي الِانْتِحَارَ.
خُصُوصاً وَأَنَّ وُحُوشاً بِمُسْتَوَى زَعِيمِ الدَّهَالِيزِ بَدَأَتْ تَظْهَرُ بِأَعْدَادٍ كَبِيرَةٍ.
‘هَلْ فَقَدَ عَقْلَهُ؟’
سَأَلَ نِيسْتُو بِدَهْشَةٍ:
“مَاذَا؟ يَبْدُو أَنَّنِي سَمِعْتُ خَطَأً. هَلْ قُلْتَ إِنَّكَ سَتَتَوَلَّى الأَمْرَ بِمُفْرَدِكَ؟”
أَوْمَأَ لُويْد الَّذِي أَمْسَكَ بِزِمَامِ الفَرَسِ بِرَأْسِهِ مُؤَكِّداً:
“أَلَا تَرْغَبُ فِي العَوْدَةِ إِلَى مَنْزِلِكَ بِسُرْعَةٍ؟”
‘بِالطَّبْعِ، كُلُّ الموَظَّفِينَ والفرسان يَرْغَبُونَ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ..’
“أَلَا يَجِبُ عَلَيْنَا وَضْعُ خُطَّةٍ قَبْلَ الذَّهَابِ؟”
بَيْنَمَا كَانَ يُتَمْتِمُ فِي سِرِّهِ وَيَتَرَدَّدُ، بَدَأَ النَّاسُ يَتَهَامَسُونَ.
حَدَثَ اهْتِزَازٌ قَوِيٌّ فِي الغَابَةِ، وَكَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ مَا يَقْتَرِبُ نَحْوَهُمْ.
بَدَأَ النَّاسُ عِنْدَ مَدْخَلِ الغَابَةِ يَصْرُخُونَ وَيَهْرُبُونَ.
“وُحُوشُ الأُوغِر تَنْدَفِعُ نَحْوَنَا!”
صَرَخَ أَحَدُ الجُنُودِ.
كُونغ، كُونغ، كُونغ!
تَحَطَّمَتِ الأَشْجَارُ وَظَهَرَ العَشَرَاتُ مِنْ وُحُوشِ الأُوغِر الضَّخْمَةِ كَحَجْمِ المَنَازِلِ.
هَلْ كَانَ الأُوغِر بِهَذَا الحَجْمِ؟ لَقَدْ بَدَتْ أَكْبَرَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ عَلَى الأَقَلِّ مِنْ وُحُوشِ الأُوغِر الَّتِي اعْتَادُوا رُؤْيَتَهَا.
وَعَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ وَاحِداً فَقَطْ، بَلْ كَانَ هُنَاكَ العَشَرَاتُ مِنْهَا!
بَلَعَ نِيسْتُو رِيقَهُ وَاتَّخَذَ وَضْعِيَّةَ القِتَالِ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَمْسَكَ أَحَدُ وُحُوشِ الأُوغِر الَّذِي كَانَ فِي المُقَدِّمَةِ بِسَاحِرٍ كَانَ يُحَاوِلُ الهَرَبَ بِيَدَيْهِ.
ثُمَّ فَتَحَ فَمَهُ بِبُطْءٍ.
بَدَأَ اللُّعَابُ يَقْطُرُ مِنْ فَمِهِ المَفْتُوحِ، وَبَدَتْ قِطَعُ اللَّحْمِ العَالِقَةُ بَيْنَ أَسْنَانِهِ المَلِيئَةِ بِالدِّمَاءِ وَاضِحَةً.
وَبَيْنَمَا كَانَ السَّاحِرُ يَصْرُخُ بِذُعْرٍ.
أَمْسَكَ لُويْد زِمَامَ الفَرَسِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، وَأَخْرَجَ سَيْفَهُ الكَبِيرَ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ، ثُمَّ انْدَفَعَ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ الوُحُوشِ.
وَمَعَ صَوْتِ “وُوونغ”، انْفَجَرَتْ هَالَةٌ حَمْرَاءُ كَأَنَّهَا بُرْكَانٌ.
شَقَّ سَيْفُ لُويْد الهَوَاءَ فِي خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ.
فَتَطَايَرَتْ طَاقَةُ السَّيْفِ وَوَصَلَتْ إِلَى الأُوغِر.
وَمَعَ صَوْتِ انْفِجَارٍ ضَخْمٍ، انْدَفَعَتْ نِيرَانٌ هَائِلَةٌ وَابْتَلَعَتِ الوُحُوشَ.
“قِقِقِقِيييييي!”
تَلَوَّى الأُوغِر المُحَاطُ بِالنِّيرَانِ القَوِيَّةِ مِنْ شِدَّةِ الأَلَمِ، ثُمَّ أَسْقَطَ السَّاحِرَ الَّذِي كَانَ يُمْسِكُ بِهِ.
“آآآآآآه!”
صَرَخَ السَّاحِرُ الَّذِي كَانَ يَسْقُطُ مِنَ الهَوَاءِ وَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ بِقُوَّةٍ.
‘اللَّعْنَةُ، لَوْ لَمْ أَرْتَكِبْ ذَلِكَ الخَطَأَ فِي مُسَابَقَةِ الصَّيْدِ.’
كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَلِّغَ عَنِ الضَّبَابِ الَّذِي كَانَ فِي الدِّهْلِيزِ بِسُرْعَةٍ…
كَانَ السَّاحِرُ يُؤَدِّي عَمَلَهُ فِي رُوفْمُوار دُونَ أُجْرَةٍ كَعِقَابٍ لَهُ عَلَى ذَلِكَ اليَوْمِ.
لَوْ كَانَ سَاحِراً آخَرَ لَاسْتَخْدَمَ سِحْرَ الطَّيَرَانِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ سِوَى سِحْرِ الهُجُومِ فَقَطْ.
لَقَدْ نَدِمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَمِعْ لِأَمْرِ رَئِيسِهِ بِتَعَلُّمِ السِّحْرِ الأَسَاسِيِّ.
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي ظَنَّ فِيهَا أَنَّهُ سَيَمُوتُ وَاسْتَسْلَمَ لِلقَدَرِ.
فُلْسُوك.
‘أوه؟’
أَمْسَكَ بِهِ شَخْصٌ مَا وَهُوَ يَسْقُطُ.
عِنْدَمَا فَتَحَ عَيْنَيْهِ بِسُرْعَةٍ، رَأَى الصَّفِيَّ الشَّابَّ لِعَائِلَةِ هِيلْدِيرِيُوس الَّذِي سَمِعَ عَنْهُ الكَثِيرَ.
“أَيُّهَا… أَيُّهَا الصَّفِيُّ!”
صَرَخَ السَّاحِرُ بِدَهْشَةٍ.
بَعْدَ أَنْ تَأَكَّدَ لُويْد مِنْ سَلَامَةِ السَّاحِرِ، أَنْزَلَهُ عَلَى الأَرْضِ.
تَدَحْرَجَ السَّاحِرُ دَوْرَةً وَاحِدَةً ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ بِذُهُولٍ.
“مَا الَّذِي حَدَثَ حَقّاً؟”
نَظَرَ السَّاحِرُ إِلَى المَدْخَلِ بِوَجْهٍ مَذْهُولٍ وَتَفَاجَأَ جِدّاً.
كَانَ العَشَرَاتُ مِنْ وُحُوشِ الأُوغِر يَنْصَهِرُونَ دَاخِلَ النِّيرَانِ.
كَانَتْ بَقَايَا النَّارِ الصَّغِيرَةِ تَتَسَاقَطُ عَلَى الأَرْضِ مَعَ قِطَعِ لَحْمِ الوُحُوشِ.
يا لِلعَجَبِ، كَانَتِ النِّيرَانُ تَحْرِقُ الوُحُوشَ فَقَطْ، دُونَ أَنْ تُؤَثِّرَ عَلَى الأَشْجَارِ أَوِ البَشَرِ.
وَبَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ، احْتَرَقَ اللَّحمُ تَمَاماً وَتَحَوَّلَ إِلَى رَمَادٍ أَسْوَدَ، ثُمَّ انْطَفَأَتِ النِّيرَانُ وَكَأَنَّ مَهَمَّتَهَا انْتَهَتْ.
حَتَّى الرَّمَادُ المُتَرَاكِمُ تَطَايَرَ مَعَ الرِّيحِ وَاخْتَفَى تَمَاماً.
أَمَامَ هَذَا المَشْهَدِ الَّذِي حَدَثَ فِي لَمْحِ البَصَرِ، فَقَدَ الحَاضِرُونَ القُدْرَةَ عَلَى الكَلَامِ.
“… هَلْ هُوَ بَشَرِيٌّ؟”
سَوَاءٌ قَالُوا ذَلِكَ أَمْ لَا، لَمْ يَهْتَمَّ لُويْد بِرَدِّ فِعْلِ الفُرْسَانِ المَذْهُولِينَ، وَانْدَفَعَ فَقَطْ نَحْوَ الغَابَةِ المُقَدَّسَةِ.
“انْـ… انْتَظِرْ، يَا السَّيِّدُ لُويْد!”
“يَجِبُ أَنْ نَذْهَبَ مَعاً!”
رَكِبَ قَائِدُ الفُرْسَانِ المَذْهُولُ خَيْلَهُ وَأَمْسَكَ بِالزِّمَامِ لِيَلْحَقَ بِهِ.
وَتَبِعَهُ الفُرْسَانُ الآخَرُونَ عَلَى خُيُولِهِمْ.
تَوَجَّهُوا جَمِيعاً نَحْوَ الغَابَةِ خَلْفَ لُويْد.
كَانَتِ الغَابَةُ قَدْ سَقَطَتْ بِالفِعْلِ فِي أَيْدِي الوُحُوشِ، وَكَانَتِ الوُحُوشُ تَخْرُجُ كَأَسْرَابِ النَّحْلِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
رُغْمَ أَنَّ فُرْسَانَ “رُوفْمُوار” كَانُوا يُعَانُونَ حَتَّى الآنَ، إِلَّا أَنَّهُمْ بِفَضْلِ انْضِمَامِ لُويْد فَقَطْ، حَقَّقُوا صِفْرَ خَسَائِرَ بَشَرِيَّةٍ حَتَّى فِي الجِبَالِ الوَعِرَةِ.
مَهْمَا كَانَ عَدَدُ الوُحُوشِ، كَانَ لُويْد يَقْضِي عَلَيْهَا كَأَنَّهُ آلةٌ.
انْدَهَشَ الفُرْسَانُ وَالسَّحَرَةُ الَّذِينَ تَبِعُوهُ؛ فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَوْرٌ لَهُمْ لِلْقِيَامِ بِهِ.
كَانُوا الآنَ يَقُومُونَ بِتَطْهِيرِ كُلِّ زَاوِيَةٍ فِي الغَابَةِ وَمِنْ دَاخِلِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، وَلَمْ يَعُدْ هُنَاكَ شُعُورٌ بِالخَطَرِ وَكَأَنَّ حَالَةَ الطَّوَارِئِ الَّتِي حَدَثَتْ قَبْلَ قَلِيلٍ كَانَتْ كَذِبَةً.
فِي البِدَايَةِ، كَانَتِ الوُحُوشُ تُهَاجِمُ بِرُوحٍ قَتَالِيَّةٍ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ لُويْد، لَكِنَّهَا الآنَ بَاتَتْ تَهْرُبُ بِسُرْعَةٍ بِمُجَرَّدِ اقْتِرَابِهِ مِنْهَا.
حِينَهَا فَقَطْ، بَدَأَ الفُرْسَانُ الَّذِينَ كَانُوا يُرَاقِبُونَ المَوْقِفَ بِذُهُولٍ يَجِدُونَ عَمَلاً يَقُومُونَ بِهِ، وَهُوَ سَدُّ طَرِيقِ هُرُوبِ الوُحُوشِ وَالقَضَاءُ عَلَيْهَا.
‘لِمَاذَا؟’
فَكَّرَ لُويْد وَهُوَ يَشُقُّ قَلْبَ أَحَدِ وُحُوشِ دِيُورَاهَان.
‘هَذَا غَرِيبٌ.’
رُغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمِ السَّبَبَ، إِلَّا أَنَّ قُوَّتَهُ كَانَتْ تَرْتَفِعُ بِشَكْلٍ مَلْحُوظٍ وَسَرِيعٍ.
مُؤَخَّراً، لَمْ يَسْتَطِعِ التَّفَرُّغَ لِلتَّدْرِيبِ بِسَبَبِ انْشِغَالِهِ بِقَضِيَّةِ وَالِدَيْهِ وَأَعْمَالِ التَّنْظِيمِ الإدَارِيِّ الوَاسِعَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ نَمَتْ مَهَارَاتُهُ بِسُرْعَةٍ هَائِلَةٍ دُونَ أَنْ يُدْرِكَ.
كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُعَدَّلُ نُمُوِّهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي المَكْتَبِ يُرَتِّبُ الأَوْرَاقَ أَعْلَى مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ عِنْدَمَا كَانَ يَتَجَوَّلُ فِي الدَّهَالِيزِ مَعَ دَابِيين؟
هَلْ هَذَا مُمْكِنٌ؟
حَتَّى عِنْدَمَا قَضَى عَلَى الأُوغِر عِنْدَ المَدْخَلِ، كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ.
لِقِيَاسِ قُوَّتِهِ الحَالِيَّةِ، قَامَ بِتَقْلِيلِ قُوَّةِ هُجُومِهِ المُعْتَادَةِ إِلَى أَقْصَى حَدٍّ.
كَانَ يَنْوِي إِنْقَاذَ السَّاحِرِ أَوَّلاً، ثُمَّ اسْتِخْدَامَ قُوَّتِهِ بِفَعَالِيَّةٍ بِنَاءً عَلَى مَهَارَةِ الوُحُوشِ.
لَكِنَّهُ لَمْ يَتَخَيَّلْ أَبَداً أَنَّ تِلْكَ الوُحُوشَ الضَّخْمَةَ سَتَحْتَرِقُ وَتَمُوتُ جَمِيعُهَا.
وَالوُحُوشُ الَّتِي ظَهَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَتْ أَيْضاً مِنْ نَوْعِ الوُحُوشِ رَفِيعَةِ المُسْتَوَى الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا فِي الأَعْمَاقِ السَّحِيقَةِ لِدِهْلِيزِ “أَسِينْتَا”.
كَانَ يَتَذَكَّرُ أَنَّهُ عَانَى كَثِيراً عِنْدَمَا كَانَ مَعَ دَابِيين هُنَاكَ.
لَكِنَّ الآنَ، لَمْ يَعُدِ الأَمْرُ يُشَكِّلُ فَرْقاً.
فَمَهْمَا كَانَ هَذَا الوَحْشُ، فَقَدْ كَانَ يَسْقُطُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ بَسِيطَةٍ.
كَمْ مِنَ الوَقْتِ مَضَى؟
لَا يَعْلَمُ، لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ تِلْكَ الوُحُوشَ الكَثِيرَةَ قَدْ مَاتَتْ وَاخْتَفَتْ، فَلَمْ يَعُدْ يَظْهَرُ شَيْءٌ مَهْمَا اسْتَمَرَّ فِي البَحْثِ.
“وَاو! أَنْتَ مُذْهِلٌ، يَا السَّيِّدُ لُويْد!”
“كُلُّ هَذَا بِفَضْلِ الصَّفِيِّ الشَّابِّ. شُكْراً جَزيلاً لَكَ عَلَى مُسَاعَدَةِ رُوفْمُوار!”
بَدَأَ مَنْ حَوْلَهُ يَتَنَفَّسُونَ الصُّعَدَاءَ وَيُقَدِّمُونَ كَلِمَاتِ الشُّكْرِ.
عِنْدَمَا وَصَلُوا كَانَ الفَجْرُ قَدْ بَزَغَ، وَالآنَ بَدَأَتِ الشَّمْسُ تَغِيبُ.
وَبَدَأَ هَوَاءُ اللَّيْلِ الرَّطْبُ يَنْتَشِرُ فِي الغَابَةِ.
“السَّيِّدُ لُويْد، يَبْدُو أَنَّ الأُمُورَ قَدْ هَدَأَتْ الآنَ. مَا رَأْيُكَ فِي العَوْدَةِ؟ هَذِهِ الغَابَةُ يَكْثُرُ فِيهَا الضَّبَابُ الكَثِيفُ عِنْدَمَا يَأْتِي اللَّيْلُ، مِمَّا يَجْعَلُ الرُّؤْيَةَ مُسْتَحِيلَةً.”
سَأَلَ نِيسْتُو بِتَرَدُّدٍ وَوَجْهٍ مَلِيءٍ بِالقَلَقِ.
وَمَعَ أَصْوَاتِ الحَيَوَانَاتِ البَرِّيَّةِ، اهْتَزَّتِ الأَشْجَارُ وَهَبَّتْ رِيَاحٌ بَارِدَةٌ.
“عُودُوا جَمِيعاً الآنَ. سَأَقُومُ بِجَوْلَةٍ وَأَعُودُ.”
أَصْدَرَ لُويْد أَمْرَهُ ثُمَّ شَدَّ زِمَامَ الفَرَسِ وَاخْتَفَى دَاخِلَ الغَابَةِ.
“هَلْ سَيَكُونُ بِخَيْرٍ؟”
بِمَا أَنَّهُمْ تَلَقَّوا أَمْراً، كَانَ عَلَيْهِمُ العَوْدَةُ.
“لَقَدْ رَأَيْتَ قَبْلَ قَلِيلٍ. إِنَّهُ لَيْسَ الشَّخْصَ الَّذِي نَقْلَقُ عَلَيْهِ.”
لَقَدْ قَضَى عَلَى كُلِّ تِلْكَ الوُحُوشِ الكَثِيرَةِ دُونَ أَنْ يُصَابَ بِخَدْشٍ وَاحِدٍ.
مَهَارَةُ الصَّفِيِّ الشَّابِّ لِعَائِلَةِ هِيلْدِيرِيُوس، الَّتِي سَمِعُوا عَنْهَا فِي الشَّائِعَاتِ، كَانَتْ فِي أَعْيُنِهِمْ أَعْظَمَ مِنَ الشَّائِعَاتِ بِكَثِيرٍ.
فِي الحَقِيقَةِ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَاعٍ لِحُضُورِ فِرْقَةِ الفُرْسَانِ إِلَى هَذَا الحَدِّ.
“السَّيِّدُ نِيسْتُو، لِلِاحْتِيَاطِ فَقَطْ، سَأَذْهَبُ أَنَا لِمُسَاعَدَةِ السَّيِّدِ لُويْد.”
تَحَدَّثَتِ المُعَالِجَةُ ذَاتُ الشَّعْرِ الرَّمَادِيِّ الَّتِي كَانَتْ تَتْبَعُ الفُرْسَانَ، ثُمَّ دَخَلَتْ طَرِيقَ الغَابَةِ الَّذِي اخْتَفَى فِيهِ لُويْد.
“لَا يَبْدُو أَنَّهُ بِحَاجَةٍ إِلَى مُعَالِجٍ أَيْضاً…”
تَمْتَمَ نِيسْتُو وَهُوَ يَتَذَكَّرُ كَيْفَ قَضَى لُويْد عَلَى وَحْشِ الأَنْدِيد المُرْعِبِ دِيُورَاهَان بِسُهُولَةٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 92"