الفصل 9
كانت الوجهةُ بعدَ العملِ هي مطعمٌ قريبٌ من مركزِ الشفاء.
إنهُ مطعمي المفضلُ الذي يبرعُ في تقديمِ طبقِ سمكِ “أزراهيل”، وكنتُ أستمتعُ فيهِ دائماً بتناولِ المشروبِ مع “بري”.
“أيها المدير، اطلبُ سمكاً مقلياً وكأسينِ من الجعةِ السوداء!”
بمجردِ جلوسنا وطلبِ الطعام، ظهرَ المديرُ ذو الملامحِ الطيبةِ مبتسماً وهو يحملُ أربعةَ كؤوسٍ من الجعةِ السوداء.
“الكأسانِ الآخرانِ هديةٌ مني للمعالجةِ التي تتعبُ كثيراً.”
كياااا، لهذا السببِ أنا معالجة! بمجردِ رؤيةِ الجعةِ الباردةِ سالَ لعابي.
الكأسُ الأولُ جرعةٌ واحدة!
بينما كنتُ أتجرعُ الجعةَ الباردة، وقعتْ عيناي على أشخاصٍ يدخلونَ المطعمَ بزيِّ المعالجين.
“أوه؟ الآنسةُ كاي؟ وآنسةُ بري أيضاً!”
كان هناكَ مديرُ المركزِ “الأصلع”، وكبارُ المعالجين، وبعضُ الزملاء، وحتى المعالجونَ الجدد! لوحوا لنا بسعادةٍ بمجردِ رؤيتنا.
تباً، لقد فسدَ طعمُ الشراب هل يجبُ عليَّ رؤيةُ رؤساءِ العملِ حتى هنا؟
فليأكلوا ويذهبوا بسرعة.
انحنيتُ لهم بـارتباك، لكنَّ مديرَ المركزِ “الأصلع” اقتربَ من طاولتنا دونَ أيِّ مراعاة.
“أوه! كاي، أنتِ هنا. كنتُ أنوي دعوةَ الزملاءِ الذين تعبوا مؤخراً على حسابي! لننضمَّ إليكم!”
نـ… ننضم؟ لا، شكراً. هل يريدُ مني أن أُصابَ بعسرِ هضمٍ وأنا أشرب؟
حاولتُ الرفضَ بصرامة، لكنَّ مديرَ المركزِ نادى بقيةَ الزملاء:
“يا رفاق! اجلسوا جميعاً هنا!”
عندها، هرعَ الزملاءُ الذين كانوا عندَ المدخلِ نحو طاولتنا.
“أريدُ الجلوسَ بجانبِ الآنسةِ كاي!”
ابتسمت إحدى المستجداتِ بـإشراقٍ وجلستْ بجانبي ممسكةً بذراعي.
“أهـاهاها، أيها المدير! اطلب لنا نبيذَ
‘كيلانتونيا’ المعتقَ لثلاثينَ عاماً!”
ضحكَ مديرُ المركزِ بحماسٍ ونادى صاحبَ المطعمِ لطلبِ أفخرِ أنواعِ الخمور.
مع امتلاءِ الطاولةِ بالزملاءِ والخمورِ الفاخرةِ التي طلبَها المدير، لم يعدْ بإمكاني رفضُ الانضمامِ إليهم.
ليحدثْ ما يحدث سأشربُ وأستمتعُ معهم.
بدأتُ أشربُ بـقلبٍ منفتح.
ومع الكأسِ الأولِ والثاني، بدأتُ أشعرُ بالنشوةِ وتحسنَ مزاجي.
هاهاها، يطلبُ مني المبعوثُ تركَ هذهِ الجلساتِ الممتعة! يا لهُ من مبعوثٍ ظريف!
“هذا الخمرُ مخصصٌ لكِ يا كاي! لقد أحضرتُهُ لكِ خصيصاً، فاشربي الكثيرَ اليوم!”
المديرُ الذي كان يكلفني بالعملِ الإضافيِّ دائماً، مدَّ لي زجاجةَ خمرٍ فاخرة. في تلكَ اللحظة، اختفى كلُّ كرهي له.
“أوه! شكراً لك.”
شربتُ الكؤوسَ التي كان يصبُّها لي المديرُ مراراً وتكراراً.
كانت بري بجانبي تنغزني في خاصرتي، لكنني لم أفهم السبب. عندما هززتُ كتفي ونظرتُ إليها، وضعتْ يدَها على جبهتِها وكأنها لا تستطيعُ إيقافي.
“آنسة كاي! أنا أجيدُ صنعَ مزيجِ خمرٍ مذهل!”
في ذلكَ الوقت، نظرت إليَّ المستجدةُ الجالسةُ بجانبي بأعينٍ تلمع.
“أوه، حقاً؟ اصنعي لنا واحداً!”
شجعها المديرُ على ذلك، فبدأتِ المستجدةُ تبتسمُ وتخلطُ أنواعاً مختلفةً من الخمور.
“تادااا! هذا هو مزيجُ ‘ميكا’ الخاص! هيهي!”
قدمت لي المستجدةُ كأساً.
هـ… ممم، كان لونُهُ عكراً ولم أكن أرغبُ في شربه، لكنني لم أستطع رفضَ طلبِ المستجدةِ التي تنظرُ إليَّ بـإعجاب.
لذا، أخذتُ الكأسَ بـتثاقلٍ وتجرعتُ رشفة.
انتشرَ الطعمُ الحلوُ في فمي.
هاه! كيفَ يكونُ لذيذاً هكذا!
لقد كان طعماً جعلَ عينيَّ تتسعان.
أنهيتُ الكأسَ دفعةً واحدةً مع صوتِ بلعٍ قوي.
“واو! ميكا، هذا لذيذٌ جداً!”
عندما مدحتُها بـذهول، صرخت ميكا بـسعادةٍ أكبر:
“كيااا! سأصنعُ لكِ المزيد!”
بدأت ميكا بصنعِ المزيدِ بحماس.
ومع تداخلِ الجعةِ والنبيذِ والمشروباتِ مجهولةِ الهوية، بدأ عقلي يغيب.
أصبحَ العالمُ يدورُ من حولي.
ومن هنا، انقطعَ شريطُ ذاكرتي.
❁❁❁
“آه… رأسي.”
استيقظتُ بـصداعٍ شديدٍ وكأنَّ رأسي سينفجر، وفتحتُ عيني بصعوبة.
رأيتُ سقفَ غرفتي المألوف.
كان جسدي يؤلمني وكأنني تعرضتُ للضرب، وكان فمي جافاً جداً، ورائحةُ الكحولِ القويةِ تخرجُ من أعماقي.
ماذا حدثَ بالضبط؟
حاولتُ تشغيلَ عقلي الذي لا يكادُ يعمل.
آه، لقد شربتُ الخمرَ مع زملائي بالأمس.
إنهُ أثرُ الثمالة.
لا يخبرني أحدٌ أنني ارتكبتُ خطأً…
نهضتُ بـترنحٍ وفتحتُ الباب.
كانت رفيقتي في السكن بري تتناولُ الفطورَ على الطاولةِ أمامَ الغرفة.
بمجردِ رؤيتي، بدأت تضحكُ بـهستيريا.
“كـكـكـك… هـاهاهاهاها!”
آه، إذا كانت تضحكُ هكذا بمجردِ رؤيتي، فلا بدَّ أنَّ مصيبةً قد حدثت بالأمس.
شعرتُ بالقلقِ يتسللُ إليَّ، فجلستُ على الطاولةِ وسألتُ بـترنح:
“لماذا تضحكين؟”
ازدادت ضحكاتُها، ثم مسحتْ دموعَها وسألتني:
“أنتِ، ألا تتذكرينَ شيئاً حقاً؟”
نعم، رأسي يؤلمني لدرجةِ أنني لا أتذكرُ شيئاً.
ماذا حدث؟ أريدُ أن أعرف! كنتُ أريدُ الإجابةَ هكذا، لكنني من شدةِ الألمِ لم أستطع فتحَ فمي، وارتميتُ بوجهي فوقَ الطاولة.
استمرت بري في الضحكِ ثم قالت بـمرح:
“ربما من الأفضلِ ألا تتذكري لقد تقيأتِ بالأمسِ على ‘سانـدال’ سـينباي.” (الزميل ساندال)
ساندال…؟ مَن هو ساندال…؟
بينما كنتُ أحاولُ تذكرَ الاسم، خطرتْ في بالي صورةُ الزميلِ اللطيفِ الذي يعملُ في المركزِ منذُ سبعِ سنواتٍ وكان يحييني دائماً بـأدب.
هل تقيأتُ على ذلكَ الشخص؟
مع تلكَ الكلمة، بدأت ذكرى باهتةٌ تظهرُ في عقلي الضبابي.
‘كاي، كاي! استيقظي، هل أنتِ بخير؟’
كان أحدهم يهزُّ كتفي.
آه… مَن هذا.
حاولتُ التمسكَ بـوعيي وفتحتُ عيني قليلاً.
رأيتُ وجهَ الزميلِ ساندال المرتبك.
تعبيرُ وجهِ ساندال، الذي كان يعاملني بـلطفٍ دائماً، لم يكن جيداً أبداً.
“لماذا جعلتموها تشربُ كلَّ هذا إذا عَلِمَ المبعوث… “
كان ساندال يوبخُ أحدهم.
“استيقظي يا كاي لا يجبُ أن تبقي هنا. لِنعد للمنزل.”
أمسكَ ساندال بـذراعي ليسحبني.
‘أوه… مـاذا. يا سـينباي (يا زميلي)… لا تمسك ذراعي هكذا.’
… لأنَّ معدتي تؤلمني جداً منذُ قليل!
لكنَّ كلماتي كانت مجردَ تمتمةٍ غيرِ مفهومةٍ داخلَ فمي.
وفي تلكَ اللحظة.
أووويييييييييييك! (صوت تقيؤ)
‘…!’
وهكذا، تقيأتُ مباشرةً على زيِّ الشفاءِ الخاصِّ بالزميلِ ساندال.
هاهاهاهاها. لقد انتهى أمري.
شعرتُ باليأسِ ودفنتُ وجهي أكثر.
“بالطبع، لم تكن تلكَ النهاية، هل تتذكرينَ عندما كنتِ تنقرينَ على رأسِ المدير؟”
عند سماعِ كلماتِ بري، رفعتُ رأسي بـصدمة.
هل نقرتُ على رأسِ رئيسي في العمل؟
بسببِ كلامِها، ظهرت ذكرى متقطعةٌ لشيءٍ مستديرٍ يلمعُ تحتَ ضوءِ المشاعل.
“واو! توجدُ هنا يقطينة! هل تنمو اليقطيناتُ هنا أيضاً؟”
كانت اليقطينةُ ملساءَ جداً لدرجةِ أنني بدأتُ أنقرُ عليها
طـق طـق طـق.
وكلما نقرتُ عليها، كانت الأصواتُ من حولي تزدادُ ضجيجاً.
ظننتُ أنَّ تلكَ الأصواتَ هي تشجيعٌ لي، فاستمررتُ بالنقرِ بـحماسٍ أكبر.
لقد كان ذلك… رأسَ إنسان. وكان رأسَ… رئيـسي.
بسببِ الإحراجِ الشديد، ضربتُ رأسي بالطاولةِ بقوة (طـاخ).
ومع تلكَ الصدمةِ الخفيفة، ظهرت ذكرى أخرى.
“هاهاها، أنا آ… سفة! أـيها الـمدير! لقد… أخطأتُ، فـهاق. أيها المدير… لقد تقيأتُ على رأسِك! فـهاق! أهاهاها، ظننتُهُ يقطينة! فـهاق… ومع ذلك، بما أنَّ رأسَكَ امتصَّ الكثيرَ من المغذيات، فسينبتُ لكَ الشعرُ الآن! هاهاهاها!”
شعرتُ بـنذيرِ شؤمٍ يحيطُ بي.
“مـ… مستحيل، يا بري. قولي لي إنَّ هذا لم يحدث.”
“ماذا؟ لرجلٍ حساسٍ جداً بشأنِ فـقدانِ شعرهِ… قلـتِ لهُ إنَّ شعرهُ سينبتُ لأنكِ أعطيتِهِ الكثيرَ من المغذياتِ بعدَ أن تقيأتِ عليه؟”
آآآآآآآآآخ! لقد جُننت، لا بدَّ أنني فقدتُ عقلي.
لقد كانت فضيحةً كبرى.
لقد كان الجميعُ هناك، من المستجدينَ إلى القدامى.
كيفَ سأذهبُ للعملِ هكذا؟
°يا كاي، الخمرُ هو أصلُ كلِّ الشرور، وبدايةُ الأمراض. عندما ينشغلُ الشيطانُ عن زيارةِ البشر، يرسلُ الخمرَ بدلاً منه، أليس هذا هو أصلُ الشرور؟ من الصوابِ الابتعادُ عن الخمر.°
تذكرتُ المبعوثَ الذي كان يرددُ دائماً تعاليمَ ديانةِ تيرينا.
يا سيادةَ المبعوث، لقد كنتَ على حق.
الخمرُ هو طعامُ الشيطانِ الذي يجبُ الابتعادُ عنه.
لقد فاتَ الأوانُ على الندم، فقد عبرتُ نهراً لا عودةَ منه.
شعرتُ برغبةٍ في التقيؤِ مجدداً، فركضتُ نحو الحمامِ وأنا أفكر:
يجبُ أن أتوقفَ عن الشربِ الآن.
الخمرُ ممنوع! إذا شربتُ مجدداً سأكونُ حيواناً!
❁صفا: بالضبط صحيح😑👍🏻❁
أوووك!
ذهبتُ للعملِ بـترنحٍ بسببِ آثارِ الثمالة.
كان من حسنِ الحظِّ أنَّ عملي يبدأُ بعد الظهر.
بعدَ جولاتٍ من التقيؤ، كان جسدي في حالةِ إعياءٍ شديد، لكن كان عليَّ العملُ، لذا تماسكتُ وتوجهتُ لمركزِ الشفاء.
بينما كنتُ أرتدي زيَّ المعالجينَ وأتوجهُ لغرفةِ العلاج، سألني الزملاءُ الذين مررتُ بهم بـقلق:
“آنسة كاي، هل معدتُكِ بخير؟”
“يجبُ ألا تشربي الكثيرَ من الخمرِ حقاً.”
كانت معدتي تتقلبُ بسببِ الخمر، وعقلي يكادُ ينفجرُ من الخجلِ بسببِ نظراتِ الناس.
كنتُ في مأزقٍ حقيقي.
وكان أصعبُ وقتٍ هو وقتُ الاجتماعِ الذي يضمُّ المديرَ وجميعَ المعالجين.
بمجردِ دخولي غرفةَ الاجتماعات، اتجهت أنظارُ الجميعِ إليَّ وإلى المدير.
ومن المثيرِ للدهشةِ أنَّ المديرَ كان هادئاً.
“لِنبدأ الاجتماع.”
بدا المديرُ وكأنَّ شيئاً لم يكن.
وعندما كان يشرحُ وضعَ المركزِ في الأسبوعِ الماضي ويقرأُ التقارير، كان يتصرفُ كالمعتاد.
هل سيمرُّ الأمرُ بـسلام…؟
لكنَّ ذلكَ كان مجردَ وهم.
“وأخيراً، بخصوصِ موضوعِ الانتدابِ لمنطقةِ ‘دوركان’… .”
بمجردِ قولِ المديرِ لذلك، ساد الصمتُ فجأة.
كانت دوركانُ مكاناً يظهرُ فيهِ الكثيرُ من الوحوشِ عادةً، لذا كانت المهماتُ هناكَ كثيرة، لكن يقالُ إنَّ جيشاً من الوحوشِ قد ظهرَ هذهِ المرة.
ومن المؤكدِ أنَّ خطورةَ العملِ ستكونُ أكبر.
لذا، رغمَ الإعلانِ عن طلبِ متطوعين، لم يتقدم أحد.
نظر إليَّ مديرُ المركزِ وابتسمَ قليلاً.
بدأ العرقُ يتصببُ مني بـسببِ شعورٍ غامضٍ بالخطر.
لا يخبرني أن…؟
“هذهِ المرة، ستذهبُ كاي.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"