الفصل 88
أَطْبَقَتْ دَابِيين شَفَتَيْها بِيَأْسٍ أَمَامَ كَلِمَاتِ الإمْبَرَاطُورَةِ.
يَبْدُو أَنَّ الإمْبَرَاطُورَةَ كَانَتْ تَرْغَبُ فِي قَوْلِ هَذَا فِي النِّهَايَةِ؛ أَنْ تَعُودَ لِلتَّعَامُلِ مَعَ لِيُو بِلُطْفٍ كَمَا كَانَا فِي طُفُولَتِهِما.
لَقَدْ كَانَ طَلَباً مُشَابِهاً لِمَا طَلَبَتْهُ زَوْجَةُ الدُّوقِ سَابِقاً.
وَلِأَنَّ دَابِيين لَمْ تَسْتَطِعِ الكَذِبَ، ظَلَّتْ صَامِتَةً دُونَ رَدٍّ.
وَفِي النِّهَايَةِ، تَحَدَّثَ لُويْد الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُ المَوْقِفَ نِيَابَةً عَنْهَا:
“.. حَسَناً، يَا عَمَّتِي.”
نَظَرَتِ الإمْبَرَاطُورَةُ إِلَيْهِمَا بِهُدُوءٍ ثُمَّ ابْتَسَمَتْ بِمَرارَةٍ.
“أَجَلْ، أَنَا أَعْتَمِدُ عَلَيْكُمَا.”
ثُمَّ اسْتَعَادَتْ نَشَاطَهَا وَفَتَحَتْ فَمَهَا قَائِلَةً:
“إِذاً، يَجِبُ أَنْ نَبْدَأَ الاسْتِعْدَادَ الآنَ.”
عِنْدَمَا فَرَقَعَتِ الإمْبَرَاطُورَةُ أَصَابِعَهَا بِخِفَّةٍ، ظَهَرَتِ امْرَأَةٌ فِي مُقْتَبَلِ العُمْرِ بِشَعْرٍ يَمِيلُ لِلشَّيْبِ مِنَ العَدَمِ مَعَ صَوْتِ
بُونْغ!.
بَدَتْ وَكَأَنَّهَا مُعْتَادَةٌ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الاسْتِدْعَاءِ، حَيْثُ نَظَرَتْ حَوْلَهَا وَعَدَّلَتْ نَظَّارَتَهَا، وَبِمُجَرَّدِ أَنْ رَأَتِ الإمْبَرَاطُورَةَ صَرَخَتْ بِيَأْسٍ:
“يَا صَاحِبَةَ الجَلَالَةِ، لَقَدْ تَأَخَّرْتِ! لَيْسَ هَذَا هُوَ الوَقْتُ لِلْبَقَاءِ هُنَا! أُوه، يَا لَلْهَوْلِ!”
كَانَتْ كَبِيرَةُ الوَصِيفَاتِ تَقْفِزُ فِي مَكَانِهَا مِنْ شِدَّةِ القَلَقِ.
ضَحِكَتِ الإمْبَرَاطُورَةُ بِارْتِبَاكٍ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَيَّ:
“هَاهَا. لَقَدْ أَرْسَلْتُ كَبِيرَةَ وَصِيفَاتِي إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ لِفَتْرَةٍ بَسِيطَةٍ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُكْثِرُ مِنَ التَّذَمُّرِ. يَا سِيلِينِي، يَجِبُ أَنْ نَبْدَأَ الاسْتِعْدَادَ بِبُطْءٍ مُنْذُ الآنَ.”
“وَمَاذَا سَأَفْعَلُ وَحْدِي؟ يَجِبُ أَنْ تَسْتَدْعِي الآخَرِينَ أَيْضاً!”
“أَجَلْ، كُنْتُ قَدْ نَسِيتُ.”
أَوْمَأَتِ الإمْبَرَاطُورَةُ بِرَأْسِهَا أَمَامَ صُرَاخِ كَبِيرَةِ الوَصِيفَاتِ، ثُمَّ فَرَقَعَتْ أَصَابِعَهَا مَرَّةً أُخْرَى.
وَمَعَ صَوْتِ الفَرْقَعَةِ، ظَهَرَ الكَثِيرُ مِنَ الخَادِمَاتِ اللَّوَاتِي يَرْتَدِينَ مَلَابِسَ الخِدْمَةِ مِنَ العَدَمِ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى.
كُنَّ جَمِيعاً يَقِفْنَ وَهُنَّ يَحْمِلْنَ المَنَاشِفَ وَالمَلَابِسَ وَأَشْيَاءَ أُخْرَى، ثُمَّ بَدَأْنَ يَتَحَرَّكْنَ بِنَشَاطٍ بِمُجَرَّدِ أَنِ اسْتَعَدْنَ تَرْكِيزَهُنَّ.
“أَوَّلاً، لِنُرَتِّبِ الشَّعْرَ.”
“أَنَا سَأَهْتَمُّ بِالأَظَافِرِ.”
“لَقَدْ وَصَلَ قِنَاعُ التَّدْلِيكِ!”
بَدَأَتِ الغُرْفَةُ الهَادِئَةُ تَصِيرُ صَاخِبَةً وَمُزْدَحِمَةً.
سَحَبَنِي لُويْد أَنَا وَدَابِيين بَعِيداً عَنِ الخَادِمَاتِ اللَّوَاتِي يَتَحَرَّكْنَ بِجُنُونٍ، ثُمَّ قَالَ لِلإمْبَرَاطُورَةِ:
“إِذاً، سَنَسْتَأْذِنُ بِالخُرُوجِ.”
أَوْمَأَتِ الإمْبَرَاطُورَةُ بِرَأْسِهَا.
عِنْدَمَا فَتَحْنَا البَابَ لِلخُرُوجِ، اصْطَدَمْنَا بِظِلٍّ ضَخْمٍ كَانَ عَلَى وَشَكِ الدُّخولِ.
رَجُلٌ وَسِيمٌ بِقَامَةٍ طَوِيلَةٍ وَبِنْيَةٍ جَسَدِيَّةٍ قَوِيَّةٍ نَظَرَ إِلَى لُويْد وَحَيَّاهُ كَأَنَّهُ يَعْرِفُهُ:
“أَخِي، أُخْتِي؟”
كَانَ الرَّجُلُ ذُو الشَّعْرِ الذَّهَبِيِّ المُمَوَّجِ وَالمَلَامِحِ البَاهِرَةِ يَرْتَدِي زِيّاً رَسْمِيّاً أَبْيَضَ فَخْماً، وَكَأَنَّهُ بَطَلُ هَذِهِ المَأْدُبَةِ.
عَيْنَانِ بَرِيئَتَانِ.
وَوَجْهٌ مَأْلُوفٌ بِشَكْلٍ غَرِيبٍ رَأَيْتُهُ فِي مَكَانٍ مَا.
أَجَلْ، لَقَدْ كَانَ هَذَا هُوَ وَجْهُ وَلِيِّ العَهْدِ تَمَاماً، رُغْمَ اخْتِلَافِ حَجْمِ الجَسَدِ.
نَظَرَ لُويْد وَدَابِيين إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ وَهُوَ يُنَادِيهِمَا بِأَخِي وَأُخْتِي.
ابْتَسَمَ الرَّجُلُ ذُو الزِّيِّ الأَبْيَضِ بِرِقَّةٍ.
“هَذَا أَنَا، لِيُو.”
“لِيُو… هَل هُوَ حَقّاً وَلِيُّ العَهْدِ لِيُو”؟
نَظَرْتُ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى بِذُهُولٍ.
مَلَامِحُ الوَجْهِ كَانَتْ تَعُودُ لِوَلِيِّ العَهْدِ بِالتَّأْكِيدِ.
وَلَكِنْ، مُنْذُ بضْعَةِ أَسَابِيعَ فَقَطْ عِنْدَمَا رَأَيْتُهُ لَمْحَةً فِي مُسَابَقَةِ الصَّيْدِ، كَانَ يَبْدُو هَزِيلاً وَمَرِيضاً، بِمَظْهَرِ صَبِيٍّ بَدَأَ لِلْتَّوِّ يَنْضُجُ.
كَانَ حَجْمُ جَسَدِهِ صَغِيراً قَلِيلاً مُقَارَنَةً بِمَنْ هُمْ فِي عُمْرِهِ.
أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ لِيُو الآنَ، فَقَدْ كَانَ عَكْسَ ذَلِكَ تَمَاماً؛ جَسَدٌ ذُو عَضَلَاتٍ مَفْتُولَةٍ وَكَأَنَّهُ تَدَرَّبَ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ.
مَاذَا حَدَثَ فِي هَذِهِ الفَتْرَةِ القَصِيرَةِ؟
لَمْ تُصَدِّقْ عَيْنَايَ أَنَّ بِنْيَةً جَسَدِيَّةً يُمْكِنُ أَنْ تَتَغَيَّرَ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَ الوَجْهُ هُوَ نَفْسُهُ تَمَاماً بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُهُ.
عَلَى أَيِّ حَالٍ، بِمَا أَنَّهُ وَلِيُّ العَهْدِ، فَقَدْ أَحْنَيْتُ رَأْسِي تِلْقَائِيّاً وَأَدَّيْتُ التَّحِيَّةَ.
كَانَ هَذَا نَتِيجَةَ سَنَوَاتٍ مِنَ العَيْشِ فِي مُجْتَمَعٍ يَقُومُ عَلَى الطَّبَقِيَّةِ.
“أُحَيِّي نَجْمَ الإمْبَرَاطُورِيَّةِ السَّاطِعَ.”
بِمُجَرَّدِ أَنْ أَدَّيْتُ التَّحِيَّةَ، تَحَدَّثَ وَلِيُّ العَهْدِ بِلُطْفٍ:
“تَبْدُينَ جَمِيلَةً جِدّاً اليَوْمَ أَيْضاً. أَتَمَنَّى أَنْ تَسْتَمْتِعِي بِالمَأْدُبَةِ مَعَ هَذَيْنِ الاثْنَيْنِ.”
رُغْمَ أَنَّهُ كَانَ يُلْقِي التَّحِيَّةَ عَلَيَّ، إِلَّا أَنَّ التَّوْأَمَ كَانَا لَا يَزَالَانِ يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ بِوُجُوهٍ لا تُصَدِّقُ مَا تَرَى.
ضَحِكَ بِصَوْتٍ عَالٍ وَنَادَى اسْمَيْهِمَا كَأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُمَا التَّوَقُّفَ عَنِ المُزَاحِ:
“هَاهَا، أُخْتِي دَابِيين، أَخِي لُويْد. مَا بَالُكُمَا هَكَذَا؟”
سَأَلَتْ دَابِيين بِتَلَعْثُمٍ:
“أَنْتَ.. جَسَدُكَ..؟”
نَظَرَ وَلِيُّ العَهْدِ إِلَى جَسَدِهِ بِهُدُوءٍ، ثُمَّ ضَحِكَ مَرَّةً أُخْرَى وَقَالَ لَهَا:
“آه، رُبَّمَا هِيَ نَتِيجَةُ الصَّلَاةِ لِلإِلَهِ وَالعَمَلِ الجَادِّ؟
أَنَا نَفْسِي مَصْدُومٌ. عَلَى أَيِّ حَالٍ، هَلْ لَا تَزَالُ صَاحِبَةُ الجَلَالَةِ تَسْتَعِدُّ؟ هَذَا مُحْرِجٌ…الجَمِيعُ يَنْتَظِرُونَهَا. سَأَسْتَأْذِنُ الآنَ لِأَنَّ لَدَيَّ مَا أَتَحَدَّثُ بِهِ مَعَ وَالِدَتِي أَوَّلاً.”
ثُمَّ دَخَلَ إِلَى الدَّاخِلِ بِسُرْعَةٍ.
وَأُغْلِقَ البَابُ بِقُوَّةٍ.
“قَبْلَ قَلِيلٍ… مَا الَّذِي رَأَيْتُهُ لِتَوِّي؟”
فَتَحَتْ دَابِيين فَمَهَا بِوَجْهٍ مَصْدُومٍ وَهِيَ تَمْسَحُ عَيْنَيْهَا.
“نَحْنُ لَمْ نُخْطِئْ فِي الرُّؤْيَةِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
عِنْدَمَا سَأَلْتُ بِوَجْهٍ مُرْتَبِكٍ، أَوْمَأَ لُويْد بِرَأْسِهِ بِارْتِبَاكٍ:
“مِنَ الوَجْهِ إِلَى الهَالَةِ، لَقَدْ كَانَ لِيُو بِلا شَكٍّ.”
يَا لَلْهَوْلِ، هَلْ هَذَا مُمْكِنٌ؟
“هَلْ هُنَاكَ سِحْرٌ يَجْعَلُ الشَّخْصَ يَطُولُ وَتَكْبَرُ عَضَلَاتُهُ هَكَذَا فِي بضْعَةِ أَسَابِيعَ؟”
تَمْتَمَتْ دَابِيين بِذُهُولٍ أَمَامَ كَلَامِي:
“مُسْتَحِيلٌ… لَا يُوجَدُ سِحْرٌ كَهَذَا. هَذَا أَمْرٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ إِلَّا إِذَا كَانَ فَاعِلُهُ إِلَهاً.”
إِذاً مَا هَذَا الَّذِي حَدَثَ لِتَوِّهِ؟
بَيْنَمَا كَانَ الجَمِيعُ يَتَوَجَّهُونَ نَحْوَ قَاعَةِ الاحْتِفَالَاتِ وَهُمْ غَارِقُونَ فِي التَّفْكِيرِ، كَانَ هُنَاكَ شَخْصٌ يَقِفُ فِي المَمَرِّ المُظْلِمِ.
“يَا إِلَهِي، أَلَيْسَتْ هَذِهِ السيدة هِيْلْدِيرِيُوس وَالسَّيِّدُ الصَّغير؟”
لَا أَعْلَمُ مُنْذُ مَتَى وَهِيَ تَقِفُ هُنَاكَ، لَكِنَّ سَيِّدَةً تَرْتَدِي فُسْتَاناً بِلَوْنٍ أَحْمَرَ دَاكِنٍ كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيْنَا وَتَبْتَسِمُ.
“.. زَوْجَةُ الدُّوقِ رُوزْبِيلِير.”
تَمْتَمَ لُويْد بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ لِلغَايَةِ.
نَظَرَتْ زَوْجَةُ الدُّوقِ رُوزْبِيلِير إِلَيَّ وَهِيَ تَبْتَسِمُ:
“الآنِسَةُ المُعَالِجَةُ الجَمِيلَةُ مَوْجُودَةٌ أَيْضاً.”
وَقَفَتْ دَابِيين أَمَامِي لِتَحْمِيَنِي وَسَأَلَتْ بِغَضَبٍ، وَكَانَتْ كُلُّ كَلِمَةٍ تَنْطِقُ بِهَا مَمْزُوجَةً بِرَغْبَةٍ فِي القَتْلِ:
“مُنْذُ مَتَى وَعَائِلَةُ رُوزْبِيلِير تَتَنَصَّتُ عَلَى كَلَامِ الآخَرِينَ مِثْلَ الجِرْذَانِ؟”
أَمَامَ كَلَامِ دَابِيين العَنِيفِ، صَرَخَتْ زَوْجَةُ الدُّوقِ كَأَنَّهَا مَصْدُومَةٌ:
“يَا لَلْعَجَبِ، أَنْ يَنْطِقَ لِسَانُ الآنِسَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ قُدْوَةً لِلجَمِيعِ بِهَذَا الكَلَامِ البَذِيءِ. يَبْدُو أَنَّكِ نَشَأْتِ بِحُرِّيَّةٍ زَائِدَةٍ لِأَنَّ زَوْجَةَ الدُّوقِ هِيْلْدِيرِيُوس كَانَتْ مُبَارِزَةَ سِحْرٍ. حَسَناً، لَا بَأْسَ، فَقَلْبُكِ رُبَّمَا يَكُونُ مُضْطَرِباً وَلَا تَسْتَطِيعِينَ كَبْتَ غَضَبِكِ بِمَا أَنَّ الدُّوقَ وَزَوْجَتَهُ يُصَارِعَانِ المَوْتَ.”
ثُمَّ بَدَأَتْ تَضْحَكُ بِاسْتِهْزَاءٍ.
وَبَعْدَ أَنْ ضَحِكَتْ لِفَتْرَةٍ، أَكْمَلَتْ زَوْجَةُ الدُّوقِ كَلَامَهَا وَهِيَ تَمِيلُ بِعَيْنَيْهَا بِمَكْرٍ:
“عَلَى أَيِّ حَالٍ، أَلَمْ يُصْبِحْ وَلِيُّ عَهْدِنَا رَائِعاً جِدّاً؟ أَنَا أَتَطَلَّعُ كَثِيراً لِمُسْتَقْبَلِ هَذِهِ الإمْبَرَاطُورِيَّةِ.”
“هَلْ أَنْتِ مَنْ جَعَلْتِهِ هَكَذَا؟”
أَمَامَ سُؤَالِ لُويْد الَّذِي نَطَقَ بِهِ وَهُوَ يَصُكُّ عَلَى أَسْنَانِهِ، نَظَرَتْ إِلَيْنَا زَوْجَةُ الدُّوقِ بِيَأْسٍ وَأَمَالَتْ رَأْسَهَا:
“أَيُعْقَلُ؟ أَلَا تَقْصِدُ أَنَّ تَحَوُّلَ وَلِيِّ العَهْدِ إِلَى هَذَا المَظْهَرِ الرَّائِعِ كَانَ بِسَبَبِ سِحْرِي؟ هُهُوتْ.”
هَزَّتْ كَتِفَيْهَا وَأَكْمَلَتْ:
“أَلَمْ تَكُونُوا تَتَحَدَّثُونَ قَبْلَ قَلِيلٍ؟ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ سِحْرٌ يَجْعَلُ الشَّخْصَ يَطُولُ وَتَكْبَرُ عَضَلَاتُهُ. هَلْ تَعْتَقِدُونَ أَنَّنِي، وَأَنَا مُجَرَّدُ سَاحِرَةِ ظَلَامٍ بَسِيطَةٍ، يُمْكِنُنِي فِعْلُ مَا لَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْتُمْ فِعْلَهُ؟”
عِنْدَ ذَلِكَ، قَطَّبَتْ دَابِيين حَاجِبَيْهَا وَحَدَّقَتْ فِيهَا بِغَضَبٍ ثُمَّ مَرَّتْ مِنْ جَانِبِهَا بِسُرْعَةٍ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَجَالٌ لِلنِّقَاشِ أَكْثَرَ فِي ظِلِّ غِيَابِ الأَدِلَّةِ.
حَدَّقَ لُويْد فِي خَصْمِهِ الَّذِي أَمَامَهُ بِعَيْنَيْنِ غَارِقَتَيْنِ فِي التَّفْكِيرِ، ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً وَاحِدَةً:
“سَأُرَاقِبُكِ.”
ابْتَسَمَتْ زَوْجَةُ الدُّوقِ بِخُبْثٍ وَأَجَابَتْ:
“نَعَمْ، سَأَضَعُ ذَلِكَ فِي حُسْبَانِي. نَلْتَقِي لاحِقاً فِي قَاعَةِ الاحْتِفَالَاتِ.”
طَوَالَ الطَّرِيقِ إِلَى قَاعَةِ الاحْتِفَالَاتِ، لَمْ يَنْطِقِ التَّوْأَمُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
عَائِلَةُ رُوزْبِيلِير الَّتِي كَانَتْ مِنَ المُؤَسِّسِينَ، وَعَائِلَةُ هِيْلْدِيرِيُوس الَّتِي تُمَثِّلُ القُوَّةَ الجَدِيدَةَ وَالمُقَرَّبَةَ مِنَ الإمْبَرَاطُورَةِ الحَالِيَّةِ، كَانَتَا فِي حَالَةِ تَنَافُسٍ دَائِمٍ.
وَلَكِنْ فِي وَقْتٍ مَا، كَانَ الدُّوقَانِ يَجُوبَانِ القَارَّةَ مَعاً فِي سَاحَاتِ المَعَارِكِ، وَكَانَ لَهُمَا فَضْلٌ كَبِيرٌ فِي تَوَلِّي الإمْبَرَاطُورَةِ الحَالِيَّةِ لِلْعَرْشِ، لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَبٌ لِتَكُونَ العَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا سَيِّئَةً لِهَذِهِ الدَّرَجَةِ.
لِذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَخَيَّلُ أَنَّهُمْ سَيَقُومُونَ بِرَشْوَةِ رِيرِيك وَكَاسُو لِلهُجُومِ عَلَى دُوقِ وَدُوقَةِ هِيْلْدِيرِيُوس فِي غِيَابِ الشِّرِّيرَةِ إِيفِيلِيَانَا.
إِذَا كُنَّا نَحْنُ نَشْعُرُ بِهَذَا، فَمَاذَا عَنِ النُّبَلَاءِ فِي الخَارِجِ؟
حَتَّى لَوْ كَانَ كُلُّ هَذَا حَقِيقَةً، فَلَنْ يُصَدِّقَهُمْ أَحَدٌ.
عَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، بِمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا حَتَّى جُثَّةً وَأَخْفَوْا كُلَّ الأَدِلَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهَا هِيَ مَنْ حَرَّضَتْ عَلَى ذَلِكَ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سِوَى شَهَادَتِي.
المُشْكِلَةُ هِيَ أَنَّ كَلَامِي، وَأَنَا مُجَرَّدُ مُعَالِجَةٍ تَرْجِعُ لِعَائِلَةِ هِيْلْدِيرِيُوس، كَانَ ذَا مِصْدَاقِيَّةٍ مُنْخَفِضَةٍ، كَمَا أَنَّ الدُّوقَ وَزَوْجَتَهُ اللَّذَيْنِ يُمْكِنُهُمَا دَعْمُ شَهَادَتِي كَانَا غَائِبَيْنِ عَنِ الوَعْيِ.
السُّؤَالُ هُنَا هُوَ، لِمَاذَا تَهْجُمُ عَائِلَةُ رُوزْبِيلِير عَلَى هِيْلْدِيرِيُوس رُغْمَ أَنَّ العَلَاقَةَ بَيْنَهُمَا لَيْسَتْ سَيِّئَةً إِلَى هَذَا الحَدِّ؟
هَلْ لِأَجْلِ العَيْشِ لِلأَبَدِ كَمَا قَالَ رِيرِيك؟ أَمْ لِلْحُصُولِ عَلَى جَسَدٍ مِثَالِيٍّ؟
لَمْ أَسْتَطِعْ فَهْمَ السَّبَبِ الَّذِي يَدْفَعُهُمْ لِفِعْلِ كُلِّ هَذَا.
يَجِبُ مَعْرِفَةُ الدَّافِعِ لِأَجِدَ خَيْطاً لِلْحَلِّ.
بَدَا أَنَّ لُويْد وَدَابِيين غَارِقَانِ فِي التَّفْكِيرِ أَيْضاً.
عِنْدَمَا يَعْمَلُ العَقْلُ، يَجِبُ أَنْ نَأْكُلَ شَيْئاً!
عَقْلِي لَمْ يَعُدْ يَعْمَلُ، لِذَلِكَ اقْتَرَبْتُ مِنَ الطَّاوِلَةِ المَلِيئَةِ بِالطَّعَامِ لِأُعَوِّضَ بَعْضَ السُّكَّرِ.
سَأَأْكُلُ أَنَا وَسَآخُذُ لَهُمَا أَيْضاً.
أَخْرَجْتُ عِدَّةَ أَطْبَاقٍ.
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي مَدَدْتُ فِيهَا يَدِي نَحْوَ الطَّعَامِ المُرَتَّبِ بِجَمَالٍ.
اصْطَدَمَتْ يَدِي بِيَدِ شَخْصٍ كَانَ بِجَانِبِي.
“أُوه، المَعْذِرَةُ.”
اعْتَذَرْتُ بِسُرْعَةٍ وَنَظَرْتُ إِلَى الشَّخْصِ الآخَرِ.
“السَّيِّدُ يُوتِيَاس؟”
كَانَ يُوتِيَاس يَقِفُ هُنَاكَ، لَا أَعْلَمُ مَتَى أَتَى.
كَانَ يَرْتَدِي زِيّاً رَسْمِيّاً أَنِيقاً، وَبِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إِلَيْهِ عَرَفْتُ أَنَّهُ مِنْ تَصْمِيمِ المُنَافِسِ لِلْبَارُونِ أَلْرَادِي؛ لِأَنَّ عَلَامَتَهَا المُمَيَّزَةَ كَانَتْ مَنْقُوشَةً عَلَيْهِ.
بِالنَّظَرِ إِلَى جَوْدَةِ القُمَاشِ، يَبْدُو أَنَّهُ أَنْفَقَ الكَثِيرَ مِنَ المَالِ.
مَعَ هَذِهِ المَلَابِسِ الغَالِيَةِ وَالجَسَدِ الَّذِي يَرْتَدِيهَا بِبَرَاعَةٍ، وَالوَجْهِ الفَاتِنِ أَيْضاً.
كَانَ يَنْظُرُ إِلَيَّ بِوَجْهِهِ الوَسِيمِ كَمَا يَلِيقُ بِبَطَلِ الرِّوَايَةِ الأَصْلِيِّ.
“مَرْحَباً؟ سِيادَةَ يُوتِيَاس.”
بَعْدَ أَنْ أَلْقَيْتُ التَّحِيَّةَ، وَضَعْتُ الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ أَخْذَهُ فِي طَبَقِي بِسُرْعَةٍ وَأَكْمَلْتُ كَلَامِي:
“لَقَدْ تَعِبْتَ كَثِيراً فِي صُنْعِ ذَلِكَ الدَّنْجُون فِي المَرَّةِ المَاضِيَةِ. لَقَدْ كَانَ مُمْتِعاً.”
كُنْتُ أَتَحَدَّثُ كَثِيراً لِمُجَرَّدِ التَّحِيَّةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِكَلِمَةٍ.
مَاذَا هُنَاكَ؟
عِنْدَمَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَتَحَ فَمَهُ ثُمَّ احْمَرَّ وَجْهُهُ عِنْدَمَا تَلَاقَتْ أَعْيُنُنَا.
بَعْدَ ذَلِكَ أَمَالَ رَأْسَهُ بِسُرْعَةٍ.
وَبَدَتْ أُذُنَاهُ وَرَقَبَتُهُ مُحْمَرَّةً خَلْفَ وَجْهِهِ المُخْتَفِي.
مَا بَالُ هَذَا الشَّخْصِ؟ لَقَدْ تَجَاهَلَ كَلَامِي تَمَاماً.
يَبْدُو أَنَّ حَالَتَهُ لَيْسَتْ جَيِّدَةً أَبَداً؟
“هَلْ أَنْتَ مَرِيضٌ فِي مَكَانٍ مَا؟”
عِنْدَمَا أَمَلْتُ رَأْسِي وَسَأَلْتُ، نَظَرَ إِلَيَّ مَرَّةً أُخْرَى.
وَامْتَلَأَ وَجْهُهُ المُحْمَرُّ بِالارْتِبَاكِ.
“هَذَا.. أَنَا، عِنْدَمَا فَكَّرْتُ فِي الأَمْرِ، وَجَدْتُ أَنَّ هُنَاكَ عَمَلاً لَمْ أُكْمِلْهُ. يَجِبُ أَنْ أَذْهَبَ الآنَ لِتَعْدِيلِ الجَدْوَلِ. إِذاً، إِلَى اللِّقَاءِ.”
بَعْدَ أَنْ تَلَعْثَمَ يُوتِيَاس لِفَتْرَةٍ، اخْتَفَى بَيْنَ الحُشُودِ بِحَرَكَةٍ غَيْرِ طَبِيعِيَّةٍ.
يَبْدُو أَنَّهُ يَتَأَلَّمُ كَثِيراً.
أَنْ يُفَكِّرَ فِي العَمَلِ حَتَّى بَعْدَ مَجِيئِهِ إِلَى هُنَا، يَبْدُو أَنَّهُ يَعْمَلُ بِجِدٍّ بَعْضَ الشَّيْءِ.
أَجَلْ.
هَكَذَا فَقَطْ يُمْكِنُ لِبُرْجِ السِّحْرِ أَنْ يَسْتَمِرَّ.
فَكَّرْتُ فِي نَفْسِي وَأَنَا أَدُورُ حَامِلَةً الطَّعَامَ بَيْنَ يَدَيَّ.
‘بِهَذَا القَدْرِ، يُمْكِنُنِي أَنْ آكُلَ بِشَبَعٍ مَعَ التَّوْأَمِ.’
بَيْنَمَا كُنْتُ مُتَحَمِّسَةً لِتَذَوُّقِ طَعَامِ القَصْرِ الإمْبَرَاطُورِيِّ، ظَهَرَ أَمَامِي شَيْءٌ مَا.
‘وَهَذَا، مَا هُوَ أَيْضاً؟’
التعليقات لهذا الفصل " 88"