بعد أداءِ صلاةِ الفجر، كنتُ أتناولُ الفطورَ مع الكهنةِ المبتدئين ثمَّ نقضي الوقتَ حتى الظهرِ في تعلمِ العلومِ الأساسيةِ واللاهوت.
وبعد الظهر، كنا نمضي اليومَ في المساعدةِ بأعمالِ المعبد.
رغم أنني كنتُ طفلةً عاديةً لا تملكُ ذرةً من القوةِ المقدسة، وغيرَ مؤهلةٍ لتكونَ كاهنةً مبتدئة، إلا أنه ربما بسببِ الفوضى التي أحدثَها المبعوثُ في القاعة، لم يتجرأ أحدٌ في المعبدِ على معاملتي بسوء.
خاصةً الأطفالُ في مثلِ عمري، فقد كانت أعينُهم تلمعُ رغبةً في التقربِ مني.
“اسمي جودي! لنكن صديقتين.”
“لقد قرأتُ أيضاً فقرةَ ‘طفلِ الإله’ في كتابِ اللاهوت! شَعْرٌ أبيضُ كضوءِ القمرِ وعينانِ حمراوانِ كدمي، هما خلقي وظلي! هكذا وردَ في سفرِ بانكيل، الإصحاح 21، الآية 33! يا إلهي! إنهُ لفخرٌ لي أن أكونَ معكِ في نفسِ المكان!”
في أوقاتِ الراحة، كان الأطفالُ يتجمعونَ حولي ليعرفوني بأنفسهم، مما يجعلُ المكانَ مزدحماً.
هل هذا هو الشعورُ بأنْ تكوني رئيسةَ طلابٍ ذاتَ شعبيةٍ في المدرسةِ الابتدائية؟
بالتفكيرِ في الأيامِ الماضيةِ التي كنتُ أتعرضُ فيها للضربِ من قِبلِ أقراني، كان هذا تطوراً مذهلاً لدرجةِ البكاء.
حتى الكبارُ في المعبدِ كانوا ودودينَ معي.
لم يعدْ هناكَ مَن يرفعُ سوطاً لتهديدي أو يبتزُّني.
بالطبع، لم يكن جميعُ الكهنةِ يرحبونَ بوجودي.
فبعضُهم، وعلى رأسِهم الكاهنُ “تيميو”، كانوا يتهامسونَ وينظرونَ إليَّ بامتعاضٍ كلما مررت.
“مَن كان يظنُّ أنَّ ذلكَ العجوزَ الذي كان يغيبُ عن الوعي تارةً ويفيقُ تارةً أخرى سيعودُ لرشدهِ فجأة؟”
“اشش، انتبه لقولِك.”
“هـه، فليسمعْ مَن يسمع. طفلةٌ بلا قوةٍ مقدسة، أيُّ بركةٍ إلهيةٍ نالتها؟ هل هذا كلامٌ يعقل؟”
“يبدو أنَّ الخرفَ قد أصابَ ذلك العجوز. اتركوهُ وشأنَه، فأيامُهُ في الدنيا معدودة.”
في البداية، لم أكن أفهمُ كلماتِهم السيئةَ التي يقولونها خلفَ ظهري وكأنهم يقصدونَ إسمـاعي.
عجوز؟ لشابٍ في العشرينياتِ يتمتعُ ببشرةٍ نضرةٍ خاليةٍ من التجاعيد؟
يبدو أنَّ هؤلاءِ الناسَ هم مَن أصابَهم الخرف.
“عن ماذا يتحدثون؟ هل يقصدونَ سيادةَ المبعوث؟”
عندما تمتمتُ مع نفسي، نظرت الطفلةُ “جودي” التي بجانبي نحو الكهنة بحذرٍ ثم قالت:
“آه… يبدو أنكِ لا تعرفين. يقالُ إنَّ مَن وُلِدَ بمباركةٍ عظيمةٍ من الإلهِ مثلَ المبعوث، لا يشيخُ جسدُهُ بعدَ البلوغ.
يبدو شاباً في مظهره، لكنَّ ما أعرفُهُ… هو أنَّ عمرَهُ الآنَ يناهزُ السبعين.”
“سـ… سبعين؟”
بسببِ كلماتِ جودي، بدأتُ أفهمُ أخيراً أسلوبَ كلامِ المبعوثِ الذي لم يكن يتناسبُ مع وجهه.
لا عجب! لقد كان أسلوبُهُ يشبهُ أسلوبَ الجدود.
“بما أنكِ طفلةُ الإله، ربما لن يشيخَ جسدُكِ أنتِ أيضاً!”
ضحكتُ بـارتباكٍ على كلماتِ جودي.
“أهاهاها، مستحيل.”
الشريرةُ التي دمرت هذا العالمَ مرةً تكونُ طفلةَ الإله؟ كان هذا كلاماً غيرَ منطقي.
“على أيِّ حالٍ لا تهتمي لكلامِهم يا كايإنهم قليلُو الإيمان تجاهليهم.”
أومأتُ برأسي بهدوءٍ لـ جودي.
واستمرتِ الأيامُ الهادئة.
لم تعدْ للطفولةِ البائسةِ للشريرة، التي تعرضتْ للاضطهادِ من الصغارِ والكبار، أيُّ وجود.
وبدلاً من عصيدةِ دارِ الأيتامِ مجهولةِ الهويةِ وذاتِ الطعمِ المـر، كان يُقدَّمُ لي الخبزُ الأبيضُ الدافئُ والحساءُ في كلِّ وجبة.
وبدلاً من السريرِ القذرِ المليءِ بالفئرانِ والحشرات، كنتُ أنامُ في سريرٍ نظيفٍ تفوحُ منهُ رائحةُ الصابون، بعيداً عن هبوبِ الرياح.
وبينَ الحينِ والآخر، كانت تـصلُ أخبارٌ عن أبطالِ الروايةِ الذين يزدادونَ قوةً بشكلٍ مذهل.
شعرتُ بقلقٍ صغيرٍ يقول: ‘ألن يأتوا لقتلي؟’،
لكنني هززتُ رأسي.
طالما بقيتُ في المعبدِ هكذا، فلن ألتقيَ بهم أبداً.
“كاي، هل هناكَ ما يتعبُكِ؟”
كان شعرُهُ الأبيضُ يلمعُ ببريقٍ ساطعٍ مع هبوبِ الرياح.
سيادةُ المبعوث، الذي يمتلكُ وجهاً وسيماً للغاية، كان يزورني كثيراً ويسألُ عن أحوالي.
حسناً، ما الذي قد أحتاجه؟ أحصلُ على ثلاثِ وجباتٍ بانتظام ويتكفلونَ بتعليمي وحتى مكاناً للنومِ وفروا لي.
لم يكن هناكَ شيءٌ أتمنى الحصولَ عليه.
بل على العكس، كنتُ أريدُ أن أكونَ عوناً كبيراً للمبعوثِ الذي سمحَ لي بالبقاءِ في المعبد.
“سيادةَ المبعوث، أريدُ تعلمَ السحر.”
“..السحر؟”
صاحبةُ هذا الجسدِ هي ساحرةٌ عظيمةٌ سابقة.
ألم يكن السببُ في تبني عائلةِ “روزيبلير” الشهيرةِ بالسحرِ لي هو المانا الهائلة؟
“نعم، أريدُ تعلمَ سحرِ الشفاء.”
في الأصل، سحرُ الشفاءِ باستخدامِ المانا أقلُّ كفاءةً بكثيرٍ من سحرِ الشفاءِ المقدس، وهو علمٌ يتجنبُهُ الكثيرون، لكنني كنتُ أملكُ مانا كافيةً لتعويضِ ذلك.
“أنا، أريدُ أن أصبحَ كاهنةَ شفاء.”
مهما كان عددُ مَن يملكونَ القوةَ المقدسة، فإنَّ مَن يستخدمونَ سحرَ الشفاءِ المقدسِ كانوا محدودين، وبما أنَّ سحرَ الشفاءِ هو المصدرُ الرئيسيُّ لدخلِ المعبد، فقد كان كاهنُ الشفاءِ دائماً نادراً.
لذا، أردتُ أن أكونَ كاهنةَ شفاءٍ تقدمُ مساعدةً كبيرةً للمعبد.
“بما أنكِ ترغبينَ في ذلك، سأبذلُ جهدي.”
وفى المبعوثُ بوعده وبفضلِ ذلك، استطعتُ تعلمَ سحرِ الشفاءِ بدعمٍ هائل.
فحسبَ المسارِ الأصلي، كان على الأبطالِ أن يلتقوا بالشريرةِ ويتصارعوا معها قبلَ خمسِ سنوات، لكنهم منذُ عودتهم بالزمنِ وحتى الآن، لم يروا وجهَ الشريرةِ ولو لمرةٍ واحدة.
كنتُ أؤمنُ بشدةٍ أنهُ إذا استمررتُ بالبقاءِ في المعبدِ ككاهنةِ شفاء، فإنَّ الشريرةَ “إيفليانا روزيبلير” ستختفي من ذاكرةِ الأبطالِ للأبد.
حتى انتهت مراسمُ بلوغي وقبلَ أن أُعَمَّدَ ككاهنةِ شفاء.
“هذا غيرُ ممكن لقد صدرَ أمرٌ من الكاهنِ الأكبرِ بأنهُ لا يمكنُ تعيينُ شخصٍ لا يملكُ قوةً مقدسةً ككاهنٍ في معبدِ تيرينا.”
عندَ سماعِ هذهِ الكلماتِ الصاعقةِ من فرسانِ المعبدِ القادمينَ من العاصمة، احمرَّ وجهُ المبعوثِ غضباً وبدأ يصرخُ فيهم.
“كيفَ يجرؤ! هل يعني هذا أنَّ ‘غريو’ يتمردُ عليَّ!”
رغمَ احتجاجِ المبعوثِ القوي، إلا أنني لم أتمكنْ في النهايةِ من أن أصبحَ كاهنةَ شفاء لأنَّ موافقةَ الكاهنِ الأكبرِ لم تصدر.
علاوةً على ذلك، بما أنني بلغتُ سنَّ الرشد، لم يعدْ بإمكاني البقاءُ في معبدِ تيرينا.
فلم يكن هناكَ مكانٌ لي في المعبدِ الذي لا يسكنُهُ إلا القاصرونَ ذوو القوةِ المقدسةِ والكهنة.
“كاي، لا تقلقي ألم أقل لكِ؟ يمكنكِ البقاءُ هنا كما تشائين لا تهتمي لكلامِ هؤلاءِ الوقحين.”
رغمَ أنَّ المبعوثَ قال إنني أستطيعُ البقاءَ متى شئت، إلا أنَّ بقيةَ الكهنةِ لم يكونوا كذلك. فأمرُ الكاهنِ الأكبرِ كان أكثرَ سلطةً من أمرِ ‘مبعوثِ الإله’.
وبسببِ نظرات الكهنة القاسية، كان عليَّ مغادرةُ معبدِ تيرينا الذي عشتُ فيهِ كبيتي لمدةِ ثماني سنوات.
وبما أنني يتيمةٌ من العامةِ لا تملكُ مالاً ولا عائلة، كان عليَّ البحثُ عن وظيفةٍ بسرعة.
وهكذا بحثتُ عن وظيفةِ “كاهنة شفاء تابعةٍ للإمبراطورية”.
كان للوظيفةِ سلبيات، مثلَ العملِ لستةِ أيامٍ في الأسبوعِ بنظامِ المناوبات، وكثرةِ العملِ الإضافيِّ والعملِ الليلي، مما يجعلُها شاقة، لكنها كانت من الوظائفِ القليلةِ المضمونةِ التي توفرُ سكناً في هذا العالم.
وبما أنني كنتُ أستعدُّ لأكونَ كاهنةَ شفاء، ولم تكن لديَّ مشكلةٌ في قدراتِ سحرِ الشفاء، فقد اجتزتُ بسهولةٍ امتحانَ المعالجينَ
الإمبراطوريين، وهو أحدُ أصعبِ ثلاثةِ امتحاناتٍ في الإمبراطورية.
وهكذا أصبحتُ كاهنة في فرعِ “جيرونيا”.
❁❁❁
واليومَ أيضاً، كان مركزُ الشفاءِ التابعُ للإمبراطوريةِ في فرعِ جيرونيا مزدحماً بالمرضى الذين تجمعوا لتلقي العلاج.
“أنا أعاني من الإسهالِ منذُ فترة! ألا يمكنكِ القيامُ بـ شفاء لي؟”
التعليقات لهذا الفصل " 7"