الفصل 67
قالَ السَّاحِرُ بِوَجْهٍ مُتْعَبٍ وكأَنَّ هذا الأَمْرَ صارَ جُزْءاً مِن روتينِه:
“نَحْنُ الذينَ نَموتُ هُنا، لَيْسَ إلا.”
لَيْسَ هذا السَّاحِرُ فَقَط، بَل كُلُّ ساحِرٍ يَمُرُّ مِنْ أَمامي كانَتِ الهالاتُ السَّوْداءُ تَرْسُمُ ظِلالاً عَميقَةً تَحْتَ عَيْنَيْه، وكأَنَّهُم لَمْ يَناموا مُنْذُ دَهْر.
كانَ مَنْظَرُهُم مُخْتَلِفاً تَماماً عَنْ يُوتِياس الذي قابَلْتُهُ بِالأَمْس.
‘بَشَرَةُ يُوتِياس كانَت تَلْمَعُ وتَفِيضُ حَيَوِيَّةً…’
هاه، يا لَكَ مِنْ مِسْكينٍ لِوُقوعِكَ تَحْتَ إِدارَةِ رَئيسِ عَمَلٍ مِثْلِه.
رَبَتُّ عَلى كَتِفِهِ بِتَعاطُفٍ وتَمَنَّيْتُ لَهُ التَّوْفيق، فَقالَ السَّاحِرُ نَحِيلاً وكأَنَّهُ يُواسِي نَفْسَه:
“رَغْمَ كُلِّ شَيْء… الرَّاتِبُ مُجْزٍ جِدّاً!”
نَعَم، سَيَقومُ بِعَصْرِكَ حَتَّى آخِرِ قَطْرَةٍ لِيَجْنِيَ الأَرْباح.
وَدَّعْتُ السَّاحِرَ وتَوَجَّهْتُ نَحْوَ مَرْكَزِ المَدينَة.
“يُوتِياس لَنْ يَنْفَع، يَجِبُ أَنْ أَسْأَلَ لُويْد.”
بَيْنَما كُنْتُ أَمْشي، هَبَّتْ رائِحَةٌ كَريهَةٌ ومُتَعَفِّنَة.
شَعَرْتُ بِقَشْعَريرَةٍ مَأْلوفَةٍ ونَظَرْتُ حَوْلي.
مَصْدَرُ الرَّائِحَةِ كانَتْ تِلْكَ العَجُوزَ التي تَرْتَدي عَباءَةً مَليئَةً بِالعَفَن.
كانَتْ تَجْلِسُ في زاوِيَةِ زُقاقٍ وتُحَرِّكُ يَدَيْها بِارْتِباك.
أَرَدْتُ المُرورَ بِصَمْت، لكِنَّ آيْن سَحَبَ يَدِي وأَشارَ نَحْوَها.
كانَتِ العَجُوزُ تَضُمُّ دُمْيَةً قَديمَةً بِحَنَان، وتَجْدِلُ شَعْرَ الدُّمْيَةِ بِلُطْف.
وفجأةً رَفَعَتْ رَأْسَها والتَقَتْ عَيْناها بِعَيْنَيَّ.
رَغْمَ ظَهْرِها المُنْحَني وبَشَرَتِها السَّوْداءِ والتَّجاعيدِ الكَثيرة، إلا أَنَّ عَيْنَيْها كانَتا تَلْمَعانِ بِصَفَاء.
بَيْنَما كُنْتُ أَنْظُرُ إِلى وَجْهِها الخائِفِ مِثْلَ طِفْلٍ تائِه، ظَهَرَ بائِعٌ مِنْ إِحْدى البَسْطاتِ وهو يَحْمِلُ مِكْنَسَةً ويَصْرُخ:
“يا جَدَّة، اذْهَبي مِنْ هُنا! الرَّائِحَةُ تُفْسِدُ عَمَلي!”
عِنْدَما لَوَّحَ البائِعُ بِالمِكْنَسَة، ذُعِرَتِ العَجُوزُ وقامَتْ مُسْرِعَةً وهَرَبَتْ بَعيداً.
كَما قالَ صاحِبُ النُّزُل، إِنَّها امْرَأَةٌ مِسْكينَةٌ حَقّاً.
“عِنْدَما نَعودُ لِلْقَصْر، سأُخْبِرُ رَئيسَ الخَدَمِ لِيُساعِدَها.”
إِذا تَوَفَّرَ لَها المَأْوى والطَّعام، لَنْ تضْطَرَّ لِلْعَيْشِ مَنْبُوذَةً هكَذا.
ظَلَّ آيْن يَنْظُرُ بِشُرودٍ نَحْوَ الزُّقاقِ الذي اخْتَفَتْ فيهِ العَجُوز.
شَعَرْتُ بِالغَرابَةِ مِنْ تَصَرُّفِهِ لكِنَّ أَمْرَ مَارْغِرِيت كانَ مُسْتَعْجِلاً، فَأَخَذْتُهُ وتَوَجَّهْنا لِلْنُّزُل.
“هَلْ حَدَثَ شَيْءٌ في غِيابي؟”
عِنْدَما فَتَحْتُ الباب، رَأَيْتُ غُرْفَةَ الطِّفْلَةِ مُرَتَّبَةً نَظيفَة.
كانَ لُويْد يَجْلِسُ بِوَقارٍ عَلى كُرْسِيٍّ قُرْبَ السَّريرِ ويُراقِبُها.
“لَمْ تَتَحَرَّكْ أَبَداً.”
يا لَهُ مِنْ شَبَحٍ جَبان.
كُنْتُ أَعْرِفُ ذلِك.
سَأَلْتُ لُويْد بَيْنَما كُنْتُ أَعْقِدُ حَاجِبَيَّ:
“هَلْ تَعْرِفُ شَيْئاً عَنِ الدَّائِرَةِ السِّحْرِيَّةِ عَلى العَمُودِ الأَبْيَض؟ يُوتِياس قالَ إِنَّكَ تَعْرِفُ عَنْها أَيْضاً.”
فَكَّرَ قَليلاً ثُمَّ قال:
“أَذْكُرُ أَنَّني رَأَيْتُها في بَحْثٍ نَشَرَهُ بُرْجُ السَّحَرَةِ مُؤَخَّراً. إِنَّها إِحْدى الدَّوائِرِ المَوْجودَةِ في الآثارِ القَديمَة، ويَبْدو أَنَّها سِحْرٌ لا يُوجَدُ إلا في الأَساطير.”
لاحَظَ مَلامِحَ الحَيْرَةِ عَلى وَجْهي فأَكْمَل:
“سِحْرٌ مِثْلَ إِحْياءِ المَوْتى، أَوْ إِعادَةِ الزَّمَن.”
“هَلْ يُوجَدُ سِحْرٌ كَهذا؟”
“نَظَرِيّاً، هُوَ مُمْكِن. الدَّوائِرُ التي وُجِدَتْ كانَ تَصْمِيمُها مِثالِيّاً، لكِنَّها لا تَعْمَلُ في الواقِع. يَعْتَقِدُ سَحَرَةُ البُرْجِ أَنَّها مُجَرَّدُ رُموزٍ تُعَبِّرُ عَنْ أَمَاني القُدامى.”
لِماذا لَمَعَتْ تِلْكَ الدَّائِرَةُ داخِلَ جَسَدِ الطِّفْلَةِ إِذاً؟
هَلْ أَخْطَأْتُ في الرُّؤْيَة؟
كُنْتُ أَحْتاجُ لِرُؤْيَتِها مَرَّةً أُخْرى لِأَتَأَكَّد، لكِنَّ الشَّبَحَ كانَ صامِتاً بِوُجودِ لُويْد.
في وسَطِ حَديثِنا، سُمِعَ صَوْتُ قَرْقَرَةِ مَعِدَةِ آيْن.
“آيْن، هَلْ أَنْتَ جائِع؟”
لَقَد نَسِينا تَناوُلَ الطَّعام.
اعْتَذَرَ الوالِدانِ بِشِدَّةٍ لأَنَّهُما لَمْ يُجَهِّزا شَيْئاً بِسَبَبِ انْشِغالِهِما بِالطِّفْلَة.
“لا بَأْس. سأَذْهَبُ لِلْمَطْعَمِ القَريبِ وأُحْضِرُ بَعْضَ الطَّعام.”
أَخَذْتُ آيْن وتَوَجَّهْتُ لِلْمَطْعَمِ الصَّغيرِ أَمامَ النُّزُل.
“أَهْلاً بِكِ أَيَّتُها المُعالِجَة، هَلْ تُعالِجينَ مَارْغِرِيت؟”
اسْتَقْبَلَتْني صاحِبَةُ المَطْعَمِ بِوَجْهٍ بَشُوش.
هَزَزْتُ رَأْسي بِالإيجاب، فَتَنَهَّدَتْ بِأَسَى:
“يا لَلأَسَف، إِنَّهُم أُناسٌ طَيِّبونَ جِدّاً. السَّماءُ قاسِيَةٌ أَحْياناً… لَنْ آخُذَ ثَمَنَ الطَّعامِ شُكْراً لَكِ عَلى مُساعَدَتِهِم.”
أَعْطَتْني سَلَّةً مَليئَةً بِالطَّعام.
رَفَضْتُ في البِدايَةِ لكِنَّها أَصَرَّتْ بِقُوَّة.
في تِلْكَ اللَّحْظَة، هَبَّتْ رائِحَةٌ مُقْرِفَة.
نَظَرْتُ خَلْفي، فَوَجَدْتُ العَجُوزَ تَتَسَلَّلُ قُرْبَ المَطْعَم.
“أَيَّتُها العَجُوزُ اللَّعِينَة! ابْتَعِدي! أَنْتِ تُفْسِدينَ تِجارَتي!”
خَرَجَتْ صاحِبَةُ المَطْعَمِ وهي تُلَوِّحُ بِمِغْرَفَةٍ كَبيرة.
هَرَبَتِ العَجُوزُ نَحْوَ الزُّقاقِ المُظْلِم، وكانَتِ الدُّوميَةُ في يَدِها تَهْتَزُّ مَعَ حَرَكَتِها.
“تَوَقَّفي، لا يَجِبُ فِعْلُ هذا بِامْرَأَةٍ مِسْكينَة.”
قاطَعَتْني صاحِبَةُ المَطْعَمِ قائِلَة:
“يا آنِسَة، أَنْتِ غَريبَةٌ ولا تَعْرِفين. هذهِ العَجُوزُ مُجْرِمَة!”
“مُجْرِمَة؟”
“نَعَم! كانَتْ ساحِرَةً تَعِيشُ في العاصِمَة، لكِنَّها ارْتَكَبَتْ جَريمَةً بَشِعَةً قَبْلَ عَشْرِ سَنَواتٍ وسُجِنَت، ثُمَّ عادَت لِهُنا. يَقُولونَ إِنَّها قَتَلَتْ أَحَداً! وبِسَبَبِ جَريمَتِها سُلِبَتْ مِنْها المانَا ولَمْ تَعُدْ تَسْتَطيعُ اسْتِخْدامَ السِّحْر. حَتَّى عائِلَتُها هَرَبَتْ خَجَلاً مِنْها. انْتَبِهي مِنْها، إِنَّها تَقْتُلُ الحَيواناتِ.”
صُدِمْتُ بِهذا الكَلام.
لَمْ يَبْدُ عَلى عَيْنَيْها أَنَّها مُجْرِمَةٌ قاتِلَة.
“مارْغِرِيت المِسْكينَة كانَتْ هي الوَحيدَةُ التي تُعْطيها الطَّعام… لَقَد كانَتْ طِفْلَةً طَيِّبَةً جِدّاً…”
وَدَّعْتُ صاحِبَةَ المَطْعَمِ وعُدْتُ لِلْنُّزُل.
عِنْدَ المَدْخَل، اسْتَقْبَلَني والِدا الطِّفْلَةِ بِفَرَح.
“صاحِبَةُ المَطْعَمِ أَرْسَلَتْ لَكُم الكَثيرَ مِنَ الطَّعام.”
قَدَّمْتُ لَهُم السَّلَّةَ المَليئَةَ بِالخُبْزِ والسَّمَكِ المُدَخَّن، فَبَكى الزَّوْجانِ مِنَ التَّأَثُّر.
بَيْنَما كُنْتُ أُواسي الأُمَّ، ظَهَرَ ظِلٌّ كَبيرٌ عِنْدَ الباب.
كانَ قائِدَ الفُرْسانِ الأَوَّل.
“سَيِّدي الدُّوق، هُناكَ مُشْكِلَةٌ بَسيطَةٌ في أَعْمالِ تَرْمِيمِ السَّدّ.”
اضْطُرَّ لُويْد لِلْخُروجِ مَعَهُ لِفَتْرَة.
شَعَرْتُ بِالخَوْفِ بَعْدَ رَحيلِ لُويْد، لكِنَّها فُرْصَةٌ لِفَحْصِ الدَّائِرَةِ السِّحْرِيَّةِ عَلى جَسَدِ الطِّفْلَة.
وفجأة، قامَ آيْن مِنْ مَكانِهِ وخَرَجَ مُسْرِعاً.
“آيْن! إِلى أَيْنَ أَنْتَ ذاهِب؟”
لَحِقْتُ بِهِ بِسُرْعَة، فَتَوَقَّفَ آيْن وأَشارَ نَحْوَ زُّقاقٍ ضَيِّق.
هُناكَ، كانَتِ العَجُوزُ تَقِف.
عِنْدَما رَأَتْنا، بَدأَتْ تَهْرُبُ خَوْفاً.
“آيْن، لِنَعُد.”
لكِنَّ آيْن رَفَضَ وواصَلَ اللَّحاقَ بِها.
اضْطُرِرْتُ لِلْجَرْيِ خَلْفَهُما.
دَخَلَتِ العَجُوزُ بَيْتاً قَدِيماً مَصْنوعاً مِنْ أَلْواحِ الخَشَبِ في زاوِيَةٍ مُظْلِمَة.
ودَخَلَ آيْن خَلْفَها دُونَ تَرَدُّد.
“آيْن! هذا خَطَر!”
دَخَلْتُ المَكان، وكانَ مَليئاً بِالقُمامَةِ والرَّائِحَةِ الكَريهَة.
كانَ آيْن يَقِفُ في الوَسَط، وأَمامَهُ العَجُوزُ تَبْكي وتَرْتَجِف.
يَبْدو أَنَّها لَيْسَتْ مُجْرِمَةً، بَل امْرَأَةً مُحَطَّمَةً تَماماً.
بَيْنَما كُنْتُ أَقْتَرِب، تَعَثَّرَتْ قَدَمي بِقِطْعَةِ حَديدٍ كَبيرةٍ عَلى الأَرْض.
‘ما هذا؟’
كانَتْ بَوَّابَةً أَرْضِيَّةً تُؤَدِّي لِلْقَبْو.
انْبَعَثَتْ مِنْها رائِحَةُ دَمٍ وزُهُومَة.
لَوْ كانَ هذا فِلْماً، لَكانَ عَلَيَّ الدُّخول، لكِنَّني لَنْ أَفْعَل!
لَقَدْ قَرَّرْتُ العَوْدَةَ مَعَ لُويْد لاحِقاً.
لكِنَّ آيْن قَفَزَ داخِلَ القَبْوِ فجأة!
“يا إِلهي! هَلْ جُنِنْت؟”
كانَ القَبْوُ مُظْلِماً ومُرْعِباً، لكِنْ كانَ عَلَيَّ إِنْقاذُ آيْن.
أَخْرَجْتُ كِتابي السِّحْرِيَّ وقُلْت:
[بَرْق]°
أَضاءَ المَكان، ونَزَلْتُ لِلأَسْفَلِ بِحَذَر.
“آيْن؟”
اشْتَدَّتِ الرَّائِحَة.
رَأَيْتُ شَعْرَ آيْن الأَبْيَضَ يَلْمَعُ تَحْتَ الضَّوْء.
كانَ يَنْظُرُ لِلْمَكانِ بِصَمْت.
عِنْدَما اقْتَرَبْت، صُدِمْتُ بِالمَنْظَر:
أَرْفُفٌ مَليئَةٌ بِزُجاجاتٍ تَحْتَوي عَلى أَعْضاءِ وحُوشٍ وبَشَر! عُيونٌ مَقْلوعَة، ورُؤوسُ وحُوش… وفي وَسَطِ المَكانِ بُقْعَةُ دَمٍ كَبيرةٌ وجُثَّةٌ مُتَعَفِّنَة.
يَجِبُ أَنْ نَهْرُبَ مِنْ هُنا!
بَيْنَما كُنْتُ أَتَراجَع، اصْطَدَمْتُ بِطاوِلَة.
كانَ عَلَيْها دَفْتَرٌ قَديمٌ يَحْمِلُ شِعاراً مَأْلوفاً:
“شِعارُ عائِلَةِ رُوزبِيلِير.”
فَتَحْتُ الدَّفْتَرَ بِفُضُول.
كانَتِ الصَّفَحاتُ الأُولى مُمَزَّقَة، لكِنَّني اسْتَطَعْتُ قِراءَةَ الآخِر.
كانَتْ هُناكَ قِصَّةٌ مَجْنونَةٌ وبَشِعَةٌ جِدّاً مَكْتوبَةٌ هُناك.
بَعْدَ أَنْ أَنْهَيْتُ القِراءة، حَمَلْتُ آيْن بِسُرْعَة.
“آيْن، لَيْسَ لَدَيْنا وَقْت! هُناكَ شَيْءٌ يَجِبُ فِعْلُه!”
خَرَجْتُ مِنَ القَبْوِ رَكْضاً وأَنا أَشْعُرُ بِالرُّعْب.
التعليقات لهذا الفصل " 67"