الفصل 63
بَدأَ شَيْءٌ غَريبٌ يَتَرَاءَى لي بَيْنَ الأَعْشابِ قُرْبَ المَكانِ المُقَدَّس.
ظَنَنْتُ أَنَّني أَتَخَيَّل، ففَرَكْتُ عَيْنَيَّ بِقُوَّة، لكِنَّني كُلَّما نَظَرْتُ رَأَيْتُهُ بِوُضوح.
كانَ هُناكَ حِجابٌ شَفَّافٌ يَلْمَعُ تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ فَوْقَ الأَعْشاب.
‘سِحْر…؟’
اقْتَرَبْتُ مِنْهُ بِفُضولٍ ووَضَعْتُ يَدي عَلَيْه.
في تِلْكَ اللَّحْظَة، ذابَ الحِجابُ الشَّفَّافُ وتَلاشى كالثَّلْج.
وفِي الوَقْتِ نَفْسِه، ظَهَرَ فجأةً عَمودٌ أَبْيَضُ في مَكانٍ لم يَكُن فيهِ شَيْءٌ قَبْلَ قَليل.
كانَ عَموداً أَبْيَضَ يُشْبِهُ تِلْكَ الأَعْمِدَةَ التي نَجِدُها في أَطْلالِ المَعابِدِ القَديمة.
كانَ العَمودُ مَكْسُوراً مِن المُنْتَصَفِ ويَقِفُ وَحيداً.
كانَ وُجودُ عَمودٍ كَهذا في غابَةٍ كَثيفَةِ الأَشْجارِ أَمْراً غَريباً وغَيْرَ مَأْلوف.
وَقَفَ لويد بِجانِبي ونَظَرَ إِلى العَمود.
“هَل كانَ هذا الشَّيْءُ مَوْجوداً هُنا؟”
فَكَّرَ لويد لِقَليل، ثُمَّ اقْتَرَبَ خُطْوَةً إِضافِيَّةً نَحْوَ العَمود.
“واو، أَلَيْسَ هذا أَثَراً مِن العُصورِ القَديمة؟”
ظَهَرَ يوتياس فجأةً وكأَنَّهُ خَرَجَ مِن العَدَم، وتَحَدَّثَ بِفُضول.
بَدا وَجْهُهُ مُنْدَهِشاً وهو يَتَفَحَّصُ العَمودَ مِن كُلِّ جِهَة.
“هوه، سَيِّد لويد. هَل يُمْكِنُكَ المَجيءُ إِلى هُنا لَحْظَة؟”
نادى يوتياس لويد بَعْدَ أَنْ فَحَصَ المَكان، وأَشارَ إِلى خَلْفِ العَمود.
كانَ هُناكَ رَسْمٌ لِدائرَةٍ سِحْرِيَّةٍ مَنْقوشَةٍ بِدِقَّة.
“أَلَيْسَت هذهِ الدَّائرَةُ السِّحْرِيَّةُ التي لا تَظْهَرُ إلا في الأَساطير؟”
انْدَهَشَ يوتياس وهو يَتَأَمَّلُ الدَّائرَة:
“إِنَّهُ سِحْرٌ لا وُجودَ لَهُ إلا في النَّظَرِيَّات.”
كُنْتُ عَلى وَشَكِ سُؤالِ يوتياس عَنْ نَوْعِ هذا السِّحْر، لكِنَّ ساحِراً رَكَضَ نَحْوَنا ونادى يوتياس بِارْتِباك:
“سَيِّد يوتياس! سَيِّد يوتياس!”
“ماذا هُناكَ؟”
كانَ وَجْهُ الساحِرِ مَليئاً بالذُّهول.
وبَدأَ يَتَحَدَّثُ بِكلامٍ غَيْرِ مَفْهومٍ مِن شِدَّةِ عَجَلَتِه، لكِنَّ الشَّيْءَ الوَحيدَ الذي فَهِمْتُهُ هو أَنَّ عَلَيْنا لُحوقَه.
تَبِعْناهُ جَميعاً.
في المَكانِ الذي قادَنا إِلَيْهِ الساحِر، كانَ هُناكَ الكَثيرُ مِن النَّاسِ يَقِفُونَ حَوْلَ الجِهازِ السِّحْرِيِّ بِوُجوهٍ مَصْدومَة.
الجِهازُ الذي كانَ يَرْسُمُ المُنْحَنياتِ بِقُوَّةٍ قَبْلَ قَليل… تَوَقَّفَ تَماماً.
“لَقَد… انْتَهَت مَوْجَةُ الوُحوش.”
ماذا؟ انْتَهَت مَوْجَةُ الوُحوش؟
هَل يُمْكِنُ لِلْمَوْجَةِ أَنْ تَنْتَهِيَ دونَ ظُهورِ وَحْشٍ واحِد؟
أَمامَ هذا المَوْقِفِ الغَريب، نَظَرَ لويد إِلى يوتياس بِغَضَب.
كانَ لويد يَشُكُّ فيهِ مُنْذُ البِداية، وبَدا وكأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ يوتياس هو مَن صَنَعَ هذا المَوْقِفَ عَمْداً.
“أَيُّها اللَّعِين، هَل تُريدُني أَنْ أُصَدِّقَ هذا؟ أَشُكُّ في أَنَّهُ لم تَكُن هُناكَ مَوْجَةُ وُحوشٍ أَصْلاً.”
“ماذا تَقُول؟ هذا ظُلْم! أَنا أَيْضاً أَرَى هذا المَوْقِفَ لِأَوَّلِ مَرَّة. انْقِطاعُ الاهْتِزازاتِ تَماماً أَمْرٌ مُذْهِلٌ حَقّاً.”
“وهَل سَنَكْتَفي بِقَوْلِ أَنَّهُ أَمْرٌ مُذْهِل؟”
تَطايَرَ الشَّرَرُ بَيْنَ نَظَراتِ لويد ويوتياس.
شَعَرْتُ أَنَّني إِذا لم أَتَدَخَّل الآن، فإِنَّ هذا المَكانَ سَيَتَحَوَّلُ إِلى حُطامٍ كَما يَحْدُثُ دَائِماً في قَصْرِ هيلديريوس.
“انْتَظِرا لَحْظَة…! فَلْنَأْخُذْ نَفَسَاً. عَلى أَيِّ حال، الجِهازُ رَصَدَ الاهْتِزازاتِ بِدِقَّة، وما حَدَثَ الآن هو مُجَرَّدُ ظاهِرَةٍ غَريبَة!”
بَعْدَ كَلامي، نَظَرَ لويد نَظْرَةً أَخيرةً إِلى يوتياس ثُمَّ أَمَرَ القائِد:
“سَنَعودُ إِلى المَدْخَلِ حَتَّى نَفْهَمَ ما الذي يَحْدُث.”
عُدْنا إِلى مَدْخَلِ غابَةِ الأَشْجارِ البَيْضاءِ دونَ أَيِّ نَتيجَة.
وفِي اللَّحْظَةِ التي وَصَلْنا فيها…
“لَقَد… لَقَد بَدأَت مَوْجَةُ الوُحوشِ مُجَدَّداً!”
صَرَخَ الساحِرُ المَسْؤولُ عَن الجِهاز.
“لا تَرْتَبِكوا! نَظِّمُوا الصُّفوف!”
بِأَمْرِ لويد، اسْتَعَدَّ الفُرْسانُ والسَّحَرَةُ فَوْراً، وعادَ التَّوَتُّرُ إِلى الوُجوه.
لكِن…
“لا يوجَدُ شَيْء؟”
عِنْدَما عُدْنا إِلى الغابَة، لم يَكُن هُناكَ أَيُّ أَثَرٍ لِلوُحوش.
حَكَّ قائِدُ الفُرْسانِ رَأْسَهُ وهو يَرَى غَزالاً يَهْرُبُ بَيْنَ الأَعْشاب.
وكأَنَّ الجِهازَ يَسْخَرُ مِن حَيْرَتِنا، تَوَقَّفَ عَن العَمَلِ مُجَدَّداً.
بَدأْتُ أَشُكُّ في أَنَّ الجِهازَ نَفْسَهُ مُعَطَّل.
أَمامَ نَظَراتِ الجَميعِ المُرتابَة، أَخْرَجَ يوتياس عِدَّةَ أَجْهِزَةٍ سِحْرِيَّةٍ أُخْرى، بَل وقامَ بِصُنْعِ جِهازٍ جَديدٍ أَمامَ النَّاس.
رَغْمَ أَنَّ الصُّنْعَ يَسْتَغْرِقُ وَقْتاً، إلا أَنَّهُ أَنْهاهُ بِسُرْعَةٍ فائِقَة.
صَنَعَ يوتياس ثَلاثَةَ أَجْهِزَةٍ لِلتَّأَكُّد.
وكانَت كُلُّ تِلْكَ الأَجْهِزَةِ تَعْمَلُ وتَتَوَقَّفُ في آنٍ واحِدٍ مَعَ حَرَكَتِنا، حَتَّى تَوَقَّفَت تَماماً عَن العَمَلِ بَعْدَ قَليل.
“… عَلى جَميعِ الأَعْضاءِ الانْتِظارُ حَتَّى نَفْهَمَ الوَضْع.”
بِأَمْرِ لويد، بَدأَ الفُرْسانُ بِنَصْبِ الخِيامِ عِنْدَ مَدْخَلِ الغابَة.
تَوَجَّهْتُ أَنا إِلى مَخْزَنِ المَوادِّ لِتَرْتيبِ أَدَواتِ العِلاج.
“حَسَناً، لِنُرَتِّب الأَغْراض.”
“عُذْراً… كاي؟”
ناداني أَحَدُهُم.
رَفَعْتُ رَأْسي فرَأَيْتُ وَجْهاً مَأْلوفاً.
امْرَأَةٌ لَطيفَةٌ تَرْبِطُ شَعْرَها الوَرْدِيَّ بِأَناقَة، وتَرْتَدي زِيَّ المُعالِجينَ الإمْبِراطورِيّ.
اسْمُها…
“الآنِسَة لوسي؟ أَنْتِ لوسي، صَح؟”
لَقَد كانَت المُعالِجَةَ لوسي، سابِقَتي ومُدَرِّبَتي عِنْدَما كُنْتُ في مَقَرِّ المُعالِجينَ بالعاصِمَة.
“يا لَها مِن مُفاجَأَة! ماذا تَفْعَلينَ هُنا؟”
ابْتَسَمَت لوسي بِاتِّساع:
“يُشَرِّفُني أَنَّكِ تَذَكَّرْتِني. لَقَد تَمَّ إِرْسالي هُنا لِلعَمَلِ بالتَّنْسيقِ مَعَ بُرْجِ السَّحَرَة. هَل هُناكَ شَيْءٌ يُمْكِنُني المُساعَدَةُ فيه؟”
“هَل يُمْكِنُكِ مُساعَدَتي في التَّأَكُّدِ مِن المَواد؟”
“بِالطَّبْع!”
بِفَضْلِ مُساعَدَتِها، انْتَهى العَمَلُ بِسُرْعَة.
“كَيْفَ حالُ مَقَرِّ المُعالِجين؟”
سَأَلْتُها لِلاطْمِئْنان، فَتَرَدَّدَت لوسي قَليلاً ثُمَّ ابْتَسَمَت ابتسامَةً باهِتَة.
فَهِمْتُ مِن تِلْكَ الابتسامَةِ المُرَّةِ ما تُريدُ قَوْلَه:
‘… لا يَزالُ المَكانُ سَيِّئاً جِدّاً.’
أَنا أَعْلَمُ تَماماً مَدى سُوءِ ذلِكَ المَكان.
“هاهاها. لَقَد رَتَّبْنا مِئَةَ صُنْدوقٍ مِن الجَبائِر، ولَم يَبْقَ سِوى صُنْدوقٍ واحِدٍ مِن الجُرْعات.”
حاوَلْتُ تَغْييرَ المَوْضوعِ وتَوَجَّهْتُ نَحْوَ الصُّنْدوقِ الأَخير.
بَعْدَ هذا سأَنْتَهي!
مَسَحْتُ العَرَقَ عَن جَبيني وفَتَحْتُ الصَّنْدوق.
وفي تِلْكَ اللَّحْظَة، قَفَزَ شَيْءٌ ما مِن الدَّاخِل!
“أوه؟!”
شَعَرْتُ بِشَيْءٍ يَلْتَصِقُ بِي، وشَعَرْتُ بِحَرارَةِ جِسْمٍ دافِئَة.
نَظَرْتُ لِلأَسْفَلِ فرَأَيْتُ طِفْلاً بِشَعْرٍ أَبْيَضَ وعُيونٍ حَمراءَ يَنْظُرُ إِليَّ بابتسامَة.
“أَنْتَ… أَنْتَ… آين!”
لَقَد كانَ آين.
“كَيْفَ دَخَلْتَ إِلى هُنا؟”
تَذَكَّرْتُ فجأةً كلامَ الدوقَةِ هذا الصَّباح:
°لا أَعْلَمُ أَيْنَ ذَهَبَ الآن.°
إِذاً، لَقَد كانَ هُنا طَوالَ الوَقْت؟
“هَل بَقيتَ في هذا الصُّنْدوقِ كُلَّ هذا الوَقْت؟ هذا خَطيرٌ جِدّاً!”
عِنْدَما وَبَّخْتُهُ، امْتَلأَت عَيناهُ بالدُّموع.
‘البُكاءُ لَنْ يَحُلَّ المُشْكِلَة!’
لكِنَّني لم أَسْتَطِع تَرْكَ طِفْلٍ يَبْكي.
حَمَلْتُهُ وبَدأْتُ أُهَدِّئُه، فاقْتَرَبَت لوسي وتَساءَلَت:
“كاي، هَل هذا ابْنُكِ؟”
لا! أَنا لم أَتَزَوَّج بَعْد!
“إِنَّهُ طِفْلٌ أَعْتَني بِهِ في القَصْر.”
نَظَرَت لوسي إِلى شَعْرِهِ الأَبْيَضِ وعَيْنَيْهِ الحَمْراوَيْن، وهَزَّت رَأْسَها بِتَفَهُّمٍ رَغْمَ شَكِّها.
“فَهِمْتُ…”
حَسَناً… مَعَ لَوْنِ الشَّعْرِ والعَيْنِ النَّادِر، لَيْسَ غَريباً أَنْ تَظُنَّ ذلِك.
لكِنَّ المُشْكِلَةَ الآن لَيْسَت في رَدِّ فِعْلِ لوسي.
المُشْكِلَةُ هي وُجودُ آين في مَكانٍ خَطيرٍ كَهذا حَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ تَبْدَأَ مَوْجَةُ الوُحوشِ في أَيِّ لَحْظَة.
هَل لا تَزالُ البَوَّابَةُ مَفْتوحَة؟
أَوْصَيْتُ لوسي بِتَكْمِلَةِ تَرْتيبِ الجُرْعات، وقُلْتُ لِآين:
“لِنَعُد لِلمَنْزِل يا آين، هذا المَكانُ خَطير!”
ذَهَبْتُ إِلى الساحِرِ المَسْؤولِ عَن البَوَّابَة، لكِنَّهُ هَزَّ رَأْسَه:
“لَقَد انْقَطَعَ الاتِّصالُ بالبَوَّابَةِ بِالفِعْل.”
إِذاً، لم يَبْقَ سِوى لَفافَةِ الانْتِقالِ الآنيّ
تَوَجَّهْتُ إِلى خَيْمَةِ لويد.
“لويد”
كانَ لويد يَنْظُرُ إِلى الخَرائِطِ والأَوْوراقِ بِتَرْكيز، وعِنْدَما نَظَرَ لِلأَسْفلِ ورَأى آين، صُدِمَ تَماماً كَما صُدِمْتُ أَنا.
“لِماذا… لِماذا آين هُنا؟”
أَنا أَيْضاً أَتَساءَل.
“لَقَد تَسَلَّلَ واخْتَبَأَ في صُنْدوقِ المَؤُونَة.”
عَقَدَ لويد حاجبَيْهِ وأَخْرَجَ لَفافَةً سِحْرِيَّة:
“يَجِبُ أَنْ نُعيدَهُ، المَكانُ خَطيرٌ جِدّاً.”
بِمُجَرَّدِ سَماعِ ذلِك، بَدأَت دُموعُ آين تَتَساقَط، وأَمْسَكَ بِساقي بِقُوَّةٍ وهو يَهَزُّ رَأْسَهُ رَفْضاً لِلرَّحيل.
حاوَلَ لويد شَرْحَ مَدى خُطورَةِ المَكانِ وتَهْدِئَتَه، لكِنَّ آين دَفَنَ وَجْهَهُ في مَلابِسي ورَفَضَ التَّحَرُّك.
“لا يُمْكِنُنا إِجْبارُهُ عَلى الرَّحيلِ وهو في هذهِ الحالَة… سأَتَّصِلُ بالعاصِمَةِ وأَطْلُبُ مِن دابين المَجيء.”
تَنَهَّدَ لويد ووَضَعَ يَدَهُ عَلى كُرَةٍ بَلُّورِيَّة.
ومَا إِن أَمَدَّها بالمانا حَتَّى لَمَعَت، وظَهَرَ وَجْهُ دابين بَعْدَ قَليل.
-لويد!
لَم يَمُرَّ سِوى يَوْمٍ واحِدٍ عَلى فِراقِنا، لكِنَّ الهالاتِ السَّوْداءَ كانَت تَمْلأُ وَجْهَ دابين، وشَعْرُها الذي كانَ دَائِماً مُرَتَّباً بَدا مُبَعْثَراً تَماماً.
التعليقات لهذا الفصل " 63"