الفصل 61
“…!”
قامَ أَحَدُهُم بِلَعْقِ شَفَتَيْهِ وهو يَتَفَحَّصُ جَسَدي بِنَظَراتٍ مُقْرِفَةٍ ثُمَّ قال:
“هيهيهيهي. يَبْدو أَنَّنا عَثَرْنا عَلى صَيْدٍ ثَمين.”
“تَعالَيْ مَعَنا بِهُدوءٍ يا آنِسَة، إِنْ كُنْتِ لا تُريدينَ المَتاعِب.”
أَخْرَجوا سَكاكينَهُم وهم يَضْحَكون.
وفجأةً، رَكَضَ آين ووَقَفَ أَمامي باسطاً ذِراعَيْهِ لِيَحْمِيَني.
أَلَيْسَ مِن الطَّبيعيِّ لِطِفْلٍ في عُمْرِهِ أَنْ يَخْتَبِئَ خَلْفي وهو يَرْتَجِف؟
لكِنَّ ظَهْرَ آين كانَ يَبْدو ثابِتاً لِلغايَة.
أَمامَ تَصَرُّفِ آين المُفاجِئ، بَدأَ الأَوْغادُ بالضَّحِكِ الساخِر.
“يا صَغير، بِمَنْ سَتَحْمي بِذاتِ ذِراعَيْكَ النَّحيلَتَيْن؟ الأَفْضَلُ لَكَ أَنْ تَهْرُب.”
“أَيُّها الأَحْمَق، إِنَّهُ لا يَعْرِفُ قيمَةَ حَياتِه.”
“هذا الفَتى وَسيم، سَنَجْني الكَثيرَ مِن المالِ عِنْدَ بَيْعِهِ في المَزاد.”
بَدأوا يَقْتَرِبونَ مِنّا بِاستِخفاف.
كانَ هذا المَشْهَدُ مَأْلوفاً لي جِدّاً؛ إِنَّها “الكليشيهات” التي أَعْرِفُها جَيِّداً كَمُحِبَّةٍ لِرِواياتِ الرُّومانسِ الخَيالِيّ.
البَطَلَةُ الضَّعيفةُ التي لا تَسْتَطيعُ حِمايَةَ نَفْسِها، وظُهورُ الأَشْرارِ لِمُضايَقَتِها، ثُمَّ يَهْبِطُ بَطَلُ العَدالَةِ لِيُنْقِذَها…
لكِنْ، لا يُمْكِنُ أَنْ يَظْهَرَ البَطَلُ لِيُنْقِذَني هُنا!
لِماذا؟
لأَنَّني “الشِّرّيرةُ” في هذهِ الرِّواية.
تَنَهَّدْتُ وتَقَدَّمْتُ لِأَقِفَ أَمامَ آين.
نَظَرَ إِليَّ آين بِدَهْشَةٍ وقَلَقٍ وكأَنَّهُ يَسْأَلُني عَمَّا سَأَفْعَلُه.
صَحيحٌ أَنَّني قَبْلَ أَشْهُرٍ لَم أَكُن أَعْرِفُ سِوى سِحْرِ العِلاج، لكِنَّ البَشَرَ يَتَطَوَّرون.
وَضَعْتُ يَدي في حَقيبَتي، فاستَهْزَأَ الأَوْغادُ بي:
“ماذا؟ هَل تَمْلِكينَ سِلاحاً؟”
ما أَخْرَجْتُهُ مِن الحَقيبَةِ كانَ… كِتاباً.
كِتابٌ عادِيٌّ بِلا عُنْوان.
ضَحِكَ الأَوْغادُ بِسُخْرِيَةٍ أَكْبَر:
“يا لَلْهَوْل، هل سَتَضْرِبينَنا بِذلِكَ الكِتاب؟”
تَجاهَلْتُ ضَحِكاتِهِم وفَتَحْتُ الكِتاب.
هَبَّت رِيحٌ خَفيفَةٌ وحَرَّكَت شَعْري.
[بِمانا الخَاصَّةِ بي، أَمْنَحُ القُوَّة]°
فجأةً، ظَهَرَت دَوائِرُ سِحْرِيَّةٌ ورُموزٌ عَلى صَفَحاتِ الكِتابِ البَيْضاء.
عِنْدَها صَرَخَ الرَّجُلُ ذو الرِّداءِ الأَسْوَدِ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ الخَطَر:
“خُذوا الكِتابَ مِنْها فَوْراً!”
لكِنَّ الأَوانَ قد فات.
[بَرْقُ الصَّاعِقَة]°
وما إِنِ انْتَهَيْتُ مِن كَلامي، حَتَّى دَوى الرَّعْدُ وبَرَقَت السَّماءُ الصَّافِيَةُ فجأة.
وفي اللَّحْظَةِ التي نَظَرَ فيها الأَوْغادُ نَحوَ السَّماءِ بِذُهول…
كواااانغ!
اخْتَرَقَت الصَّواعِقُ أَجْسادَهم.
ارْتَجَفَت أَجْسادُهُم بِقُوَّةٍ بَيْنَما تَمُرُّ الكَهْرُباءُ مِنْ خِلالِهِم، ثُمَّ سَقَطوا جَميعاً عَلى الأَرْضِ بَعْدَ أَنْ تَفَحَّمَت جُلودُهُم.
مُنْذُ وُصولي لِقَصْرِ هيلديريوز ومُروري بِتِلْكَ الحَوادِث، قَرَّرْتُ أَنَّ عَلَيَّ امْتِلاكَ قُوَّةٍ لِحِمايَةِ نَفْسي.
حاوَلْتُ تَعَلُّمَ السِّحْر، لكِنَّ دابين عارَضَت الأَمْرَ بِشِدَّة.
لِذا لَم يَبْقَ أَمامي سِوى أَدَواتِ الدِّفاعِ عَن النَّفْس.
وعِنْدَما رَأَيْتُ لويد يَسْتَخْدِمُ لَفافاتِ الانْتِقالِ الآنيّ، خَطَرَت لي فِكْرَة.
°لويد! هل يُمْكِنُكَ صُنْعُ لَفافاتٍ سِحْرِيَّة؟°
أَوْمَأَ لويد:
°أَيَّ نَوْعٍ تُريدين؟°
°لَفافاتٍ سِحْرِيَّةٍ هُجومِيَّة!°
وعِنْدَما أَخْبَرْتُهُ أَنَّها لِلدِّفاعِ عَن النَّفْس، صَنَعَها لي فَوْراً.
ورَأَت دابين ذلِكَ فاشْتَرَكَت في الأَمْر.
لَقَد صَنَعَ التَّوأمانِ كَمِّيَّةً كَبيرةً مِن اللَّفافاتِ وجَمَعاها في هذا الكِتاب، لِيَكونَ “كِتاباً سِحْرِيّاً” لا يَعْمَلُ إلا بِتَدَفُّقِ المانا الخاصَّةِ بي، حَتَّى لا يَسْتَخْدِمَهُ شَخْصٌ آخَر.
لَقَد كانا تَوْأَمَيْنِ مُرْعِبَيْنِ حَقّاً.
“أَيَّتُها اللَّعينَة! سَأَكْسِرُ عِظامَكِ وأَجْعَلُكِ عَبْدَة!”
بَدأَ بَعْضُهُم بالنُّهوضِ وهم يَشْتِمون، لِأَنَّ قُوَّةَ السِّحْرِ لم تَكُن كافِيَةً لِقَتْلِهِم.
“لَقَد حاوَلْتُ أَنْ لا أَسْتَخْدِمَ هذا السِّحْر، لكِن لا خِيارَ أَمامي.”
فَتَحْتُ الصَّفْحَةَ الأَخيرَةَ مِن الكِتاب.
تَذَكَّرْتُ كَلامَ لويد:
°هذا سِحْرُ انْتِقالٍ آنِيّ، اسْتَخْدِميهِ مَعَ الأَشْرار.°
وتَذَكَّرْتُ ضَحْكَةَ دابين:
°إِنَّهُ يَنْقُلُهُم مُباشَرَةً فَوْقَ دَوائِرِ ظُهورِ الوُحوشِ في دِنْغون أسينتا.°
نَظَرْتُ بِآسَى إلى وُجوهِهِم المَذْعورَةِ وهي تَخْتَفي:
“كانَ عَلَيْكُم أَنْ تَكونوا أُناساً صالِحينَ أَيُّها الأَعْمام.”
تَلاشى الأَوْغادُ مِن الزُّقاقِ تَماماً.
نَظَرَ آين إِليَّ وإلى الزُّقاقِ الفارِغِ بِذُهول.
“ههه، آين، لَقَد قُلْتُ لَكَ لا تَقْلَق”
عِنْدَما مَسَحْتُ عَلى رَأْسِ آين، نَظَرَ إِليَّ بِتَعْبيرٍ غامِض، ثُمَّ ارْتَمى في حِضني وكأَنَّهُ سَيَبْكي.
“هل كُنْتَ خائِفاً؟ أَنا آسِفَة، خَرَجْتَ بِسَبَبي.”
هَزَّ آين رَأْسَهُ نافِياً.
“هل نَعودُ لِلمَنْزِل؟”
أَوْمأَ آين ثُمَّ مَثَّلَ حَرَكَةَ الأَكْل:
“حَلْوى القُطْن؟ هل نَشْتَريها قَبْلَ العَوْدَة؟”
لَمَعَت عَيْناهُ وأَوْمأَ بِقُوَّة.
أَمْسَكْتُ بِيَدِهِ وقُلْتُ لَهُ:
“آين، ما حَدَثَ اليومَ سِرٌّ بَيْنَنا، لا تُخْبِر التَّوْأَم.”
بَيْنَما كانَت كاي وآين يُغادِران، وَقَفَ شَخْصٌ مُلَثَّمٌ عَلى سَطْحِ مَبْنىً قَريب، وفي يَدِهِ كُرَةٌ بَلُّورِيَّةٌ حَمراء.
نَظرَ لِلكُرَةِ المُلَثَّمٌ البَلُّورِيَّةِ وتَحَدَّثَ:
“هل تَأَكَّدْتِ؟”
خَرَجَ صَوْتُ بُكاءٍ خَفيفٍ مِن الكُرَة:
-أوه، ابْنَتي العَزيزَة…
ثُمَّ تابَعَ الصَّوْتُ الباكي:
-أَنْتِ هُناكَ إِذاً… إيفيليانا روزبيلير.
❁❁❁
“يَبْدو أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ جاهِز.”
تَفَقَّدْتُ غُرْفَتي لِآخِرِ مَرَّة.
لَقَد جَمَعْتُ كُلَّ أَغْراضي.
بَقِيَ آين… لَقَد كانَ حَزيناً مُنْذُ عَشاءِ الأَمْس، ونامَ تَحْتَ غِطائِهِ دونَ أَنْ يَنْظُرَ إِليّ، لأَنَّهُ لم يَسْتَطِع مَنْعي مِن الرَّحيل.
قَرَّرْتُ المَغادَرَةَ بِهُدوءٍ لأَنَّ الوَقْتَ كانَ فَجْراً.
“سأَعودُ قَريباً.”
عِنْدَما هَمَمْتُ بِفَتْحِ الباب، اقْتَرَبَ روبا مِني وبَدأَ يَخْدِشُ البابَ وكأَنَّهُ يُريدُ الخُروجَ مَعي.
مَسَحْتُ تَحْتَ ذَقْنِهِ وهَمَسْتُ:
“قَد يَكونُ الأَمْرُ خَطيراً يا روبا، اعْتَنِ بِآين مِن أَجْلي.”
تَوَجَّهْتُ إلى ساحَةِ التَّدريبِ بِقَلْبٍ مُثْقَل.
رَغْمَ الفَجْر، كانَت الساحَةُ مَليئَةً بالفُرْسانِ والسَّحَرَة.
سَيَقومُ السَّحَرَةُ بِصُنْعِ بَوَّابَةٍ عِمْلاقَةٍ لِنَقْلِنا إلى أَراضي هيلديريوس البَعيدة.
تَفَقَّدْتُ أَدَواتِ العِلاجِ بِدِقَّة.
وبَيْنَما كُنْتُ أَنْظُرُ لِلصُّنْدوقِ الأَخير، ناداني قائِدُ الفُرْسانِ الأَوَّل:
“آنسة كاي، حانَ وَقْتُ الرَّحيل!”
كانَت الشَّمْسُ قد أَشْرَقَت.
تَبِعْتُ القائِدَ فرَأَيْتُ لويد يَرْتَدي زِيَّ فُرْسانِ هيلديريوس الرَّسْميّ.
بَدا تَماماً كَما رَأَيْتُهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ في غابَةِ الظَّلام.
رَأَيْتُ الدوقَ والدوقَةَ ودابين يُوَدِّعوننا، لكِنَّ آين لم يَكُن مَوْجوداً.
“لَقَد ظَلَّ يَبْكي طَوالَ الفُطور، لا أَعْلَمُ أَيْنَ ذَهَبَ الآن.”
قالَت الدوقَةُ بِتَنَهُّد.
“لا تَقْلَقي، سأَعْتَني بِآين وروبا جَيِّداً.”
قالَت دابين.
فجأةً، امْتَلأَت الساحَةُ بِمانا هائِلة.
“البَوَّابَةُ جاهِزَة!”
صَعَدْتُ إِلى البَوَّابَةِ بِقَلْبٍ مُرْتَجِف.
بَدأَ المَشْهَدُ يَتَمَوَّجُ ويَتَغَيَّر، واخْتَفَت مَعالِمُ القَصْر.
وبَعْدَ لَحَظات…
“لَقَد وَصَلْنا!”
تَحْتَ سَماءٍ صافِيَة، رَأَيْتُ جِبالاً ثَلْجِيَّةً عِمْلاقَة.
كانَ الهَواءُ بارِداً جِدّاً لِدَرَجَةِ أَنَّ القَشْعَريرَةَ سَرَت في عِظامي.
اقْتَرَبَ لويد مِني ووَضَعَ عَباءَةً بَيْضاءَ ناعِمَةً عَلى كَتِفَيّ.
بِمُجَرَّدِ أَنْ لَبِسْتُها، اخْتَفى الشُّعورُ بالبَرْد.
“هذه…؟”
“عَباءَةٌ مُقاوِمَةٌ لِلبَرْد.”
لَقَد ظَهَرَت!
الأَداةُ الأَساسِيَّةُ في رِحلاتِ الشَّمالِ في الرِّوايات!
العَباءَةُ التي يَضَعُها البَطَلُ عَلى أَكْتافِ البَطَلَة!
“شُكْراً لَكَ يا لويد.”
احْمَرَّ وَجْهُ لويد قَليلاً وسَعَلَ لِيُدارِيَ خَجَلَهُ، ثُمَّ أَشارَ إِلى أَسْفَلِ التَّلّ:
“ذلِكَ هو حِصْنُ هيلديريوس الرَّئيسِيّ.”
كانَ هُناكَ قَصْرٌ عِمْلاقٌ ومَهيبٌ لا يُمْكِنُ مُقارَنَتُهُ بِقَصْرِ العاصِمَة.
التعليقات لهذا الفصل " 61"